إلى ان ظهر العالم ادوين هابل على الساحة، لم تكن لدى علماء الفلك طريقة لحساب عمر الكون، ولم يكونوا واثقين من وجود أي شيء أبعد من مجرة درب اللبانة. ثم اكتشف هابل في عام 1924 ان هناك المزيد من المجرات (فهناك في الحقيقة المليارات من المجرات). ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد، فبحلول نهاية العشرينيات من القرن العشرين، أثبت هابل ان الكون يتمدد وان سرعة تمدده يمكنها ان تخبرنا عن عمره. وكان هابل قد وجد ان المجرات تبعد عن بعضها بسرعات تزداد تناسبياً مع المسافة. واذا استطعنا ان نعرف مدى سرعة ابتعاد المجرات عن مجرتنا ومدى ابتعادها، فإننا نستطيع ان نحدد سرعة تمدد الكون المعروفة باسم ثابت هابل، وعندها يكون بالامكان حساب عمر الكون. إن من السهل نسبياً قياس سرعة الضوء وذلك من خلال نظر الى الطيف الضوئي الخاص بمجرة ما: كلما تحول أكثر الى الأحمر، كلما كان ابتعاد المجرة عنّا أسرع، لكن قياس المسافات مهمة صعبة للغاية لدرجة ان قياس هابل للثابت الذي وضعه تبيّن انه خاطيء بمقدار عامل من عشرة تقريباً. وفي التسعينيات من القرن الماضي توصل العلماء من خلال حسابات معينة الى نتيجة مفادها ان عمر الكون يبلغ حوالي 13 مليار سنة. لكن كيف يمكننا ان نعرف ذلك على وجه التقريب؟ فالطبيعة لا تطبع شهادات ميلاد أو تدق تاريخاً على ابداعاتها وكأنها عملات معدنية. لقد تعلّم العلماء تحديد عمر العظام والصخور والكواكب والنجوم باستخدام ساعات تعمل في الذرات نفسها التي تشكلها. وباستخدام هذه الادوات الطبيعية لقياس الزمن ـ التي يمكنهم قراءتها بوضوح مذهل ـ يمكنهم فهم القوى التي شكلت القارات والحياة نفسها والحضارة البشرية والمجرات. ولم يعد التاريخ الانساني يطابق مقياس التاريخ الطبيعي. واذا كان عمر الكون الذي يبلغ حوالي 13 مليار سنة يساوي يوماً صيفياً واحداً، فإن المئة ألف عام الماضية التي شهدت ظهور الانسان الحديث وفجر الزراعة وجميع فصول التاريخ المكتوب، ستكون بمثابة ومضة ليراعة عند غروب الشمس. يستطيع العلماء ان يختاروا من بين انواع مختلفة من الساعات الطبيعية استناداً الى مقياس الزمن الذي يتعاملون معه. فللفترة التي تعود الى 40000 سنة أو ما يقاربها يعتمد العلماء على الكربون المشع. وبقياس كمية الكربون المشع في عينة من شيء كان حياً في يوم من الأيام، يمكنهم تحديد الفترة الزمنية التي مضت على وفاته. من أين يأتي الكربون المشع؟ إن جميع الذرات بما فيها ذرات الكربون وذرات كل عنصر آخر، تحتوي على اجزاء أصغر في نواتها، من بينها البروتونات موجبة الشحن والنيوترونات متعادلة الشحنة. وعموماً، فإن ذرات العنصر نفسه تحتوي على العدد نفسه من البروتونات والنيوترونات. فذرة الكربون على سبيل المثال عادة ما تحتوى على ستة بروتونات وستة نيوترونات والتي اذا جمعت معاً لتعطي هذا الشكل من الكربون إسم: كربون 12. وعندما تكون ذرات العنصر نفسه تحتوى على أعداد مختلفة من النيوترونات في أنويتها، فإن تلك الذرات تدعى بالنظائر. وبالتالي، فإن كربون 12 هو أحد نظائر الكربون تماماً مثلما هو الحال بالنسبة لكربون 14 الذي يتحتوي على ثمانية نيوترونات ويعتبر مشعاً. ويتشكل الكربون 14 عندما تصطدم جسيمات من الفضاء بذرات النيتروجين في الجو. إن النظائر المشعة تتحلل بسرعة متوقعة والكربون 14 ليس استثناء، فإذا وضعت رطلاً منه في زجاجة فإن نصف الزجاجة سيتحلل في غضون 5730 عاماً. وبعد 5730 عاماً أخرى لن يتبق منه سوى الربع. ويسمى علماء الفيزياء هذه الفترة البالغة 5730 عاماً نصف عمر الكربون 14. وتحتوي النبابات والحيوانات الحية التي تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو على مستويات ثابتة من الكربون 12 والكربون 14، ولكن حالما تموت هذه الاحياء، فإن مخزون الكربون 14 الذي يتحلل الى نيتروجين 14 بسرعة معروفة، يبدأ بالتضاؤل. وبمقارنة مستوى الكربون 14 مع الكمية الإجمالية من الكربون في المادة، يستطيع العلماء ان يحسبوا كم من الزمن مضى على موت النبات أو الحيوان. أما الحفريات التي يزيد عمرها على 40000 عام فتحتوي على كمية ضئيلة متبقية من الكربون 14 مما يضطر العلماء للبحث عن طرق أخرى لتحديد عمرها. ومن هذه الطرق ما استخدمه العالم الجيولوجي جيفورد ميلر من جامعة كلورادو في تحديد عمر مستحاثات في منطقة بحيرة فيكتوريا جنوبي استراليا. الطريقة الأولى تقيس العمر من خلال تحديد الفترة الزمنية التي مضع على تعرض عنصر معدني مثل الكوارتز لأشعة الشمس. والطريقة الثانية في تحديد العمر تتلخص في فحص ودراسة البروتينات المحفوظة داخل المستحاثات أو من خلال ما يسمى بترازم الحامض الأميني. ضرار عمير