بعد جينوم الخميرة، والذبابة، والانسان، انجز العلماء سلسلة جينوم نوع نباتي، الـ «اربيدوبسيس تاليانا» وتطلب هذا العمل تعاون عشرين مختبراً عالمياً طيلة خمس سنوات. لقد اصبح هذا الكائن الحي الصغير نموذجاً للتقنيات الاحيائية . فانطلاقاً من جيناته، عرف العلماء كيف يحمون القمح بصورة افضل، وانضاج الطماطم، وزيادة محاصيل نباتات عديدة. ستمهد البحوث ما بعد الجينومية لآفاق اوسع، وستقدم معلومات حول الوظائف النباتية الاساسية، وحول الطريقة التي تطورت بها الحيوانات والنباتات على حد سواء. وربما حول بعض الامراض البشرية . كان العلماء قد فكوا رموز الجينوم الكامل للخميرة، ودودة الارض، وذبابة الدروزوفيلا، واكثر من ثلاثين جرثوماً، وجينوم الانسان كاملاً تقريباً . يضاف الى هذه اللائحة المذهلة اول جينوم نبات . ما وجه الاهمية في هذه العشبة الضارة؟ قريبة الخردل هذه، «اربيدوبسيس»، هي كائن حي نموذجي . فمن خلال جيناتها، عرف الباحثون كيف يحمون القمح بشكل افضل، وينضجون الطماطم، ويزيدون محاصيل الكولزا . ومع طريقة الاستعمال الكاملة لهذه النبتة، سيتم تطبيق هذه المعرفة على عدد كبير من النباتات الاخرى . ولما كان من غير الممكن مقارنة نتائج العلم على نحو عادل الا اذا اجريت التجارب التي افرزتها على الكائن الحي نفسه، فإن تنوع الحياة يجعل الكائنات الحية النموذجية جوهرية للبحوث البيولوجية . يجب ان يكون النموذج المثالي رخيصاً، سهل الزراعة او التربية . عدا ذلك، يجب ان يتمتع بدورات حياتية قصيرة جداً تتيح القيام ببحوث حول عدة اجيال في بضعة اسابيع . وتتمتع «اربيدوبسيس» (الرأس الاخضر) على السواء .، وجينومها هو احد اصغر الجينومات في مملكة النبات . و «DNA»، الموزع على خمس صبغيات مسجل عليها كامل برنامجها الوراثي، ينطوي «فقط» على 134 مليون زوج من القواعد (أ، س، غ، ت، الاحرف المؤسسة للرمز الوراثي) . وعلى سبيل المقارنة، يحوي جينوم الذرة الصفراء 25 مليار، اي مثل الجينوم البشري تقريباً ( 3 مليارات) . ومع مرور الثمانينيات، التي بدأ خلالها علم الوراثة الجزيئي تطوره الهائل، اصبحت هذه العشبة الصغيرة النموذج النباتي الاكثر استخداماً في الوراثيات . الا ان سلسلة كائن حي بهذا الحجم، يبقى مهمة ثقيلة . من هنا، كان على هذا البرنامج ان يلقى الدعم من الخزائن العامة، وبشكل خاص من الاتحاد الاوروبي، وعلى نحو اقل من الولايات المتحدة واليابان، وان تشارك فيه مختبرات دولية . كان هذا التقدم العلمي، الذي يمهد لتطبيقات صناعية عديدة، قد تمخض عن بعض المعطيات الاساسية الثمينة، لعل ابرزها هو ترفيل جينوم اقل من نصف «DNA» هذه النبتة هي احادي، اما البقية فمنسوخة مرة واحدة على الاقل في موضع ما من جينومها . مثل هذه الملاحظة، في نبتة اختبرت لبساطتها المفترضة، تشير الى كم هي معقدة وراثية النباتات وتطورها . وبرأي كل الخبراء، تكمن القيمة الاساسية لهذه العشبة الصغيرة في المعلومة التي ستفرزها حول الآليات البيولوجية لاستصناع نبتة . ولما كان خيال الطبيعة بلا حدود، يمكننا اعتبار هذا النموذج موضوعاً تبني كل النباتات الاخرى الاختلافات من خلاله . واذا نجح الباحثون في حل لغز تأثير جين ما في هذه النبتة المجهولة، فمن الارجح ان يتمكنوا من تطبيق معارفهم الجديدة على الكثير من النباتات الاخرى . وتعلم الباحثون الزراعيون، من خلال الجينات التي تتحكم بتحرير بذور الاربيدوبسيس، على سبيل المثال، كيف يمكن ايقاف سقوط القرون قبل اوانها في بعض المزروعات، مما يتيح لهم انقاذ بضعة ملايين من الكيلوات سنوياً . كما تم الكشف عن الجينات التي تضخم الطماطم حتى القطاف . لجينوم هذه النبتة النموذجية ايضاً علاقة بمجالات اخرى، غير الزراعة ودراسة النباتات . من المعتقد ان الحيوانات والنباتات قد تطورت من جد مشترك، كائن حي وحيد الخلية عاش منذ اكثر من 16 مليون سنة . وتوصلت كل من هاتين المملكتين، على نحو مستقل احداهما عن الاخرى، الى تكوين كائنات حية معقدة والتكيف مع الحياة البرية . اذن، ستساعد التشابهات والفروق بين جينوم الاربيدوبسيس وجينوم الحيوانات على فهم كيف اجتيزت مرحلتا التطور الكبيرتان هاتان . بعض الجينات، المصادفة عادة لدى الحيوان، غير موجودة لدى النباتات . وستوفر لنا معرفة كيف تتطور النباتات في غيابها الكثير من المعطيات حول مختلف الاشكال التي تتخذها الحياة . واستدلالاً بالضد، بعض الجينات النباتية هي من التشابه بجينات الحيوانات بدرجة تجعلها قادرة على مساعدة البحث الطبي . مثلاً: مرض ويلسون، هذه العلة التنكّسية الوراثية، ناجم في الجنس البشري عن طفرة في جين ما تزال وظيفته غير معروفة . الا انه عثر على جين مشابه ضالع في التأثير على الهرمونات . ومن شأن ذلك ان يساعد الباحثين الذين مايزالون يبحثون عن وسائل مكافحة هذا المرض . محمد الدنيا