بيان الكتب: ما يلفت النظر الى «كوتيزي» هو حصوله على جائزة بوكر للادب مرتين، المرة الأولى في سنة 1983 عن رواية «حياة وأوقات مايكل كي» والمرة الثانية في سنة 1999 عن رواية «العار» وفيما عدا هذه الملاحظة فإن كوتيزي واحد من اهم كتاب الرواية عالمياً وليس في بلاده (جنوب افريقيا) فقط. اما الشيء الذي تعرف عليه الاخرون خلال الفترة اللاحقة فهو كتاباته النقدية التي تدور حول بعض القضايا المعاصرة، منها كتابات مرحلة ما بعد الحداثة والعلاقة بينها وبين مرحلة الاستعمار الجديد في افريقيا والدور الذي يلعبه التاريخ في صنع الرواية والربط بين الوعي السياسي والاخلاص للكتابة الروائية. ويخلص قارئى اعمال كوتيزي سواء أكانت الرواية او النقدية قد جذبته الى نزعته المستمرة تعزيز نظريته في الوعي بثقافة ادبية اشمل او ارفع وهو ما يتجلى واضحاً في كتابه الاخير «شاطئ الغرباء»، والواقع هو ان كتاب كوتيزي يعزز جملة من الاسئلة المخزنة في ذاكرته كجنوب افريقي من اصل اوروبي. في اخر اعماله «شاطئ الغرباء» وهي مجموعة مقالات نقدية يعود الكاتب الجنوب افريقي «جي. ام. كوتيزي» الى طرح السؤال ذاته ـ هل تستحق الاحكام التي نطلقها على الاعمال الفنية والادبية هذه الاهمية؟ وهل تظل قيمة هذه الاعمال في انها مرآة تعكس الحالة الثقافية والاجتماعية للمجتمعات؟ ام ان هناك ما يمكن ان يقال بأنها الشرارة الكامنة في اي عمل فني عظيم يستطيع ان يتخطى حدود الزمان والمكان؟ كانت تلك هي الاسئلة التي واجهت المؤلف في مرحلة من مراحل تكوينه الادبي والتي لاتزال تحيره الى اليوم. يتذكر كوتيزي انه في سنة 1955 وعندما كان في الخامسة عشرة كان يتجول في حديقة منزله الخلفية حيث تقيم اسرته في احدى ضواحي مدينة «كيب تاون» عندما تنامى الى سمعه صوت موسيقى ينبعث من احد بيوت الجيران ولم يكن لديه اي المام بذلك النوع من الموسيقى التي يستمع اليها للمرة الأولى في حياته وكذلك افراد اسرته، ولكن تلك اللحظة غيرت على الرغم من ذلك كل شيء. ان عالماً جديداً كما يقول قد فتح ابوابه امام كوتيزي كما يقول وما صار يقلقه في ذلك الوقت هو السؤال عما اذا كان قد استجاب بالفعل لشيء من الموسيقى او انه كان يصغي طواعية الى شيء من الثقافة الاوروبية الراقية وتلك المكانة الرفيعة التي تمثلها ولا تتأخر في الاستعداد لأن تهبها للآخرين والتي كانت تجسد بالنسبة له الفرصة السانحة للهروب من واقعه الذي ينتمي بموجبه الى الطبقة الدنيا من المجتمع. في المقالة التي يذكر فيها كوتيزي هذه الحادثة يذكر كمرادف لها حالة «ت. اس اليوت» الرجل اللاجئ كما يطلق عليه الذي كان ينتمي الى القاع حسب نشأته الاجتماعية والذي استطاع ان يطلق فيما بعد على «انيادة فيرجل» اسم «مفتاح الكلاسيكية الاوروبية» وهنا يعود كوتيزي الى التساؤل ـ هل كان ذلك حكماً فنياً خالصاً؟ او هل كان يقوله لدوافع شخصية؟ وحسبما يروي في قصة الانيادة فان بطلها كان يحب امرأة تستحق كل الحب ولكنه كان يتعامل معها ببراءة تامة متناسياً اياها في سبيل تحقيق غاية كبرى وربما كان ذلك يشير الى «اليوت» نفسه الذي تجاهل زوجته وللاسف وهو يسعى الى تحقيق غايته في مجال الادب والنقد. وبالنسبة لكوتيزي لايزال «اليوت» شديد الوقار كما ان وجهة نظره التي ترى ان الاعمال الكلاسيكية تحتوي بالفعل على مقومات تؤهلها للخلود وهو ما يبرر مكانتها الرفيعة المتعالية على الثقافات الاخرى وعلى الرغم من ذلك فانه من الصعب على المرء الاقتناع بهذه الفكرة او حتى تصور انها معقولة بالاضافة الى ان المدافعين عن وجهة نظر اليوت تلك لا يتفقون على الاطلاق بشأن ما يمكن ان ينقله الفن من تلك المقومات او الحقائق. الشاعر