بيان الكتب «يصدر مركز الدراسات السودانية ـ وحدة السودان اولا ـ هذه السلسلة التي تخاطب حاجة حقيقية في مجال الثقافة السياسية والتكوين الفكري للاجيال الجديدة التي تمثل مستقبل السودان الحقيقي. وتسعى هذه السلسلة الى تأسيس ثقافة سياسية تقوم على المعرفة والحوار والجدل وبالذات بين الاجيال التي لم تعش فترامت ديمقراطية طويلة وحقيقية» بهذه العبارات صدر د. حيدر ابراهيم علي الكتاب الأول في سلسلة الثقافة السياسية من مؤسسته التي انتقلت الشهر الماضي من القاهرة الى الخرطوم ـ مركز الدراسات السودانية ـ والكتاب يأتي تحت عنوان «المثقفون التكوين في السودان» ضم واحتوى الجزء الأول منه على تعريفات للمثقف والمثقفين ويؤشر الى ان الكثيرين يعتبرون ان مصطلح المثقفين مصطلح حديث ينهض في فرنسا القرن الثامن عشر مربوطاً بقضية دريفوس «1894» حين ادانت المحكمة هذا الضابط بتهمة تسريب معلومات عسكرية الى المانيا. ولكن قضية التجسس العادية كشفت عن مواقف جادة حول قضايا الحرية والمساواة بشر بها المفكرون والادباء فيما سمى «بيان المثقفين» في يناير 1898 ويعتبر الباحثون بأن هذا اول بيان في تاريخ الفكر الغربي توقعه جماعة من رجال الفكر والادب تسمي نفسها جماعة المثقفين ووقع على البيان من الأسماء الكبيرة امثال اميل زولا واناتول فرانس ومارسيل بروست وليوم بلوم ويعد اليوم هذا شهادة ميلاد المثقف. ويتناول د. حيدر في تعريف المثقف بعض مساهمات المفكر الايطالي «جرامشي» الذي يبدأ بتأكيد الوظيفة الاجتماعية للمثقفين وينفي الاعتقاد او التداول السائد الذي يعتبر المثقفين «طبقة اجتماعية» اذ يقول بأن «تصور» المثقفين كفئة اجتماعية متميزة ومستقلة عن الطبقة ليس الا خرافة فكل الناس يمكنهم ان يكونوا مثقفين بمعنى ان لديهم ذكاء وانهم يستخدمونه، ولكنهم ليسوا جميعا مثقفين من حيث الوظيفة الاجتماعية. ويؤكد د. حيدر ان مفهوم جرامشي هذا اغرى المثقفين العرب حين يورد لبرهان غليون القول «المثقفون هم مجموعة من الناس تتميز عن غيرها بأنها تجعل من التفكير في الواقع العربي والشأن العام عموماً احد همومها الرئيسية وتشارك في الصراع الاجتماعي والسياسي». مما يعني ان المثقفين ليسوا طبقة واحدة. ومقدمة الكتاب او فصله الاول حول تعريف المثقف تتناول باستفاضة اراء وبحوث ودراسات مفكرين عديدين يحاولون تأطير المعنى الاقرب للمثقف وفي معظمها ميل لان المثقف هو من اكتسب قدراً من المعرفة وفعله في تطوير الحياة في المجالات كافة. غير انه يضع حداً فاصلا بين المثقف والصفوة بين الانتلجنسيا والصفوة في دول العالم الثالث لغياب وجود «صناعة للثقافة» متكاملة ومتطورة غير انه يلمح الى ان ضمن الانتلجنسيا التقليدية الفقهاء ومشائخ الطرق الصوفية والشعراء الشعبيين ورواة القصص والمغازي وحملة الحكمة الشعبية والاطباء البلديون والعارفون في الزراعة ومواسمها وآفاتها والعارفون بالانساب والاصول. ويعرض د. حيدر الى تعريف القائد الافريقي الراحل كوامى نكروما للانتلجنسيا حين يقسمها الى ثلاثة فصائل رئيسية: فصيل يلتحم مع القوى الحاكمة الجديدة ومع البرجوازية البيروقراطية، وفصيل الانتلجنسيا الديمقراطية المدافعة عن مصالح الشرائح الوسطى، وفصيل الانتلجنسيا الثورية الاقرب الى جماهير الفلاحين والعمال والتي يخرج من صفوفها ـ كما يقولون ـ المفكرون الحقيقيون للثورة الافريقية. المثقفون والسلطة وفي هذا المبحث يخلص د. حيدر الى ان المثقف العربي هو نتاج الدولة التي ادخلت حديثا، لذلك يصعب النظر اليه بعيدا عن هذا التشابك الذي يجبر المثقف على ان يتخذ احد موقفين: اما الاندماج في الدولة، او رفضها تماماً. ويورد لادونيس قوله: «انما استأثر بالادوار كلها فردان، العسكري المعلن والعسكري المقنع الاول هو الذي يحكم والثاني هو الذي يفتي!!. بيد انه يذكر ان في مطالع