بيان الكتب: مؤلفة هذا الكتاب داني بوشار، هي امرأة فرنسية «عادية» لكنها عاشت تجربة «استثنائية» انها تجربتها مع الفرقة المعروفة بـ «شهود يهوه» وفي هذا الكتاب تروي «داني» قصتها بعد خروجها من «جحيم» تلك المجموعة التي كانت احد اعضائها لسنوات طويلة. تعود القصة إلى عام 1953 حيث قرع بعض «شهود يهوه» كما تطلق الفرقة المعنية على نفسها، على باب منزل الاسرة، كان عمر الطفلة داني آنذاك اربع سنوات لكنها لم تكن تعرف بانها على ابواب «سجن» قاس ستمضي فيه اكثر من ثلاثة عقود كاملة، سنوات طويلة كان ممنوعا عليها فيها ان تلعب مثل بقية الاطفال، وان تحتفل بعيد ميلادها، وان تستمع للموسيقى ـ التي يصفها شهود يهوه بانها ممارسة وثنية ـ أو ان تعيش مراهقتها كالآخرين، كانت أية مخالفة للتعليمات المطبقة تستدعي العقوبة، مهما كانت تلك المخالفة طفيفة، هذا لاسيما ان والدها نفسه كان مسئولا في تلك الفرقة وبالتالي كان يريد ان «يضرب المثل» للآخرين عبر التأكيد على «تأديب» ابنته. ان مؤلفة هذا الكتاب «داني بوشار» وعبر عرض تفاصيل تجربتها الحياتية القاسية التي عاشتها في اطار مجموعة «شهود يهوه» انما تخوض في موضوع ينال منذ اشهر عديدة اهتمام السلطات العامة الفرنسية حيث ان الجمعية الوطنية (البرلمان) قامت مؤخرا بنقاش تقرير اعده عدد من النواب عن حياة الفرق ـ المجموعات الخاصة ـ التي تغطي نشاطاتها بمزاعم روحانية. اهمية هذه التجربة التي يقدمها الكتاب تكمن في كون ان صاحبته تتحدث عن «جحيم شهود يهوه» من داخله، واذا كانت قد عرفته منذ سنوات طفولتها الاولى فانها احتفظت دائما بنوع من «الميل الفطري» نحو محاولة التمتع بقدر اكبر من الحرية مما كان سائدا في العالم الداخلي المغلق الذي وجدت نفسها فيه، هذا مع انها كانت تلقى في كل مرة تحاول فيها الخروج عن المألوف «العقوبة والزجر»، ولم تفلح تجربة الزواج نفسها من ان تحررها من «شهود يهوه» الا بعد سنوات حيث فرضت على اطفالها كل اشكال القمع التي كانت قد عرفتها هي نفسها في طفولتها، إذ انها كانت عاجزة عن القطيعة مع تلك الفرقة التي كنت لا تحسب بان لها اي وجود خارجها، ذلك ان قضبان السجن التي تقيمها هذه المجموعة في عقول اتباعها هي الاكثر صعوبة في امكانية تجاوزها، ولاشك باتت معركة الخروج من هذا «السجن» كما ترويها صاحبتها في هذا الكتاب طويلة وصعبة قبل ان تستطيع اخيرا الخروج من القفص، وتستعيد شيئا فشيئا حريتها التي كانت تعتقد بانها قد فقدتها إلى الابد. تصف المؤلفة لحظة خروجها من «جحيم شهود يهوه» بالقول: لقد ولدت فجأة اليوم، كان عمرها آنذاك سبعة وثلاثين عاما، كان لابد من «أخذ مسافة كافية» لامكانية الرؤية بوضوح اكبر، وفهم كم هو «غريب» ذلك الخطاب القائل بانه «من العبث ان يكرس الانسان شبابه للدراسة، اذ من الافضل ان يوظف طاقاته ووقته لتبجيل يهوه، وذات يوم خرجت «داني» من ذلك