بيان الكتب: بدأت رحلة الكتابة مع الدكتور نعيم عطية في أوائل عام 1975 عندما أصدر أول مجموعة قصصية بعنوان (قضية الشاويش صقر) ومضت الرحلة في سيرها ليصل الانتاج الى أكثر من 60 كتابا موزعة بين القصة والرواية وترجمة الأدب اليوناني وغيره من الآداب العالمية ونقد الفن التشكيلي فضلا، عن كتب القانون التي هي مجال تخصصه العملي كقاض ومحام أما آخر مجموعة قصصية صدرت هذا العام للدكتور نعيم عطية فعنوانها (الأيام السعيدة) وبالتأكيد فإن رحلة القراءة أسبق من رحلة الكتابة وبين الرحلتين تزاوج وتداخل وأفراح كثيرة.. وحوارنا معه رحلة في الكتب الأمهات التي ساهمت في تكوينه الأدبي والثقافي منذ البداية، وربما يكون هذا ما جعلنا نسأله: من أول من غرس في نفسك عادة القراءة والكتاب؟ فقال: كنت في صباي الباكر لا أتصور أنني سأكون شيئا إلا كاتبا يمسك بالقلم والأوراق ويجلس الى منضدة صغيرة تطل على حقول الريف المصري كان ذلك في مدينة دسوق في منتصف الثلاثينيات وكان عمري لا يتجاوز ثماني سنوات، وكان يعزز هذا التطلع الباكر فيّ أمي، التي لم يكن لها ابن سواي فكرست لي حياتها كلها وكانت في طفولتي تمسك كتابا لم يكن لدينا غيره في البيت، وتحكي لي قصة البنت الصغيرة التي لم تستجب الى تحذيرات أمها، وما أن خرجت الأم من البيت حتى أخذت البنت تلعب بعيدان الثقاب وتشعل وابور الجاز الذي هب فيها واشتعل في ثوبها، وعندها صرخت وبدأت أمها تجري لنصرتها وتأخذها في حضنها وتطفئ النار عنها، ولا أعرف لماذا كانت هذه القصة تستهويني، ولم أكن أمل من الاستماع اليها وتكرارها لي، وربما لما كان في صوت أمي من عذوبة وقدرتها على تطعيم قصتها كل مرة بتفاصيل جديدة. ـ كيف انتقلت الى ممارسة القراءة وما هي الكتب التي قرأتها قبل المرحلة الجامعية؟ ـ عندما انتقلنا الى الاسكندرية حيث كان أبي يعمل موظفا حكوميا دخلت المدرسة الابتدائية ثم الثانوية وحصلت على التوجيهية عام 1944 وكنت الثالث على القطر، وتفوقي في الدراسة كان يرجع لجهود أمي وتفانيها في التربية فقد أصرت وهي السيدة اليونانية على أن يكون تعليمي بالمدارس الحكومية العربية المصرية. وأذكر أنني كنت تلميذا مواظبا على زيارة مكتبة المدرسة الثانوية واستعارة الروايات الانجليزية والفرنسية لقراءتها وكنت وكثير من أبناء جيلي من هواة القراءة، متيمين بقراءة كتب توفيق الحكيم وطه حسين بينما كان اساتذتنا للغة العربية يقللون من قيمة هؤلاء الأدباء العصريين. ومرة سألت مدرس اللغة العربية وكان جارا لي وكان يحبني قلت له ماذا أقرأ؟ فقال يا ابني تقرأ كتب مثل (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) ولكن في الحقيقة لكل جيل كتابه وقراؤه، فكنت أقرا للحكيم رواية (يوميات نائب في الأرياف) وتيمت أيضا بكتابه الذي كتبه بالاشتراك مع طه حسين، وهو كتاب (القصر المسحور) وهو عن القصر الذي عاشت فيه شهرزاد، وكان لي ميل للأعمال المسرحية لتوفيق الحكيم، وكانت سلسلة (إقرأ) تنشر لكبار الكتاب في ذلك الوقت، وقرأت لقاص لا يكترث اليوم أحد بما كتب رغم أنه كان صاحب تأثير كبير جدا في قلوب جيلنا وهو محمود كامل المحامي وكاتب آخر عرف بأناقة كتبه وغلو ثمنها وهو أحمد الصاوي محمد، وأذكر أنني اشتركت مع صديق لي في شراء أحد كتبه وكان ثمنه 18 قرشا. وفي هذه المرحلة من العمر كنا متيمين ببرنارد شو وأذكر أنني قرأت مسرحية (رجل الأقدار) وهي مسرحية من فصل واحد. كما قرأت لـ(هـ.