بيان الكتب: العلاقة المثقلة بالكثير من التصورات الشائهة والمغلوطة التي تباعد بين الاسلام والغرب، كانت وراء الاهتمام غير المسبوق الذي شهدته المكتبات العربية السنوات الاخيرة، في جانب ترجمة الكتابات الغربية عن الاسلام، مع تركيز خاص على ما انتجته مطابع مستعمرو الشرق القدامى «بريطانيا وفرنسا»، وحديثا زعيمة المعسكر الغربي وقطبه العالم الأوحد «الولايات المتحدة الامريكية» والتي اصبحت بعد تسويق نظريات هنتنجتون وتوفللر وبول كيندي وفوكوياما، بؤرة الفكر العالمي الذي توج اخيرا بعولمة تسعى لأمركة شاملة تمتد من القيم والسلوك الاجتماعي والنظام السياسي الى المأكل والمشرب، وتفرض مقاييس للعصرنة والحداثة تتوافق مع معطياتها وخياراتها ومصالحها. وفي الوقت الذي تزخر فيه المكتبات في المشرق بكتابات اصدقاء الاسلام وكارهيه في الدول الثلاث الأقوى في الغرب، فإن ما يكتبه آخرون في أماكن اخرى، غربية ايضا لكن يستهويها الوقوف عند خط الحياد، نادرا ما يستلفت انتباها، رغم اهميته القصوى، وضرورة متابعته كرافد معبر عن تيار غربي سائد ومؤثر في تشكيل الانطباعات في بلاد الكتلة الغربية التي تبادل عالمنا الاسلامي مشاعر التوجس والريبة. من هنا يجيء اهمية كتاب «الاسلام في عيون السويسريين» الذي ترجمه الباحث المصري المقيم في زيوريخ الدكتور ثابت عيد، فهو يأتي ليسد ركنا هاما ظلت المكتبة العربية والإسلامية تفتقر اليه، في الوقت الذي لا تفتقر كثيرا الى الكتابات الصادرة باللغة الالمانية والتي تتابع بشكل جيد ما يصدره المستشرقون الألمان. يضم الكتاب الذي بين ايدينا 13 فصلا ويبدأ بمقدمتين الأولى للدكتور يوسف القرضاوي والثانية للبروفيسور هانس كينج، ليقدم بعد ذلك ترجمة ملخصة لكتاب «الإسلام في سويسرا» لمؤلفيه كريستيان ياجي وكريستوف بيتر باومان، الذي يقول عنه الباحث د. ثابت عيد انه الكتاب الوحيد في المكتبة السويسرية عن الاسلام، ويراه كاتب مقدمة عالم الاديان السويسري كينج اكثر فائدة وعونا على فهم الاسلام من الكثير من الكتب التي تعلو قوائم الكتب الاكثر مبيعا، والتي تتاجر بتخويف الناس من الاسلام، اذ ان هذا الكتاب لا يصور الاسلام باعتباره خطرا وتهديدا للغرب، كما لو كان الزحف الاسلامي سيجتاح اوروبا في القريب العاجل، بقدر ما يجتهد لتعريف السويسريين بالاسلام، دون اية متاجرة رخيصة، هادفا الى اقنع هؤلاء بان الاسلام والمسيحية دينان تربطهما صلة قرابة، وهو ما يتطابق مع عودة عالم الاديان كينج الذي كان قد اصدر كتابا اسماه مشروع لاخلاق عالمية.. أكد فيه على اهمية اقامة حوار جدي بين الاديان مشددا على اهيمة التركيز على نقاط الاتفاق بين الديانات السماوية الثلاث «الاسلام، المسيحية، اليهودية»، ونبذ نقاط الاختلاف بينها، طارحا نظريته القائلة ان «لاسلام عالميا، بلا سلام بين الاديان، ولا سلام بين الاديان، بلا حوار بين الاديان، ولا حوار بين الاديان، بلا دراسات جادة وأبحاث موضوعية». ولا يكتفي كينج بذلك بل انه يقول في مقدمة كتاب «الإسلام في سويسرا» الذي يلخصه د. ثابت عيد في كتابه ان «من مصلحتنا ـ نحن المسيحيون ـ ألا يتقوقع المسلمون على انفسهم، وينعزلوا عن المجتمع الأوروبي الذي يعيشون فيه» مؤكدا ان المصلحة تقتضي ان «ينفتح المسلمون دينيا على العالم الذي يعيشون فيه، وان يعلنوا استعدادهم للحوار والتعاون». وفي عرضه لكتاب «بؤرة الصراعات.. الشرق