بيان الكتب: مع التسليم بان مياها كثيرة قد جرت تحت الجسر منذ صدرت طبعة الكتاب عام 1939 بعناية الناشر و. و نورتون وشركاه (نيويورك) تحدثنا «مباديء التجربة الجمالية» عن القاسم المشترك الذي يجمع بين فنون الشعر والتصوير والنحت والمعمار والموسيقى وما يربط بينها وبين الفلسفة. فالفن ـ من حيث هو اداة معرفية ـ موضوعه هو الخبرة الانسانية بأسرها، والحياة هي مسرحه ومادته. وحقا ان الفنون «لا تطعم فما»، ولكنها «تغذي عين الجسد وعين الروح» وقوت النفس لا يقل خطورة عن قوت البدن. ويخطيء من يظن الفن هروبا من الواقع، فانما هو التحام بالواقع في اكثر تجلياته سطوعا وحدة. ولئن كانت الفنون هروبا فانها هروب من فوضى النفس الداخلية، ومن الشعور بالاضطهاد والتعذيب لدى ذوي النفوس المريضة نفسيا وعصبيا او المستشهدة، او من الهوس الاجتماعي السائد في مجتمع فاسد منحل، ومن العقد النفسية اللاشعورية ومما في هذا العالم من فوضى. ان الفن سبيل الى تحقيق التوازن الداخلي والتوفيق بين النزعات المتعارضة وهو كما يقول ت. س. اليوت اذ يفرض نوعا من النظام على الحياة انما يكشف عن نظام كامل فيها، رغم كل فوضاها الظاهرية. وعند اروين ادمان ان وظيفة النقد هي توضيح وجلاء التجربة الفنية وتفسيرها، والفن عنده ليس محاكاة لواقع خارجي وانما هو ابداع جديد، فالرسام لا يسعى في اذلال لمحاكاة الطبيعة وليس هو بالمنطق الذي يعمد الى اعطائنا نسخة طبق الاصل من الواقع، والموسيقى في اعلى حالاتها ليست اعادة انتاج لاحداث الطبيعة والناس والكائنات، لان التأثيرات الوجدانية التي تحدثها الموسيقى لا تتم بمثل هذه المحاكاة حتى لو قلدتها الآلات الموسيقية. ومعنى الموسيقى كامن في حركاتها، غير قابل للتفسير بغير وسيطها النغمي. وينبري ادمان للرد على من هاجموا الفن لاسباب اخلاقية او دينية او اجتماعية او عملية ومنهم افلاطون والقديس اوغسطين وتولستوي ومن خلال اشارته لعدد كبير من الاعمال الفنية ـ مسرحيات شكسبير، اوبرا «تريستان وايزولدا» لفاجنر، مسرحية «الامبراطور جونز» لأونيل، قصة «القارب المفتوح» لستفسن كرين، قصيدتي روبرت بروك «العاشق الكبير» و «الموتى» ، تصاوير سيزان وفان جوخ وواتو ـ يوضح ان الخبرة الفنية لاتقل عمقا عن اي خبرة فكرية وروحية اخرى، بل ربما كانت اقرب الى ينابيع الشعور والوجدان وبالتالي اقدر على تجاوز حدود اللغات والثقافات والازمنة والامكنة. ويلتمس ادمان عذرا لأنصار مذهب الفن للفن من الظروف التاريخية التي نشأ المذهب في ظلها. وفي فصله المخصص للعالم والكلمة والشاعر يذهب الى ان الكلمات في الشعر اصوات موسيقية ورموز منطقية واثارات وجدانية معا، فكلمات الشاعر «بسيطة وحسية وعاطفية»، تشبه سر التناول المقدس في المسيحية. فالقصيدة هي «الكلمة» وقد صارت «جسدا» وهنا يلتحم العيني والمجرد او المحايث والمفارق، ويكتسب الشعر وضع طقس جليل له صلواته وكهنته والعابدون في محرابه، فهو محاولة للغوص في اعماق سر الوجود. وليس ثمة خصومة بين الشعر والفلسفة فللفكر مكانة في القصيدة كالوجدان سواء بسواء، فأغاني شكسبير مثلا سلسلة من الافكار التي يمتزج فيها الفهم بالشعور. وقصة فاوست ـ وهي اعظم اعمال جيتي ـ هي فلسفة الحياة والبقاء، وفلسفة الخير والشر، وفلسفة المعرفة والضمير، ورباعيات الخيام يصح ان تسمى «فكر الخيام»، وليس في قصائد المتنبي قصيدة واحدة يقول فيها القائل انه اهمل الفكر او انها وجدان بغير تفكير. وقد ينقص فكر الانسان وينقص حسه على السواء، ومزية الانسان دائما ان يحس حين يفكر وان يكفر حين يحس وان يكون نصيبه من الانسانية على قدر نصيبه من الفكر والاحساس. وفي صدد فن العمارة يلاحظ ادمان انه يجمع بين الفن والمنفعة، فالبيت للعيش ومبنى المدرسة لتلقي العلم في اطار الطابع الجمالي، فالعمارة موسيقى مجمدة كما يقول «شليجل» وتكثر في كتاب ادمان الاشارات الى فلسفة نتشة وشوبنهور في الفن مع آراء فلاسفة آخرين كسانتيانا وجون ديوي وبرجسون يوافقهم حينا ويخالفهم احيانا. وقد قصد المؤلف ان يكون كتابه مقدمة لعلم الجمال على انه لا يرمي الى اطلاع القاريء على ابواب العلم، وانما هو مجرد امعان للفكر في الفنون التي تنشأ عنها الصور الجمالية، وفي التجربة التي تنمو منها الفنون والتي بدورها تجلو التجربة وتعليها. هنا فصل خاص بالعلاقة بين الفن والفلسفة يلقي الضوء على مدلول الفن والمعنى التصويري للفلسفة في آن واحد، ومقدمة قصيرة عن تذوق الفنون وتضمينات الفن في الحضارة، ويحاول الفصل الاول ان يبين العلاقات العامة للفن بجماع تجاربنا، ويتناول الفصل الثاني اصول ووظائف العملية الفنية في الحضارة، اما الفصول الباقية فتعمد الى شرح الاساليب الخاصة التي تتاح للفنون كل بوسيلته، فالكتاب اذن في مباديء التجربة الجمالية يبرر اقتياد القاريء الى مزيد من المعرفة حول هذا العلم ويقرنها بتذوق مرهف ومتعمق. فاروق خلف