الالماني راينر ماريا ريلكه احد الذين يتعرض لهم كوتيزي في احد مقالاته معقباً على تأكيده على ان الشعراء هم في حقيقتهم وكلاء مقدسون قادرون على تحويل القضايا الى اشياء يقرها العقل وبهذه المناسبة يشبههم في اثناء عملهم بالنحل فهم يجمعون عسل الاشياء التي يمكن رؤيتها ويخزنونها في الخلية الذهبية العظيمة التي تخفي بداخلها الاشياء غير الموثقة. وكذلك جوزيف بروكسي، الذي يقدره كوتيزي كثيراً والذي اعتبر ان الشعراء هم مجرد قنوات تتدفق عبرها اللغة في مجال الحقيقة الانسانية كل ما هو موجود في الاساس في عالم الحقائق غير الانسانية. تتناول غالبية المقالات التي كتبها كوتيزي السياسة خاصة السياسة الجنوب افريقية الى جانب تعليقه على بعض الموضوعات الاوروبية وهو من اجل ذلك يدخل مع القارئ في دائرة الاشياء التي تتحول فيها اية مزاعم بشأن الحقيقة الخالدة الى تاريخ طويل مليء بالجدل. غير انه وعلى الرغم من واقعيته يلقي بظلال من الشك حول الصورة الحقيقية او افريقيا الاصلية النقية التي قامت على اكتاف اولئك المؤمنين بأهمية الوعي بالنسبة لابناء الشعوب الافريقية المستعمرة انفسهم ومنهم المفكر الكيني علي المزروعي، والواقع انه قبل ان يكتشفها الاوروبيون كان لافريقيا مجتمعها الانساني الحقيقي كما هو الحال في المجتمعات التي يقوم بتأسيسها الفلاحون الكادحون العصاميون على نحو يجسد المكانة الرفيعة للثقافة الافريقية الاصلية على نحو متكافئ مع ما كانت تصوره كتابات المفكرين الغربيين من امثال ريلك وبرودسكي في حديثهما عن الحقيقة الشعرية. ولا يمكن للقارئ ان ينسى ان بعض الكتاب والمفكرين الجنوب افريقيين يربطون دائماً بين القوة الشعرية وبين كونهم افارقة من اصول اوروبية وهنا لابد من ذكر ما قاله الشاعر الجنوب افريقي الاوروبي الاصل «بريتون برتينباخ» في اثناء ادعائه بأنه يستطيع التوغل في داخل افريقيا ذات الوعي الغائب بالشاعرية والعودة باشياء مانحة للحياة وان تلك الهبة هي من الصفات التي ورثها عن اجداده الاوروبيين الذين يقول عنهم، اولئك الاسلاف الذين كانت لهم عيون غائرة شبيهة بعيون السعادين (قرود البابون) الجريحة. ان كوتيزي في كتابته لا يسخر من وجهة النظر الخاصة بالمفكرين الافارقة الاصليين وعلى الرغم من ذلك لا يمكنه ان يخفي شكله فيها فمجرد تصوره ان الافارقة ينتظرهم مستقبل واعد يعود في اصوله الى الثقافة والفكر العقلاني الغربي يتبادر الى الذهن ما تنطوي عليه هذه النظرية من دفاع عما سعى الى نشره نظام «الأبارتيد» العنصري في جنوب افريقيا. كما ان اصراره على انه لولا جهود التكنولوجيا الغربية والاستشراف الغربي ووجهه نظره في القضايا التي تواجهها الثقافة الافريقية لواجهت افريقيا معضلات اقتصادية مدمرة على المستوى الاجتماعي والسياسي. وبينما يتعمق كوتيزي في طرحه للقضايا الافريقية يشدد على نحو اكثر وضوحاً على ماضي جنوب افريقيا مردداً نفس اسئلته السابقة التي تدور حول الثقافة والاخلاق باعتبارهما تركيبتين زائلتين عابرتين مثلهما مثل النقد الادبي نفسه هنا لابد ان يدرك القارئ ان كوتزي ربما كان قد اجاب بوضوح تام على سؤاله الذي كان قد طرحه في البداية وهو ـ ما الذي نعنيه حينما نقول بأن الادب الكلاسيكي هو الادب الذي يستمر! وعبر تناوله لوجهات نظر ت. اس. اليوت وغيره من النقاد والمفكرين والكتاب يتدرج في مادته مروراً بكتاب كبار ينتمون الى القرن الثامن والتاسع عشر عرفتهم الثقافة الجنوب افريقية ومنهم دانيل ديفو وصامويل ريتشاردسون والحداثي ريلكه اما من كتاب القرن العشرين فيختار جورف برودسكي وجورج لويس بورجيس وآموس اوز ونجيب محفوظ ونادين جوردمر ودوريس لسنج. مريم جمعة فرج