بيان الكتب: اريك سوركوف هو أحد أحفاد «ملك البحار» روبير سوركوف (1773ـ 1827) وقد ورث اريك عن جده البعيد حب البحر والمغامرة، يعمل مستشاراً في ميدان بناء الغواصات كما ساهم في اكتشاف العديد من حطام السفن في بحر الكاريبي والمحيط الهندي وبحر الصين، وهو أحد الفرنسيين القلائل الذين يمارسون نشاطاته البحرية على الصعيد العالمي، سبق له وقدم عدداً من الكتب حول عالم البحار وما يحتويه باطنها من كنوز مغمورة مثل «ارث البحار، وقراصنة وكنوز، نظرات على القرصنة، كنوز جوف البحار وبحثاً عن الكنوز المغمورة». وكريستيان بيكس، هو أحد الصحفيين المعروفين العاملين في اذاعة فرنسا الاخبارية فرانس انتو منذ عام 1976، اخصائي برياضة الأشرعة وهو يغطي منذ عشر سنوات سباقات هذه الرياضة في مختلف أنحاء العالم. ان أكبر متاحف العالم موجودة في أعماق البحار، هذا ما يريد ان يقوله مؤلفا هذا الكتاب اللذان يؤكدان أن عشرات الآلاف من السفن المحطمة تقبع في أعماق البحار منذ قرون طويلة وتحوي بداخلها كنوزاً من الذهب ومختلف أنواع المجوهرات والأحجار الكريمة، ولا يزال حتى الآن ثلث الكنوز المثبتة والمعروفة موجودة في الأعماق وهي تعود لسفن اسبانية وبرتغالية وصينية بالدرجة الأولى أو لبلدان وشركات أخرى مثل شركة الهند «البريطانية». ولعل هذا الكتاب هو الذي يحتوي حتى الآن على أكبر قدر من التفاصيل التاريخية حول الكنوز المغمورة في أعماق البحار والمحيطات منذ القرن السادس عشر حتى اليوم، ومن المعروف ان البرتغاليين والاسبانيين، وفيما بعد البريطانيين ثم الفرنسيين، كانوا قد عرفوا منذ بدايات القرن السادس عشر بأن من يسيطر على البحار يمكنه ان يسيطر على العالم، وذلك عبر الاكتشافات والتجارة، حيث كان اكتشاف كريستوفر كولومبوس وبحارته لـ «العالم الجديد» عام 1492 بمثابة منعطف حاسم في تاريخ الانسانية. ان مؤلفي هذا الكتاب يقومان بعملية تأريخ وتحليل قصة الكنوز المعنية عبر التعرض لملحمة الاكتشافات الكبرى التي شهدت الكثير من المعارك مع القراصنة الذين كانوا يجوبون البحار والمحيطات، وهما يصفان أيضاً بدقة كبيرة السفن التي ابتلعتها البحار وقيمة حمولتها آنذاك والمواقع البحرية المتواجدة فيها ومحاولات استعادتها، بهذا المعنى هذا الكتاب هو بالدرجة الأولى «كتاب مغامرات» يشرح مؤلفاه آليات تشكيل حملات للتفتيش مع تقديم توصيف دقيق لمختلف المراحل المطلوبة، انه كتاب أهداه مؤلفاه «إلى جميع أولئك الذين تجرأوا على خوض مغامرة البحر وذهبوا باتجاه أحلامهم حتى النهاية». يعود المؤلفان إلى عام 1563، وإلى ذلك اليوم من أيام شهر سبتمبر حيث كان الابن الوحيد لـ «بيررو مينينديز دافيليس حاكم فلوريدا وأحد أشهر البحارة الاسبانيين آنذاك، كان ذلك الابن يعرف ان سفينته مهددة بالغرق في أية لحظة عندما واجه اعصاراً في عرض البحر بالقرب من برمودة، بعد هدوء العاصفة، قرر القبطان العودة نحو جزر الانتيل بأمل الوصول إلى جزيرة «الدومينيك» التي كان يعرفها جيداً، إذ كانت السفن القادمة من أوروبا باتجاه القارة الأمريكية عبر المحيط الاطلسي تؤمها