الاوسط» الذي كتبه ايرك جيسلينج وارنولد هوتينجر، الذي يعالج مسألة اهتمام الغرب بالعالم العربي، يورد الباحث د. عيد عبارة لهوتينجر يرى فيها ان اليهود كانوا ـ ومازالوا ـ اكثر الناس اهتماما بالعالم العربي، مشيرا الى ان ذلك يفسر الكثرة الملحوظة لعدد اليهود بين المستشرقين، مثل جولد تسيهر، وباول كراوس، وجورنباوم، وبرنارد لويس، الذين كان لهم دور فاعل في تلطيخ صورة الاسلام في عقول الغربيين. لكن العالم العربي ايضا في رأي زميله اريك جيسلينج هو القريب البعيد في نفس الوقت عن اوروبا، اذ ان قربه تقتضيه الناحية الجغرافية، وبعده تحكمه القيم والمباديء والعادات والتقاليد، وهو هنا يشير الى نقص ما تعرفه كل حضارة عن الاخرى على الرغم من التجاور الجغرافي، هذا النقص الذي يحمله تحديدا للجانب «العربي» المسلم، مؤكدا بأن العرب كانوا متفوقين على الأوروبيين، وكانوا اصحاب الحضارة الأقوى، الامر الذي جعلهم ينظرون باحتقار الى الأوروبيين، دون اهتمام بدراسة تاريخ اوروبا واقتصادها وسياستها وديانتها، بينما على العكس من ذلك ظهر في اوروبا مع روح النهضة وعصر التنوير، اهتمام واسع بالثقافات الاخرى، وهو يؤكد عليه ايضا هوتينجر حين يشير الى «ان الأوروبيين بدأوا ينظرون الى الحضارات الاخرى كشيء مختلف تماما، ولكن في الوقت نفسه له صلة وقرابة بهم، مشددا على ان «الموقف الايجابي من الحضارات الاخرى، ومن العلم والمعرفة، هو شرط اساسي من شروط ازدهار اية حضارة، فعندما تفقد حضارة ما الرغبة والتعطش، والتطلع للعلم والمعرفة، تكون بدأت طريقها الى الانهيار والانحطاط، وهذا ما حدث تماما مع العرب، الذين عندما ازدهرت حضارتهم من القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر بعد الميلاد، ارتبط ذلك بانفتاحهم على الثقافات الاخرى، وقيامهم بحركة ترجمة فريدة في تاريخ الانسانية، ومع بداية عصر الانحطاط تقوقع العرب على انفسهم، واصيبوا باللامبالاة، ولم يظهروا اي اهتمام حقيقي بالعالم الخارجي، فالتقدم والتأخر هما في الواقع موقفان من الحياة، فالامم المتقدمة تحب العلم وتقدره، والأمم المتخلفة تكره العلم وتخاصمه». المؤلفان يشيران الى ان تغييرا حدث عبر التاريخ الاسلامي، حيث اصبح هناك اتجاه متزايد لفهم لفظ «بدعة» على انه شيء سلبي، وكل جديد يعد امرا غير ديني، وبالتالي مشكوك فيه، خاصة في انتاج العصور المتأخرة التي لم تعد قادرة على الابداع، اما قبل ذلك في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، فقد كانت هناك نقاشات مكثفة، واختراعات جديدة، حتى اغلق باب الاجتهاد ليبدأ عصر جديد في تاريخ الحياة العقلانية في الثقافة الاسلامية، وهو احد اسباب الجمود القائم منذ ذلك الوقت، وقد استمر هذا الجمود حتى عصر النهضة الغربية في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، حيث اغلق باب الاجتهاد في اواخر القرن التاسع واوائل القرن العاشر، والتاريخ الرمزي لذلك هو تاريخ وفاة الصوفي الكبير ابي حامد الغزالي سنة 1111 ميلادية، وهذا التاريخ تقريبا يمثل نهاية عصر ازدهار الحضارة الاسلامية، ولم يبدأ ازدهار الحضارة الأوروبية الا في ذلك الوقت. غير ان هناك ثمة اعتراف من المؤلفين بوجود فترة ازدهار عظيمة للحضارة «العربية» الاسلامية، تمتد حتى سنة 1100، وقد استمرت اطول من ذلك بقليل في اسبانيا والمغرب، وانتهت في الشرق قبل ذلك بقليل، معتبرين ان الدوافع