بيان الكتب: العراق بلد الحضارات، واذا كانت الحضارة العربية ـ الاسلامية هي السائدة الآن، فإن ذلك لا يعني انكار الحضارات الاخرى العريقة التي احترمها العرب والمسلمون. وبما ان الحضارات تنهض على ايدي شعوب قد تتوسع وقد تتقلص في مجرى التاريخ، نجد من الضروري دراسة الحالة الراهنة لهذه الشعوب ـ صانعة التاريخ. والعراق يمثل صورة رائعة لتعايش شعوب واقوام واقليات انحدرت من صميم التاريخ واسهمت في بناء اعظم الحضارات في عالمنا هذا. ومن هنا تتبين لنا اهمية الكتاب ـ موضوع الحديث: «اقليات شمال العراق» فالكاتب يحاول عرض لوحة تظهر التنوع والوحدة بين اقوام لا يقول احدهم الا أني عراقي. يشخص الكاتب ثلاث مجموعات من الاقليات تتركز في شمال العراق:الاكراد والتركمان والاشوريون. واذا كان الوجود الكردي اكثر وضوحا بسبب نسبتهم الكبيرة بين سكان العراق، فإن حالة الاشوريين اكثر غموضا واختلاطا على الرغم من انهم اعرق واقدم. الاشوريون، او الاقليات السريانية، يعودون في اصلهم الى آشوريي المملكة السامية في بلاد مابين النهرين. ويؤكد العالم العراقي جميل شعيوكا ان اللغة المعتمدة في حضارة الاشوريين، التي قامت في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد، هي لغة آرامية شرقية وكانت الاساس للغة التي ورثها السيد المسيح. وهكذا يمكننا استنتاج ان هذه الاقوام سامية وتنتمي الى عرق واحد يوحد كثيرا من شعوب المنطقة. يشير الكاتب الى ان «الاشوريين» ابناء قومية واحدة وشعب واحد» الا انهم في الحقيقة ينقسمون الى ثلاثة اقوام هم الكلدان والسريان والاشوريون. والاختلاف هنا يكمن في الانتماء الديني الطائفي، وكانت القوى العالمية الخارجية تسعى الى توسيع الخلاف بين الاشوريين ذاتهم، وبينهم وجيرانهم، وشارك في ذلك الروس والترك والفرس والانجليز وغيرهم على مدى فترة طويلة من التاريخ. اما عن التركمان فإن الكاتب يذكر ان جذورهم التاريخية تعود الى اواسط آسيا التي قدموا منها في زمن السومريين وعلى الرغم من روابطهم القومية مع تركيا، فإنهم لا ينزعون الى الانفصال، ومع ذلك تحدث بعض النزاعات مع اخوانهم الاكراد، وكما يثبت الكاتب «فإن العلاقات بين التركمان والاكراد الذين يشاركونهم العيش في الشمال العراقي لم تكن دائما مستقرة، بل كثيرا ما كانت اقرب الى الاضطراب». ونضيف: السياسة هنا تفعل فعلها، اما الناس فانهم يتحابون ويتعايشون بطيبة، وفي الشارع العراقي لافرق بين كردي واشوري وعربي وتركماني، هذا ما نستنتجه من قراءة الكتاب. ونعود الى الأكراد، وهم القومية الثانية بعد العرب، اذ انهم يشكلون نسبة 23% من سكان العراق كما يشير المؤلف، وهؤلاء يملكون «لغة أكثر تجانسا، لهم لغتهم القومية الخاصة وهي تنتمي الى مجموعة اللغات الايرانية التي تمثل فرعا من مجموعة اللغات الهندواوربية، ولكنها لغة نقية لها مميزاتها الخاصة». الاكراد يتوزعون على مذهبين، فمنهم السنة ومنهم الشيعة. فهل يعني هذا انه يمكن تقسيمهم الى فرقتين؟ كلا، انهم امة واحدة مثل كثير من الامم متعددة الاديان والمذاهب، ومع ذلك نورد فقرة هامة من كتاب الدكتور جميل شعيوكا: «ان التنازع بين الولاءات العليا (الدين او القومية) والولاءات الدنيا (المذهب او العرق .. ) يؤدي في اغلب الاحيان الى تغليب الولاء الادنى (على غرار المثل العربي: انا واخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب)، وهو ما يستدعي التساؤل في حالة اقامة دولة كردية، هل سيتصارع الشيعة الاكراد مع السنة الاكراد كما هو حال صراع الشيعة العرب مع السنة العرب؟ ان ذلك يعني دخول الاكراد في نفس الازمة التي يعيشها العراق، او بالاحرى يراد للعراق ان يعيشها؟». هذا التساؤل الذي يطرحه المؤلف غير مقبول. فكل الصراعات القومية والدينية والعرقية في منطقتنا هي من صنع الغرب الذي تتعارض مصالحه مع مصالحنا. وفي الوقت نفسه نتفق معه عندما يقول انه ثمة ازمة «يراد للعراق ان يعيشها». وهنا لا نستعرض الكتاب بكامله، فالكتاب يجب ان يقرأ، وهو يمثل موسوعة مصغرة عن التنوع القومي والعرقي في بلاد الرافدين. ولا نغالي اذا قلنا ان الكتاب يمثل منهجا ناصعا يصلح لدراسة وبحث قضايا الاقليات في كل بلدان العالم الاخرى، خاصة والكاتب قد استخدم في تحليله تجارب ووضع وحالات الاقليات في مختلف بلدان العالم. وابرز معالم هذا المنهج هو الموضوعية، فالكاتب يطرح القضية كما هي عليه في واقع الحال ويساعد القاريء على التوصل الى الاستنتاج الصحيح. وعندما يقدم استنتاجاته الخاصة فانه لا يفرضها على الآخرين، بل يحاول اجتذابهم للمشاركة في صنع الرأي. د. عدنان الاعسم