من أجل التزود بالمياه العذبة والخشب. لكن المشكلة الكبيرة كانت تكمن في كون ان تلك الجزيرة مسكونة من قبل قبيلة متوحشة من «أكلة لحوم البشر» ولم يتمكن أفرادها من مهاجمة البحارة الاسبانيين آنذاك، الذين كانوا يتوغلون فوق أرض الجزيرة. كان ذلك القبطان يريد فضلاً عن انقاذ سفينته من الغرق المحافظة على الكنز الكبير الذي كانت تحمله من سبائك الذهب وقطع الفضة والجواهر الثمينة، وعندما وصلت السفينة إلى شواطئ الجزيرة استقبلت السهام المسمومة طلائع البحارة الذين هبطوا إلى الساحل، لقد تم قتل معظم بحارتها وتم سجن الآخرين لاستخدامهم في حقول قصب السكر، ومن بين هؤلاء قبطان السفينة الشاب نفسه، كما تم الاستيلاء على قسم من الكنز ليجري بعد ذلك حرق السفينة التي هوى حطامها إلى أعماق البحر مع جزء كبير من حمولتها لم يثر اهتمام أهل الجزيرة. حاول والد الشاب الأسير ان يخلص ابنه عبر تنظيم عدة حملات فشلت كلها، وقد كان الاب قد قاد هو نفسه اكثر من عشرة أسفار بحرية من اسبانيا إلى «الهند الغربية» حيث كان قائداً عاماً يعرف اكثر من أي شخص آخر البحار وأخطارها والرياح والسفن والبشر الذين كان يصادفهم اثناء سير الرحلات، لكن الرجلين الأب والابن لم يلتقيا أبداً، ولا يزال القسم الغارق من الكنز الذي كانت السفينة تحمله يقبع في مياه البحر بالقرب من الشاطئ الغربي لجزيرة «الدومينيك». ان مثل هذه الرواية التي يسوقها مؤلفا الكتاب ليست سوى واحدة من تلك التي تزخر بها الأراشيف والتي تدل كلها على ان ثروات هائلة من الكنوز لا تزال تنتظر البحث عنها والتي يصفها المؤلفان بالقول: «ان هذه الآثار الثقافية والتاريخية والاركيولوجية هي بمثابة تراث مشترك للانسانية كلها، ويشير بعض الاخصائيين إلى ان 40% من المعادن الثمينة التي استخرجها البشر منذ القديم لا تزال موجودة في أعماق المحيطات، ومن هنا يأتي التأكيد على المقولة المذكورة في بداية هذا العرض بأن أكبر متاحف العالم موجودة في أعماق البحار. ويضيف المؤلفان: ان جميع الاكتشافات حديثة العهد لحطام السفن التي تحتوي على حمولات خرافية ليست سوى الجزء الظاهر من جبل جليدي هائل قد بدأ البشر باكتشافه، وكانت عمليات البحث عن الكنوز الضائعة تحت البحر قد بدأت منذ القرن السادس عشر في الحقبة التي كان فيها المشروع الاستعماري الأوروبي لا حدود له، وكان الاسبانيون قد اتجهوا نحو الغرب لاكتشاف «العالم الجديد» وثرواته الضخمة، أما البرتغاليون وفي مقدمتهم البحار الشهير فاسكو دي جاما ثم الهولنديون والانجليز والفرنسيون قد توجهوا شرقاً وجنوباً لاكتشاف المحيط الهندي وبلاد الهند والشرق الأقصى. بدأت عمليات البحث عن حطام السفن الغارقة في المرحلة الأولى بمناطق لا يتجاوز عمقها الـ 20 مترا، وتتم الاشارة في هذا السياق إلى ان أول عملية «ناجحة» تمت عام 1687 على يد الانجليزي وليام فيبس الذي استعاد كنزاً من سفينة كانت قد غرقت عام 1641 يقدر وزنه بـ 26 طناً من المعادن الثمينة من بينها عدة سبائك من الذهب والفضة، بالاضافة إلى 2000 قطعة ذهبية وأوان فخارية مختلفة وتقدمت