اضحت المنطقة المعروفة باسم «مدينة لندن» البالغة مساحتها ميلاً مربعاً داخل العاصمة البريطانية، وهي واحدة من اعظم المراكز المالية في العالم، حلبة تطغى فيها مهارة الاجانب وحماستهم على مهارة وحماسة ابناء ذلك البلد. هذا هو الاستنتاج الذي توصل اليه المؤرخ ديفيد كيناستون الذي انجز مؤخراً دراسة مؤلفة من اربعة مجلدات عن القرنين الماضيين عن المركز المالي. ويقول كيناستون عن المدينة: «انها اشبه ببطولة كرة المضرب في ويمبلدون، نحن نقدم الملاعب والاجانب يقدمون الابطال». ويضيف: «لقد حدث كل ذلك خلال السنوات العشرين الماضية. لقد استولت بنوك اجنبية على معظم البنوك التجارية».تشكل مجلدات مدينة لندن التي اعدها كيناستون ملحمة من 13 مليون كلمة تحكي قصة تطور المنطقة كمحور عالمي للمال. وتبين عناوين المجلدات المراحل الزمنية لما حدث: وهي عالم قائم بذاته عام (1815 ـ 1890) والسنوات الذهبية (1890 ـ 1914) ووهم الذهب 1914 ـ 1945 ولم تعد ناديا (1945 ـ 2000). وتبدأ المجلدات في العام 1815 وهو يصلح كنقطة بداية مع اي مرحلة اخرى، كما قال كيناستون في مقابلة صحافية، حيث ان لندن كانت قبل ذلك الى حد بعيد سوقاً تجارية وسوق اسهم مؤلفة بغالبيتها من السندات الحكومية. ولم تبدأ بريطانيا تصدير الرساميل الا بعد معركة واترلو التي هزم فيها نابليون سنة 1815، وهذه صفة سوق مالية دولية. والقصة التي ترويها المجلدات التي تشكل مادة دسمة للمطالعة عن الاغنياء والمشاهير والاقوياء والكادحين والمجرمين والمحتالين. وقد وصفت مجلة «انجلش هستوريكال ريفيو»، وهي مطبوعة اكاديمية المجلدات بانها «عمل خبير ومهم وصورة عن تطور المدينة التي تفوقت كثيراً عن كل المدن المعروفة قبلها». وقد غاص كيناستون (49 سنة)، مؤرخ الاعمال والمال الذي يكتب ايضاً عن لعبة الكركيت، في ارشيفات البنوك ودور المال وسجلات «جيلد هول»، مقر شركة مدينة لندن، التي تحكم الحي المالي. وقد قام الاجانب بلعب دور مهم في تاريخ المدينة منذ بداية القصة. ويركز كيناستون على ثلاثة من هؤلاء وهم ناثان روتشيلد والسير ارنست كاسيل وزيجموند واربرج. وقال كيناستون ان هؤلاء الثلاثة كانوا اجانب، من اليهود الالمان. ولم تكن المدينة تحب اياً منهم ولكنهم كانوا مصممين وموهوبين الى درجة انه لم يكن للمدينة اي خيار سوى القبول بهم. كان ناثان روتشيلد عميد عائلته المشهورة في عالم العمل المصرفي في لندن بين العام 1810 و 1836. اي في المرحلة التي انتزعت فيها لندن من امستردام الزعامة كمركز عالمي للمال. وكاسيل بدوره كان المستشار المالي للملك ادوارد السابع وقد جسد العصر الذهبي قبل العام 1914 عندما كانت لندن اغنى مركز مالي عرفه العالم حتى ذلك الوقت.اما واربرج فقد نفض المؤسسة المالية وانشأ السندات الاوروبية (يوروبوند) في الستينيات والتي استعادت فيه لندن الدور الدولي الذي خسرته غداة اندلاع الحرب العالمية الاولى سنة 1914.