بيان الكتب: هذه رواية جديدة عن الطاغية، ويتجلى جديدها في ثلاثة وجوه الاول هو تغير الفضاء الروائي من امريكا اللاتينية الى واحدة من الدول الشرقية الاشتراكية والثاني بؤرة الحدث الروائية التي تدور في معظمها حول التزوير الدعائي والاعلامي، الذي تقوم به السلطة الدكتاتورية وتشويهها للحقائق وكيفيات تطويع الشعب وتستقصي ما يدور خلف الكواليس في القصر الحاكم لا التركيز على المجازر والتعذيب واكل لحوم البشر كما الفنا في (خريف البطريرك) لماركيز و(السيد الرئيس) لكاربنتييه و(الطاغية بنديراس) لرامون دي بايل انخلان مع ان الطغيان خلفية مشتركة. تتصف الرواية بالكاريكاتورية والكوميديا هنا لا تصنعها اللغة الشعبية المرحة ولا اصطياد النكتة كما عند مواطنه وسلفه الكاتب الساخر ياروسلاف هاشيك صاحب رواية الجندي الطيب شفيك الشهيرة وانما ينبني بالحدث التراجيدي المضخم والمنقلب الى كوميديا فتضيع الحدود بينهما ويتماهيان. الراوي صديق طفولة الرجل الكبير ويعمل بوظيفة مصور في هرم السلطة لتسجيل لحظات انتصارها ومهرجاناتها فلا سلطة عصرية بدون صورة ما اتاح له الاطلاع على الكثير من الاسرار الى درجة انه اختلس صورة للرجل الكبير وهو (يعملها) في الغابة محروساً بكتيبتين من اليمين واليسار!! وبانتظار اتمام مراسيم الجنازة المهيبة والدفن وهو زمان الحدث الذي يحتل نصف الرواية يتنقل السرد بين مشهدين الاول هو مشهد الميت في التابوت الزجاجي الذي يمارس الحزن الاجباري كسلطة اخيرة على المودعين والثاني هو الماضي بكل استرجاعاته في عشرات القصص والحكايات فترتسم ببلوغرافيا القسوة والطغيان في واحدة من مراحل تاريخ الحكم الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا وتبدأ: من تحول راعي الابقار في السادسة عشرة من عمره الى ان اصبح رفيقاً ثورياً يلهب بالخطب الجماهير وذكرياته الجبهة والحرب ضد الالمان واستيلائه على عشيقة صديقه المصور ومن ثم تزوجها ثم طلقها وطرد ابنها وقصته مع عشيقته السكرتيرة الشقراء والحارس الذي اعدم لغفوة خاطفة في السيارة التي كانت تقل الزعيم بسرعة مئة كيلومتر في الساعة والتي تنعس الحجر والبروفسور فوندا الذي قطعت قدمه لشعور الرجل الكبير باقترابه من احدى فتياته والمستشار يانتوشكا الذي يصيب بجنون الشك خوفاً على صحة الرجل الكبير من دس السم.. والمعمل الذي دشنه بنفسه في منطقة سياحية هي لؤلؤة المنطقة وبعيداً عن مصادر الكلس والمواد الخام ثم عاقب بنفسه مهندسي المشروع الخطط الخمسية على خطأ الاختيار وقصة ارغام الاطباء على تجاوز قسم ابقراط لكتابة تقرير ملفق يقر بموته بسرطان الدم لا بالاوريميا كما هي الحقيقة فلا يليق بالرجل الكبير ان يموت من البول في الدم؟ الجنازة مسرحية تراجيكوميديا معدة باتقان وتتوسل صورة الحزن والفجيعة باستعمال كافة التأثيرات النفسية والضوئية والسمعية فالميت مسجى في مهابة واكاليل الورد استوردت بكثرة، ووجه الميت مدهون بمساحيق لاطلالة صموده في الحرارة ولهذا استقدم فريق من خبراء الماكياج والرتوش لتحويل اقبح وجه الى ملائكي وموسيقي جنائزية وتعليمات لحرس الشرف بعدم الحك وعدم العطس والسعال واظهار الوقار.. انوار معينة لكل مرحلة من المراسيم ومئتا الف مودع بانتظار القاء النظرة الاخيرة وراءهم الشبيبة والطلائع الباكون. وقد تظفر المسرحية بمنشط ما و(خروج عن النص) كأن تبالغ ارملته بادعاء الاغماء امام جثمانه حزناً ولوعة. المصور يعرف جميع الجنرالات ويخطف لهم صوراً مميزة في وضعيات مضحكة فهو يعرفهم (كما يعرف حذاءه) ولا احد من هؤلاء يحب المرحوم بصدق ولكنه الذي امن لهم الاستقرار النسبي. وتنتهي السيرة بتحول الرجل الكبير في اخر حياته الى قضايا تافهة مثل توزيع سيارات اتحاد الكتاب وبيوت الجمعية ومعالجة الشكاوى وصيد الغزلان. (الثورة انا وانا الثورة) والذي لم ير مرة واحدة مخطئاً يموت ها هو اخيراً يتحول من طاغية الى مجرد موضوع لدراسة تصويرية؟ مات وربما لن يتذكره سوى الحلاق الذي كان يعطيه بخشيشاً كبيراً؟ يخصص الكاتب الباب الاخير لرسم صورة زعيم الظل، الرجل المدبب جالوفتش الذي يلقي كلمة الوداع المليئة بالاخطاء النطقية فهو لا يعرف القراءة وهو نوع اخر من الزعماء ينكر كل النعم بما فيها الجلوس على كرسي قاس والذهاب راجلاً او الركوب في الدرجة الثانية من اجل نعمة ممارسة السلطة فنتعرف على شكلين من لذة السلطة واحدة مجردة هي الاستمتاع بالسلطة نفسها والثانية هي لذة مكتسبات السلطة الحسية وامتيازاتها ونهاية الرواية تبشر بدكتاتور اكثر حنكة. لا يوجد اسم للكاتب لاديسلاف مناتشكو 1919 ـ 1994 في موسوعة تاريخ الادب السلوفاكي المكتوب قبل 1992 لمواقفه المناهضة للنظام القائم آنذاك ويعتبره المترجم من عمالقة الكتاب والأدب السلوفاكي وكان غادر تشيكو سلوفاكيا 1968 الى النمسا ساخطاً على الاحتلال الذي قامت به جيوش حلف وارسو لقمع ما سمي بـ (ربيع براغ) وهي الحركة التي قادها الشيوعي التشيكي الكسندر دوبتشك والتي ارادت تجديد الصورة الانسانية للاشتراكية وتوفي في النمسا 1994. أحمد عمر