تكنولوجيات البحث فيما بعد ليتم استخراج 1089 سبيكة ذهبية من السفينة «مصر» التي كانت قد غرقت عام 1922 بمحاذاة شاطئ منطقة بروتانيا الفرنسية، وتم منذ فترة قريبة تنظيم عمليات البحث عن حطام السفن الغارقة وتعددت نتيجة لذلك الاكتشافات، لكن «من أصل الاربعمئة ألف سفينة التي كانت قد رست في أعماق بحار العالم ومحيطاته كما تدل وثائق الأراشيف المختلفة لم يتم البحث حتى الآن على ما يزيد قليلاً على مئتي سفينة، ولا يزال القسم الباقي ـ السواد الأعظم ـ ينتظر من يسعى لاكتشافه»، كما يؤكد مؤلفا هذا العمل. ويبحث المؤلفان في أحد فصول هذا الكتاب أسباب غرق السفن في الماضي حيث يبرز من بين هذه الأسباب الجهل بالطرق البحرية وأخطاء الملاحة وسوء الأحوال الجوية وأخيراً وأساسا الحمولة الزائدة وخاصة في طريق العودة من العالم الجديد، إلى أوروبا ومن أشهر حوادث غرق السفن بسبب الحمولة الزائدة يسوق المؤلفان حادث السفينة «فازا» التي كان طولها يبلغ 47 متراً ومزودة بـ 64 مدفعاً مما جعل منها أكبر سفينة في عصرها، وقد غرقت يوم تدشينها يوم 10 أغسطس 1628 في مرفأ ستوكهولم بالسويد، عندما صعد على متنها عدد كبير من المساهمين بالاحتفال من كبار المدعوين بالاضافة إلى 433 ضابطاً وبحاراً الذين كانوا يشكلون طاقمها، هلك الجميع في الحادث سوى قلة من الناجين.أ ما مراحل البحث عن حطام السفن الغارقة فتتمثل في البحث التاريخي في الأراشيف المختلفة، ثم طلب السماح بالبحث الميداني لدى الحكومات المعنية بعد تحديد موقعها بدقة للقيام بعد ذلك بعمليات التنقيب بقصد استعادة الحطام ومحتوياته كمقدمة لمرحلة جديدة ودقيقة تتمثل في معالجة ما يتم انتشاله هنا بفكرة اقامة متحف دولي يمكنه ان يجذب ملايين السائحين، كذلك بفكرة امكانية تنظيم معرض متجول وفي كل الحالات لابد من تحقيق أمن الآثار البحرية التي تعود ملكيتها للانسانية كلها ذلك ان القراصنة الحديثين موجودون بالفعل وهم يأخذون صورة رجال أعمال أو ناهبين للتراث العالمي. وإذا كانت عملية البحث عن حطام السفن الغارقة قد خضعت في الآونة الأخيرة للتنظيم الدقيق، فإنها كانت في البداية بيد المغامرين الباحثين عن الكنوز المدفونة من القراصنة ولصوص البحر كانوا يستخدمون وسائل بدائية من فؤوس وغيرها، وضمن هذا الاطار شكل المغامرون الفرنسيون المهتمون بثروات البحار الدفينة مجموعة اطلقوا عليها تسمية «اخوة الشاطئ» وقد كانت حياة القراصنة موضوعاً للعديد من الكتب على رأسها «روبنسون كروزو» لمؤلفه «دانييل دوفوي» الذي قدم أيضاً كتاب «التاريخ العام للقرصنة» حيث اعيدت طباعة هذا العمل تسع مرات اثناء حياة مؤلفه ما بين نهاية القرن السابع عشر ومطلع القرن الثامن عشر. الفصول الأخيرة من هذا الكتاب تضم نوعاً من «الجرد» لمختلف «كنوز» البحار على أساس التسلسل التاريخي لفترة غرق السفن التي كانت تحملها، انها صفحات تثير الاحلام بالثراء وبخوض المغامرة بحثاً عن «كنز». يقول أحد مقاطع أغنية كان يرددها القراصنة قديماً: «ربما اننا ذات يوم وبضربة حظ سنحصل على ذهب احدى السفن اليوم عيد.. وغداً الصدقة