الثمانينيات فكرة بين بعض الباحثين العرب تتبنى الدعوة الى تجسير الفجوة بين المفكر والأمير ومع ان د. حيدر لا يميل لذلك من خلال ما اورد الا انه يشير الى ان اعداداً كبيرة من المثقفين المتعاونين مع السلطة وفق هذه الفكرة وجدوا تبريراً مريحا لهذه العلاقة. وفي الجزء الثاني من الكتاب سلط د. حيدر الضوء على التكوين الثقافي في السودان حيث يعتبر ان الانسان السوداني نتاج سيرورات تاريخية وتفاعلات سكانية واثنية تمتد الى عصور الدول القديمة منذ ممالك كوش ومركزها كرمة ومروي القديمة «300 ق. م ـ 300م» ثم دخول المسيحية في القرن الخامس. وقد مثل كل هذا التراث روافد ثقافية مهمة عندما بدأت الهجرات العربية الى السودان. ويصعب الحديث عن انقطاع ثقافي تام مع توقف نسبي للتواصل. ولكنه يؤرخ لتبلور ثقافة سودانية بدولة الغونج «1504 ـ 1821م» لكونها مثلث شكلا مؤسسيا لسلطة سياسية ومجتمع منظم بعد استقرار المجموعات العربية في اجزاء كثيرة على النيل ومناطق الزراعة والرعي فيقول: من ناحية ثقافية انتشرت اللغة العربية بلهجاتها المحلية المختلفة وانتشر الاسلام وان كانت الهجرات العربية قد بدأت قبل الاسلام من نواحي السودان الشمالية والشرقية. وبما ان الطبقة الحاكمة لكي تجلس باستمرار على رماحها فلابد ان تقوم سلطة ثقافية تدعم وجودها لذلك كان لرجال الدين دورهم الاساسي في نظام الحكم حتى قبل دخول الاسلام فقد كان الملوك مؤلهين يعاونهم رجال الكهنوت ثم استمرت مقومات السلطة على عناصر متداخلة من الدين والتقاليد والمعتقدات وهذا ما يفسر دور الفقهاء والعلماء والمتصوفة لاحقا في الدولة فهم يمنحونها الدعم الروحي. واذا كان الاسلام قد دخل السودان بدون غزوات وفتوحات فقد تميزت ممارساته بالصوفية سندها في ذلك ان تبنت العقيدة الجديدة بعض عناصر الثقافة المحلية كما ان الصوفية بمدائحها واذكارها وشعائرها وطقوسها وتنظيماتها كانت اقرب الى مزاج ومشاعر السودانيين. وبسبب كل ذلك اكتسب رجال الصوفية نفوذا واضحا وقد امكنها بذلك تحقيق وحدة ثقافية اسلامية بجانب ايجابيات اخرى ليس اقلها التصدي باسم الأهالي للحكام نصحاً وتوسطاً وانتقاداً. واستطاع الفقهاء المتصوفة وهم اساس الانتلجنسيا التقليدية تحديد علاقة متميزة مع سلاطين دولة الغونج مكنتهم من احتلال دور وموقع طليعي حسب مقاييس تلك الحقبة. حيث يستشار العالم او الفقيه في امور السياسة ويطاع امره. الحكم التركي وقد فطن الحكم التركي الذي دان له السودان بتنازل اخر ملوك الغونج امام الآلة الحربية المدمرة عام 1821 وبدأت سياسة جديدة تستوعب دور الصوفية ومشايخها وتحاول تدمير مشروعها بابتعاث الشباب للدراسة في الازهر ليحلوا محل القيادة الروحية للفقيه كما ان الشكل الاداري للدولة شمل القضاء والافتاء وجر نفرا كبيرا من العلماء. ولم يكن سهلا رغم هذا الدور المناويء ان يدين الامر للقادة الدينيين الجدد فلايزال المشائخ والفقهاء يحتلون موقعهم وسط مريديهم وان كان ذلك بداية لاحتواء الدين داخل المؤسسة الحاكمة. الثورة المهدية «1881 ـ 1898م» وتهيأت للثورة المهدية فرصا سانحة في نفور المشائخ والفقهاء من الادارة التركية وسرعان ما وجدوا انفسهم في معية الثورة الاسلامية الجديدة التي تهاجم فقهاء السلطان ولم تعمر المهدية طويلا. وقد كتب في ذلك المهندس محمد احمد محجوب رئيس الوزراء الاسبق وجاءت المهدية لتنقذ الناس من فوضى الاخلاق وظلم الحكام فكان لها ما ارادت في عهدها الاول ولكن الجهل قعد بها وببنياتها وقضى عليها في عهدها الاخير بأن تكون مثاراً للتفرق القبلي من جديد. ويختتم د. حيدر ابراهيم كتابه حول المثقفين وتكوينهم في السودان قائلاً: يمكن اعتبار القبيلة والدين هما مرتكزا المجتمع والثقافة والسياسة في السودان منذ تكون الممالك والمشيخات والسلطة وحتى الان. عبدالواحد لبيني