في الساعة الحادية عشرة والربع من صباح احد ايام الاربعاء في مايو في منطقة صناعية خارج ميناء لاكورونيا شمال غربي اسبانيا، خرج رجل يبلغ من العمر 65 عاماً يرتدي ملابس عمل غير رسمية من مكتبه ودخل غرفة فيها جهاز تلفزيون. وبعد ذلك بخمس عشرة دقيقة، بدأت الشركة التي اسسها كشاب ببيع اسهمها للجمهور للمرة الاولى. فما دشنه في عام 1975 كمحل صغير يدعى «زارا» اصبح الان ثالث اكبر شركة لبيع الالبسة بالتجزئة في العالم تحمل اسم انديتكس، ولها اثنان وعشرون مصنعاً في اسبانيا ومحلات في 34 بلداً تمتد من الولايات المتحدة الى اليابان. كان الرجل يراقب شاشة التلفاز عندما ارتفعت اسهم شركة انديتكس بنسبة 26% في غضون دقائق على الرغم من الصورة القاتمة للاكتتاب العام الاولي في كل مكان. وفي الساعة الحادية عشرة وخمس واربعين دقيقة، غادر الغرفة. كانت حصته من الشركة البالغة 60% قد اصبحت قيمتها 6 مليارات دولار واصبح هو بذلك اغنى رجل في اسبانيا. وفي وقت متأخر من ذلك المساء، تناول امانسيو اورتيجا جاونا عشاءه في المطعم التابع للشركة كالمعتاد. ربما تكون شركته قد اصبحت معروفة للجمهور، اما هو فقد قرر ان يبقى بعيداً عن الاضواء. لا بأس في ان يتحول ابن عامل السكة الحديد والخادمة في البيوت الى ثاني اغنى رجل في مجال الازياء (بعد برنارد ارنولت من شركة «ال في ام اتش» الفرنسية العملاقة للأزياء). فلم يظهر له اي تعليق في الصحف على الاطلاق ولم يوافق ابداً على اجراء مقابلة معه. ولم تكن هناك صور معروفة لاورتيجا الا في الآونة الاخيرة، وهناك الان صورتان فقط. الاولى ظهرت في التقرير السنوي الاول لشركة انديتكس الذي المحت فيه الى طرح اسهمها للاكتتاب العام. والثانية ظهرت في تقرير هذا العام. وهذه الصورة تظهر الرجل نفسه في الملابس نفسها والتقطت في الوقت والمكان نفسيهما من قبل المصور نفسه. والفرق الوحيد هذه المرة هو ان اورتيجا يبدو مبتسماً في هذه الصورة. ولماذا لا يبتسم؟ فقد اكتسب اورتيجا تجربة على امتداد حياته في تجارة الملابس وحولها الى استراتيجية من شأنها ان تحدث ثورة في عالم التصنيع. ومنذ الوقت الذي عمل فيه كساعٍ لدى شركة لاكورونيا لتصنيع القمصان في سن الثالثة عشر، كان يشاهد التكاليف وهي تتراكم مع انتقال قطعة الملابس من محل التصميم الى مصنع الملابس الى رفوف المحلات. فأدرك انه من خلال السيطرة على كل هذه الخطوات فإن بمقدوره ان يقلص النفقات، والأهم من ذلك جني ارباح هائلة من خلال السرعة والمرونة. لقد ازهرت فكرته بشكل طبيعي في لاكورونيا الواقعة في القلب التقليدي لصناعة الملابس الاسبانية. وهناك، كان من السهل نسبياً على شخص واحد ان يهيمن على العملية من اعلاها الى اسفلها، اي على التصميم والتصنيع والتوزيع والمبيعات. وهكذا نجح اورتيجا في تشكيل قوة كبيرة لدرجة جعلت الصحافة الاسبانية تصفها بـ«القوة الفاصلة». وفي عالم ازياء تتقرر ميوله من خلال الافلام السينمائية الحديثة او احدث فيديو كليب لمادونا، فإن السرعة هي العنصر الحاسم، ولا احد ينفذ السرعة على نحو افضل من زارا. وتوافق وول ستريت على هذا الكلام، فالمحللون من لندن الى نيويورك حكموا مراراً على انديتكس بانها الافضل من حيث الامتياز مقابل منافسيها الكبار مثل شركة جاب الامريكية وشركة اتش اند ام، السويدية وبنيتون الايطالية. ان اورتيجا الذي لايزال معروفاً بسلسلة محلات زارا الاصلية، التي تستحوذ على 77% من مبيعات انديتكس ينقل جزءاً بسيطاً من نشاطه الى الخارج. فالأمر يستغرق اقل من اسبوعين لكي تنتقل تنورة من فريق التصميم في زارا في لاكورونيا الى احد محلات زارا في قطر او باريس او طوكيو، اي اسرع بـ 12 مرة من منافسيه. يتحدى نموذج اورتيجا للأزياء السريعة القوة العنيدة للعولمة. ففي السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية، بدأ المصنعون يتزاحمون للعثور على مصانع منخفضة الاجور في امريكا اللاتينية واسيا مطلقين ما يسميه النشطاء المناهضون للعولمة الان «السباق الى الحضيض». ورد مصنعو كل شيء من الالعاب الى الملابس بأن عليهم ان يبحثوا عن العمالة الاقل اجراً في اماكن مثل كمبوديا وسيريلانكا، او انهم سيواجهون خفضاً لاسعار السلع من قبل المنافسين. والان ظهر اورتيجا ليثبت ان مرونة السوق ووجود مخزون قليل من السلع قد يكون اكثر اهمية من العمالة الرخيصة، وهذه رؤية قد تعكس اتجاه الهجرة الطويلة للوظائف التصنيعية من الغرب، وقد اصبحت شركته الآن مثالاً للدراسة في مستقبل التصنيع في مدارس ادارة الاعمال من هارفارد الى وارتون و«آي ئي اس ئي» في اسبانيا. لقد وجدت الشركات المنافسة نفسها محشورة في الزاوية وتتعرض لضغوط كبيرة لكي تحذو حذو زارا. وبتركيزها بشكل استحواذي تقريباً على ايجاد ادنى النفقات وارخص العاملين، انتهى الحال بمعظم شركات تصنيع الملابس الى العمل مع شبكة عالمية معقدة من اجل صنع قمصان بسيطة فقط. فهي قد تشتري القماش في دولة وتصبغه في دولة اخرى وتطرزه في دولة ثالثة وتخيطه في دولة رابعة مستخدمة مقاولين فرعيين في كل خطوة من خطوات التصنيع، وتكون النتيجة هي ان الفكرة تستغرق حوالي ثمانية اشهر لكي تنتقل من مرحلة التصميم الى واجهات العرض في المحلات. صحيح ان شركة انديتكس تنفق لانتاج ملابسها في اسبانيا والبرتغال اكثر بمعدل 15% مما ينفقه منافسوها في الصين بسبب تكاليف العمالة. لكنها تعوّض عن ذلك واكثر من خلال عدم الحاجة للاعلان وتقليص نفقات التخزين والتلاؤم مع نزعات الموضة بسرعة. ضرار عمير