ج ويلز) الذي عرف بكتاباته الباكرة جدا في الخيال العلمي الذي كان يستهوينا.. ومن الفرنسية أحببت الشعراء مثل بودلير وبالمناسبة كان ألف عنه أحد الكتاب الذين أثروا في جيلنا في ذلك الوقت وهو عبدالرحمن صدقي كتابا بعنوان (الشاعر الرجيم) هذا الكتاب وغيره من أمهات الكتب التي قرأناها نشر في سلسلة (أقرأ) التي كانت تباع بخمسة قروش، وقرأت أيضا الشاعر الفرنسي لافونتين. ـ وماذا قرأت في المرحلة الجامعية؟ ـ دخلت الى الجامعة متيما بحب الفلسفة التي كنت قد فتحت عيني عليها في السنة الخامسة التوجيهية وكنت أريد أن أدخل كلية الآداب.. ولكن ماذا أفعل بأبي الذي كان متيما بالمحامين والقضاة وكان يريد أن يرى ابنه واحدا منهم وقد رآه فعلا لأنني تخرجت من كلية الحقوق قاضيا ومحاميا.. في سنوات الجامعة كنت بعقلي تلميذا بكلية الحقوق وبقلبي تلميذا في كلية الآداب أقرأ كتب الأدب لزميل لي دخل كلية الآداب، وكان لزميلي هذا كتاب مقرر عليه اسمه (الكنز الذهبي) يتضمن مختارات من الشعر الانجليزي فعكفت على قراءته وحفظ بعض قصائد منه وبخاصة بيرون وشيلي وودوورث وغيرهم وقرأت في هذه المرحلة كتبا كثيرة في الفلسفة وكان من الكتاب الذين قرأنا لهم زكي نجيب محمود وأبو العلا عفيفي وكانوا يكتبون عن تاريخ الفلسفة والمذاهب الفلسفية وفي كلية الحقوق كنت من الطلبة القلائل المهتمين بقراءة كانت وهيجل ومونتسكيو وسارتر. ـ كيف تعرفت على الأدب اليوناني؟ ـ بدأت مترجما من الأدب الفرنسي والانجليزي وترجمت منها أعمالا أدبية كثيرة وأدخل في روعي من أبنة خالة لي يونانية، أن الأدب اليوناني صعب جدا في ترجمته فظللت مدة طويلة متأثرا بهذه الفكرة، ولم أكن قد قرأت الأدب اليوناني باستفاضة حتى أوائل الستينيات الى أن كنت أسير يوم من الايام أمام سور الأزبكية الذي تباع فيه الكتب القديمة، وكنت بصحبة صديق يوناني عجوز كان يعمل صحفيا ومذيعا بالبرنامج الأوروبي قسم يوناني وفجأة انحنى والتقط من سور الأزبكية كتابا وقدمه لي، وقال: ما دمت تترجم الكثير من المسرحيات للبرنامج الثقافي بالاذاعة خذ هذه المسرحية اقرأها وقد تروق لك وتترجمها وكانت مسرحية جسر آرنا للكاتب اليوناني المعاصر جورج فيوتوكاس قرأتها واستمتعت بلغتها السلسة الخالية من الصعوبات التي حذرتني منها ابنة خالتي وترجمتها وأذيعت بالبرنامج الثاني ولقيت نجاحا كبيرا. وبدأت الاقبال على الأدب اليوناني قراءة وترجمة والتقيت بكتابات اعلامه: الشاعر القومي الكبير بالاماس وريتسوس وسيفيرس وايليتس أما الشاعر اليوناني الكبير كفافيس فله قصة معي إذ أنني عشت في الاسكندرية التي ولد وعاش ومات ودفن فيها كفافيس عام 1937. وقد أهديت لي نسخة كتابه أو قصائده من ملتقطه من كتب سور الأزبكية، وعكفت على ترجمتها بحب وبخاصة أن بعض قصائده سلسة لاتستعصي على المترجم بالاضافة الى النبض والفكر الانساني الذي تتضمنه.