التي ادت الى ابداع ذلك العصر تمثلت في اقتباس العرب للتراث اليوناني في ذلك الوقت، لافتين الى ان التركيز العربي لم يكن على التراث الادبي لليونان، بل على التراث العلمى والفلسفي، مؤكدين ان اقتباس العرب لتراث الحضارات القديمة كان مثمرا جدا للعرب، ففي عصر ازدهار الحضارة الاسلامية كان هناك بيت الحكمة التابع للخلافة العباسية في بغداد، الذي كان مقرا لترجمة الحكمة اليونانية بانتظام الى العربية مثل: الفلسفة، والرياضيات، والعلوم، والطب وقد تم خلال هذه الفترة نقل تراث اليونان ونظرائهم الى العالم عن طريق اللغة العربية. بهذه الترجمات نشأت ثروة عظيمة مكتوبة باللغة العربية لكبار فلاسفة اليونان وعلمائهم اثرت على اوروبا فيما بعد، بصورة مباشرة، وربما كان الطب اوضح مثال لذلك فجالينوس وصل الى اللاتينية عن طريق العربية، وظل مرجعا رئيسيا للطب حتى سنة 1700، وتوجد نصوص لارسطو لا يعرفها الاوروبيون حتى اليوم الا في ترجمتها العربية وليس في اصلها اليوناني. والى جانب كتابهما المشترك، يقوم الباحث د.ثابت عيد بترجمة مقال لارنولد هوتينجر عنوانه «ما مامدى خطورة الحركة الاسلامية؟»، ومقالين لاريك جيسلينج الأول تحت عنوان «الشرق والغرب وأزمة سوء الفهم بينهما»، والثاني «الاسلام في مرآة الغرب.. نموذج برنارد لويس ومكسيم رودنسون». وفي مقاله يطرح جيسلينج سؤاله عن الاسباب التي ادت ومازالت الى سوء الفهم بين الغرب والعالم العربي، واضعا لنفسه اجابة مفادها ان النظام السياسي في المجتمعات الغربية يقوم على اساس توزيع السلطات واشراك الاقليات في الحكم والحد من تركيز السلطة في يد هيئة واحدة، عن طريق قبول نظام تعدد الاحزاب والاعتراف بحقيقة تنوع الثقافات. ومع انه لا يتمادى في هذا الاستنتاج مشيرا الى ان وجود محاولات لتأسيس نظام ديمقراطي قائم على تعدد الاحزاب في اكثر من بلد عربي، لكنه يعود ثانية ليقول ان مسألة حقوق الانسان في الاسلام شائكة جدا، اذ انه من الناحية النظرية لا يوجد اجماع بين المذاهب الاسلامية حول نطاق حقوق الانسان، مشيرا الى ان اشكالية حقوق الانسان تمثل احد اوجه الخلاف الرئيسية بين الغرب والعالم العربي، مضيفا القول «ان تفسير الوضع الراهن يكمن في العودة الى تاريخ الشعوب الاسلامية، حيث لا يوجد حد فاصل بين الدين والدولة، فالاسلام يلعب دورا جوهريا في حياة شعوب تلك الدول، وليس الاسلام ديانة سماوية فحسب، بل هو ايضا فلسفة في الحياة وقوانينه تحكم دقائق امور الحياة اليومية للانسان، وتنظم المعاملات الاقتصادية والانشطة السياسية ولذلك فهو ينظم الفرائض والعبادات في حياة المسلمين، مستنتجا من ذلك ان هذا ما يوضح الى حد ما عدم امكانية تأسيس نظام ديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط، لان ذلك سيؤدي الى توزيع السلطات بين مختلف قوى الشعب وطبقاته». ويقدم الباحث د. عيد في ترجمته مقالا آخر حول «الفكر المتشدد في الاسلام» لارنست تسبيندن الذي يعرفه بأنه احد كبار علماء الدين في سويسرا، ومن اكثرهم فهما للتاريخ الاسلامي، مع حرص على الاشارة الى ان تسبيندن ينتمي الى طبقة المفكرين السويسريين الذين ينادون بقيم التسامح، والحوار بين الاديان، ونبذ العنف، وعدم اساءة استخدام الدين لتحقيق اهداف سياسية. يرى تسبيندن في مقاله ان الصحوة الاسلامية لم تبعث الشباب المسلم على التفقه في الإسلام، والتعمق في التاريخ والشريعة، ولكنها