واجرى كيناستون مقابلة مع هنري جوينفيلد، ساعد واربرج الايمن، وكان الاثنان قد فرا من المانيا النازية واسسا شركة زيجموند واربرج وشركاه في العام 1946. وقال جرينفيلد انه وواربرج احيا الطريقة الكفؤة للعمل في المدينة ـ الثقة والامانة وغياب البيروقراطية والعمل المكتبي (الورق)، وشبه المدينة بآلة ناعمة وكفؤة لأن الناس كانوا يفون بوعودهم، كما يدل شعار بورصة لندن، «كلمتي هي عهدي». ولكن وينفيلد تنبه ايضاً الى ميل المصرفيين البريطانيين الى المحافظة وافتقارهم الى سعة الخيال وغريزة المقاومة والاقدام. وقال كيناستون: «يبدو لي ان المدينة كانت على الدوام على اناس من الخارج من امثال واربرج لتوفير بعض الدينامية لانها كانت تعد مدينة منطوية على نفسها وشبيهة بالنادي ولا تشجع الجدارة والاستحقاق. والبنوك التجارية يسيطر عليها زملاء الدراسة، وخريجو كلية ايتون كانوا يديرون الدفة. وقد لعب الامريكيون ادواراً مهمة منذ البداية. فعندما كانت مؤسسة بارينج تبحث عن مدير جديد لها في عشرينيات 1800 اختات التاجر البوسطني جوشوا بيتس الذي كان من الممولين الكبار والذي نقل الشركة الى مستويات جديدة، حسب كيناستون. وفي الثمانينيات الماضية روجت امرأة امريكية هي كيم اولبرايت تعاقداً جديداً للمبادلات بمشتقات السندات الحكومية الالمانية. وقد بذلت جهوداً كبيرة دعمت بورصة لندن للمستقبلات المالية دعماً كبيراً. ويقول كيناستون ان مؤسسات مورجان ستانلي وجولدمان ساخس وكريدي سويس وفيرست بوسطن وميريل لينتش كلها ذات نفود امريكي كبير. وقد كانت المدينة ماكينة ضخمة ولكنها كانت احياناً تحتاج الى اناس يلعبون لعبتها. ونشأت اسواق الافشور في الستينيات، وكان يمكن ان تذهب الشركات الى زوريخ وباريس وفرانكفورت ولكنها جاءت الى لندن. وكانت اللغة الانجليزية احد اسباب ذلك الاختيار، ولكن الفضل لا يعود ايضاً الى توفر الكثير من الموظفين الماهرين، وانما الشيء الاهم هو ان الانظمة كانت متساهلة اكثر فيما كان البنك المركزي البريطاني يتخذ موقف (الاغفال الحميد).وعن ذلك يسوق كيناستون مثلاً بقوله انه عندما جاءت البنوك الامريكية الى لندن في الستينيات لاستغلال الاسواق المالية سمح لها بنك انجلترا (البنك المركزي) ان تفعل ذلك. ومن النتائج التي ترتبت على ذلك ـ حسب كيناستون ـ ان تعززت الاجواء الامريكية عديمة الرحمة وعديمة الروح والمتميزة بساعات العمل الطويلة والعقد الفاوستي بمكافآت خيالية للبعض وغياب الامن الوظيفي للبعض الاخر «الميؤوس منها على صعيد الحياة العائلية، وقد استبعد منها الولاء. وكان معظم العاملين يبقون في شركة واحدة ولكنهم اليوم لا يوالون سوى انفسهم. غير ان هناك وجهاً جديداً ايضاً. يقول كيناستون ان المدينة اصبحت ايجابية اكثر بكثير، واختفت منها العلاقات القائمة على الطبقية والزمالة المدرسية القديمة واصبحت مفتوحة امام النساء، وربما اصبحت اكثر نظافة ايضاً لانها منظمة ومنفتحة جداً. فقديماً كانت تجري صفقات من الداخل لم يكن احد يتحدث عنها علناً. ويقول كيناستون ان ثروة وحظوظ المدينة ليست متوقفة على الاقتصاد البريطاني، ولذلك فهي اشبه بجزيرة اوفشور. ويضيف: «ان 80 في المئة على الاقل، وربما 90 في المئة من عمل المدينة يقدم الخدمات للاقتصاد العالمي. ومتوسط المداخيل في المدينة يزيد عن المتوسط الوطني العام ولذلك اصبحت منفصلة عن بقية انحاء بريطانيا».