«انها الازمة. لقد اصبحنا نمضي ساعات طويلة ونحن نتأمل كيف كان ينبغي علينا ان نفعل كي لا نعيش بهذه الطريقة التي نحياها حيث نخفي اوقاتنا بعمل اشياء لا أهمية لها. واذا قمنا بعملية جرد للناس غير الكفوئين الذين يحيطون بنا فإننا سوف نحصي الكثيرين». هذه الجملة التي جاءت في مقدمة كتاب «المثقفون الهشون» تدل على التوجه الذي يحكم تحليلاته. ان تعبير «المثقفين الهشين» الذي تطلقه مؤلفتا هذا الكتاب، الاختان «رامباش» للدلالة على «جيل جديد» من المثقفين يوازي تعبيراً اخر ساد في الولايات المتحدة الامريكية مؤخرا ويتحدث عن «المثقفين الرحّل». لكن لابد من الاشارة الى ان تعبير «المثقفين الهشين» هو جديد تماماً على الساحة الفكرية الفرنسية وعلى الأرجح، كي لا نقول من المؤكد، بأن هذا هو اول كتاب صدر يوم 4 سبتمبر 2001 يعالج هذا الموضوع. وهو يدل على مجموعة من حملة الشهادات العليا الذين يمارسون نشاطات لها بشكل ما علاقة مع الكتابة او البحث، لكنهم لا يكسبون من اعمالهم «الفكرية» هذه سوى اجور ضئيلة تقل عن الحد الادنى الذي تحدده القوانين السارية للدخل. وهم يشكلون كما تؤكد مؤلفتا هذا الكتاب «طبقة جديدة» تضم عشرات الآلاف من الاشخاص. ومن الملاحظ ان هذه «الطبقة الجديدة» لا تتخذ أية صيغة ملموسة ومجسدة يمكن الدلالة عليها، هذا على الرغم من اننا نصادفهم في كل مكان «دون ان نلحظهم». انهم موجودون في الجامعات والمختبرات ودور النشر ووسائل الاعلام. وهم يعملون كباحثين مستقلين او صحفيين يتقاضون اجورهم على ما يكتبونه «بالقطعة» او يقومون بتعليم بعض الدروس «الخصوصية». هذه السمات كلها دعت المؤلفتان الى اعتبارهما بمثابة «قبيلة غير مرئية» اذ لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. عدم التمكن من رؤيتها تعتبره المؤلفتان بمثابة «خصوصية» او «مأساة» المعنيين بها. البعد المأساوي يأتي من كون ان هؤلاء «المثقفين الهشين» هم «على حافة الهاوية» حيث ان دخولهم تتراوح بين 2000 و4000 فرنك فرنسي ويسكنون غرفاً لا تتجاوز مساحتها الـ 25 متراً مربعاً، وفي الاحياء الفقيرة. ان الاوضاع التي يعيشها هؤلاء «المثقفون الهشون» تحتوي على قدر كبير من التناقض بين «الهالة» التي تحيط بهؤلاء المثقفين على اعتبار انهم ينتمون الى شريحة «المثقفين» ذات الارث الاجتماعي المهم، وبين واقع «الحالة الاقتصادية المتردية» التي يعيشونها. اما اعمار هؤلاء «المثقفين الهشين» فانها تتراوح بين 25 و35 سنة وهم ينتمون عامة الى الشرائح البورجوازية الوسطى مما سمح لهم بالحصول على درجات علمية عليا. لكنهم وصلوا الى اسواق العمل في فترة ازمة اقتصادية كبيرة وتحاشي الشركات والمؤسسات التوظيف على اساس عقود طويلة الأمد وانما فقط بشكل مؤقت ولفترات قصيرة، هذا، بالاضافة الى ندرة كبيرة في الوظائف في الجامعات والمؤسسات التعليمية العليا. وتقدم المؤلفتان عدة نماذج من هؤلاء «المثقفين الهشين» الذين كانوا يقدمون اجابات متنوعة عن السؤال التالي: «ماذا تعملون؟»، «متنوعة» لكنها تتوازى كلها مع الاجابة التالية: «انا باحث في علم الاجتماع اكاديمياً وعامل مقسم هاتفي عملياً». «المثقفون الهشون» شريحة جديدة في المشهد الثقافي الغربي الحالي.. ولكن بالتأكيد ليس الغربي فقط.