ادت الى تقوية احاسيس ساذجة ومتطرفة»، الامر الذي سارع بعض السياسيين الى استغلاله. ويؤكد هنا ان «التطرف الاسلامي كثيرا ما يسبب لنا ـ في الغرب ـ قلقا، ويخشى البعض من اسلمة اوروبا مرة اخرى، ولكن الصحوة الاسلامية، ينبغي ان تقودنا قبل كل شيء الى تنقيح موقفنا من السلام، هذا الموقف الذي مازالت تحكمه في اوساط غربية واسعة الاحكام المشوهة والخاطئة. ويخلص تسبيندن الى دعوة المسلمين والمسيحيين الى تعلم كيف يفهم بعضهم بعضا بصورة افضل، وان يكونوا جميعا اكثر تسامحا، ولابد ان يتحول التطرف عند الفريقين، من الموقف المتشدد الى الحب والاخلاص للمباديء والاصول الذاتية، ولكن بلا وصاية على الآخر، المختلف دينيا وفكرياً. ويخصص كتاب «الاسلام في عيون السويسريين» فصلا لدراسة مهمة كتبها الباحث المصري الاصل والسويسري الجنسية الدكتور اسماعيل امين باللغة الالمانية وحملت عنوان «العلاقة المتوترة بين الشرق والغرب» على خلفية قضية سلمان رشدي، اذ ان اعتقادا ساد الغرب بان ردود فعل العالم الاسلامي على نشر كتاب «آيات شيطانية» تمثل اعتداء على حرية التعبير عن الرأي، بينما ساد اعتقاد في العالم الاسلامي بان هناك مؤامرة كبرى ضد الاسلام، مؤكدا ان حوارا بين الشرق والغرب لا يمكن ان يتم في مثل هذه الظروف، حيث يؤمن كل معسكر بصحة وجهة نظره المبنية على آراء غير موضوعية واحكام متوارثة. يؤكد د. امين هنا انه لا يمكن للمرء ان يتجاهل ان علاقة الغرب بالاسلام مثقلة بتصورات مشوهة جدا، واحكام متأصلة، غير موضوعية، مشيرا في الوقت ذاته الى ان ردود الفعل الأوروبية لما يحدث في العالم الاسلامي كثيرا ما تكون مصحوبة بالخوف والقلق والسلوك الدفاعي، نظرا لان اوروبا تجهل جيرانها الاقربين من الدول الاسلامية، ولا تعرف الا القليل من دينهم وثقافاتهم وتاريخهم. وقبل ان يختتم الباحث د. ثابت عيد كتابه المهم عن نظرة السويسريين للاسلام، فانه يورد مقالا كتبه الدكتور رتوبيت وهو مثقف سويسري مقيم في امريكا عن «الصور السيئة للعرب في الولايات المتحدة» ويشير فيه الى «ان العرب المقيمين في الولايات المتحدة يعتبرون الاقلية الوحيدة التي تقوم وسائل الاعلام الامريكية والسينما والكاريكاتير بعرضها عرضا سلبيا، وتصويرها تصويرا مشوها يتسم بالعداء والاحتقار، وبصورة يومية». على الرغم من ان عدد الامريكيين العرب يفوق ثلاثة ملايين شخص، وهو هنا يستعرض ما ورد في احد قواميس اللغة الشهيرة من وصف شديد البذاءة للفظ العربي، اضافة الى النكت الشعبية، والقصص الهزلية وما يرد في وسائل الاعلام الختلفة، وكذلك في الافلام السينمائية، مرجعا في الوقت نفسه السبب الى غياب التنسيق بين التجمعات العربية المقيمة في امريكا، الامر الذي لا يساعد على تصحيح الصورة الشائهة والمتحيزة ضد العرب والتي تصل في معظم الاحيان الى درجة عالية من الاستفزاز. الجهد الكبير والمحمود الذي بذله الباحث د. عيد في كتابه المهم «الاسلام في عيون السويسريين» الذي يجيء ليسد فراغا كبيرا في المكتبة العربية، ينبغي ان يلفت انتباه المعنيين في الشرق الى ضرورة السعي الحثيث والعاجل لتعديل الصورة الخاطئة التي لازالت عالقة في الذهن الغربي، وازالة ما يشوبها من تلفيقات، عن طريق ادارة حوار واع وواثق، وقادر على مخاطبة العقل الغربي بنفس منطقه، بعيدا عن المحفوظات الخطابية والانشائية التي تصيب بالمل دون افادة. زكريا عبدالجواد