اتفقت منظمة اليونسكو مع وزارة الثقافة والاعلام العراقية، من خلال ممثل المنظمة في بغداد، على اكمال صيانة دار الخضيري التراثية التي تقع في شارع الرشيد، وتعود الى القرن التاسع عشر، وهي من البيوت التراثية المهمة في بغداد. وقد خصصت اليونسكو مبلغ 25 الف دولار امريكي لأعمال الصيانة . ولسعة هذه الدار وحسن موقعها على ضفاف نهر دجلة فقد سكنها والي بغداد جمال باشا للمدة ( 1911 ـ 1912) . وبعد انسحاب العثمانيين ودخول الاحتلال البريطاني وسيطرته على بغداد سنة 1917، قامت سلطات الاحتلال بشراء هذه الدار، واتخذتها مقراً لشركة النفط البريطانية، وظلت على هذه الحال حتى عام 1958 حيث شغل المبنى من قبل جهات ومؤسسات عراقية عديدة، منها وزارة الزراعة، ووزارة العمل، ثم اصبحت مقراً لاتحاد نقابات العمال، وكذلك مقراً لمحاكم الشرطة . بعدها، اهمل المبنى، حتى انتبه الآثاري الدكتور طارق عبدالوهاب مظلوم الى ان هذه الدار معرضة للتغيير بفعل شرائها من احدى الشركات الاستثمارية في العراق من خلال المزايدة العلنية التي تعلنها بين فترة واخرى دائرة عقارات الدولة، ودور اخرى في نفس الشارع تتمتع بالصفة التراثية، ورفع مذكرة تفصيلية بأهمية المبنى وتاريخه، مقترحاً ان تعمل له صيانة ليستخدم كمنتدى او متحف او اي غرض ثقافي اخر تابع الى وزارة الثقافة والاعلام، بصفته مديراً للمركز الاقليمي لصيانة الممتلكات الثقافية في الدول العربية، (والذي يعنى بصيانة الموروث الحضاري والتراثي والاثاري والفلكلوري ويوجه بأمور الصيانة في كافة الدول العربية، مقره في بغداد منذ العام 1972 واسس بالاتفاق بين منظمة اليونسكو ووزارة الثقافة والاعلام) . وطالب مظلوم بامتلاك المبنى من قبل زوارة الثقافة العراقية وتحويل ملكيته من دائرة عقارات الدولة اليها بعد حصول الموافقات اللازمة . وحصلت موافقة الجهات العليا على تمليك العقار الى وزارة الثقافة والاعلام لغرض صيانته واستخدامه للأغراض الثقافية والفنية، ورصدت له التخصيصات اللازمة للمباشرة باعمال الصيانة والتطوير، وشكلت هيئة فنية اثارية اولى برئاسة المهندسة سمية جبرائيل لتنظيف المبنى واستكمال الامور الهندسية من مسوحات وخطط وغيرها، ومن التخصيصات المرصودة لها. وتحدث الدكتور مظلوم عن مميزات هذا المبنى قائلاً: تعد هذه الدار من البيوت التراثية المهمة والجميلة والمتميزة، حيث تضم وتحوي عناصر معمارية من الطراز العراقي الخاص بمدينة بغداد، وهي تطل على نهر دجلة الخالد وشارع الرشيد (اجمل شوارع بغداد) ويتميز مدخله بزخارف معمارية ومقرنصات هندسية واضحة وبديعة . ومن العناصر التراثية الاخرى الموجودة في المبنى اقواس وزخارف تنسب الى الزخارف والنقوش الاسلامية العباسية وتتشابه مع ما معمول به في العصر العباسي . كذلك سقوف المبنى واعمدته، والقبة الموجودة فيه بنيت على وفق الطراز البغدادي الاصيل .وتحدث محمد كاظم حول اعمال الصيانة قائلاً:تقارب مساحة المبنى (1200) م 2، ويتألف من طابقين، لكن للاسف ان الحالة الانشائية للمبنى سيئة جداً، لانه شغل من عدة دوائر ومؤسسات، وهذه الدوائر كانت تحور في المبنى وفق طبيعة عملها، وباساليب غير صحيحة، وقد تضررت السقوف الخشبية والاعمدة جراء الحقب المتلاحقة وسوء الاستخدام .. لذلك فقد واجهت الهيئة صعوبات كثيرة في الكشف عن شكل التصميم المعماري الاصلي، وقد توصلت اعمال الصيانة والكشف الى اكتشاف البناء الاصلي، غير ان العناصر الزخرفية والنقوش كانت متضررة بشكل مؤلم، فمثلاً احد المداخل الذي يتكون من قبة مزينة بالزخارف الاسلامية العباسية او المقرنصات المعمارية والاقواس والنقوش استخدم كمطبخ لاحدى الدوائر التي شغلته، مما جعل هذا الجزء يتعرض للتشويه والطمس، مشكلاً خسارة كبيرة لتاريخية المبنى . واضاف محمد كاظم قائلاً: استطعنا كذلك العثور على الابواب والشبابيك الاصلية، وعلى سلم جميل سدت المنافذ عليه واليه في المدخل الرئيسي، وذلك بعد رفع الاضافات الانشائية، وكذلك استطعنا الكشف عن عناصر البناء الاصلية في الجدران والسقوف الثانوية والاعمدة الخشبية، ولذلك فإن اعمال الصيانة تتركز على تقوية بدن المبنى الرئيسي انشائياً من الاساس وحتى السقوف، وباعتماد كافة الاساليب الهندسية والفنية، واعادة كافة الزخارف التالفة والتغليف والمحافظة على قسم فن الزخارف القديمة، وإعادة الشكل النهائي للمبنى بكافة تفاصيله المعمارية قدر الامكان، وباستخدام المواد الاصلية التراثية في اعمال الصيانة او باضافات بسيطة جداً ومتميزة عن الاصل قليلاً، تؤهله للاستخدامات المستقبلية . والهيئة حريصة على تأهيل المبنى، وان يتم استغلاله من قبل جهة لا تحتاج اية اضافات اخرى، لأن ذلك سيضر بطبيعة ومتانة المبنى، ويفضل استخدامه كمتحف لوجود القاعات الكبيرة فيه وتمتعه بموقع مهم وسط بغداد، وسيكون قطب جذب سياحي متميز في المستقبل . بغداد ـ «بيان اليوم»