السجن، الذي عاشت بداخله نحو ثلاثة وثلاثين عاما كـ «سجينة ارادية»، تحملت القمع والاذلال، خرجت ولم تضع بعد ذلك «قدمها» وخاصة لم تضع «رأسها» فيه بعد ذلك، كان اكثر ما في تلك الفترة من قسوة يتمثل في اعتبار «اي انفعال عاطفي بمثابة نقطة ضعف»، ولذلك عانت هي وعانى اخوها ايضا من نقص الحنان، والدفء اللذين تؤمنهما الاسرة، «لكن اسرتها» عاشت حالة «استعباد عقلي»، كامل. ان فصول هذا الكتاب تتالى على اساس «اعادة الرحلة» من جديد منذ سنوات الطفولة ودخول «داني» ذلك العالم «المجهول»، حيث ان «الاعياد» كما جاء في عنوان الفصل الاول، كانت قد اصبحت ومنذ سن الخامسة نوعا من الحرمان، ذلك «ان شهود يهوه يريدون حتى تجاهل معنى كلمة «عيد» في سياق تعبيرها عن اي فرح، وحتى اهم المناسبات واكثرها حميمية في حياة طفل مثل الاحتفال بعيد ميلاده، لم يكن لها وجود في القاموس «المتزمت» لشهود يهوه، وتتذكر الطفلة «داني» بان عيد ميلادها العاشر قد مر دون ان يتذكره احد من المقربين لها سوى هي التي قالت لنفسها في اليوم السابق لتلك المناسبة: «غدا لن يقوم احد بأية اشارة حب خاصة من اجلي». ومن خلال تسلسل مجموعة من الاحداث والمواقف تقدم «داني بوشار» تجربة انسانية مهمة لمختلف مراحل عملية «وعيها»، للواقع القاسي الذي كانت تعيش فيه، كان اكتساب «الوعي» بمثابة خطوة اساسية لابد منها من اجل تغيير المسار الذي كان يبدو بانه غير قابل لأي نقاش، تقول «داني» اليوم عن ذكرى ميلادها العاشر: اذا كنت اتذكر اليوم عيد ميلادي العاشر، فان ذلك يعود لواقع ان الفظاظة وعدم الفهم يؤثران في اعماق الطفل اكثر مما تؤثر اللامبالاة، كان باختصار للحياة لونا وطعما واحدا إذ «كانت الايام تتشابه كلها». امام هذا «الغياب» للفرح والاعياد يؤكد شهود يهوه، لاولئك الذين يسألونهم حول هذا الموضوع القول: «اننا لا نحتاج إلى جدول زمني يحدد لنا الايام التي ينبغي ان نحتفل فيها بالاعياد، اننا احرار ونعيش فرحنا عندما نرغب ذلك، وهناك اسباب كثيرة لعيش مثل هذا الفرح»، هذه الجملة سمعتها مؤلفة هذا الكتاب آلاف الممرات، بل انها تبنتها وكررتها، مع ذلك من السهل ادراك انها لم تكن سوى سراب خادع، ولكن بعد عدة سنوات يتعود الجسد والروح على قبول الحياة الرتيبة، وأي ميل للرفض أو التمرد يواجهه «الخوف» خاصة لدى الاطفال والمراهقين، اما البالغين فانهم «يعيدون في اغلب الاحيان انتاج نفس المواقف التي كانوا قد رفضوها بعنف سابقا، بل انهم يحاولون تبريرها لتبرير اخطائهم. وتصف المؤلفة على مدى عدة فصول «قصيرة» الحياة الداخلية لفرقة «شهود يهوه» وحيث ان «الصرامة» تشكل حجر الزاوية في جميع اشكال السلوك فيما يخص علاقة اعضاء المجموعة فيما بينهم كما فيما يتعلق بعلاقتهم مع الآخرين، ولا تتردد المؤلفة اليوم في وصف الآفاق التي توجه عمل المجموعة بانها ذات طبيعة «دكتاتورية» على قاعدة «نمطية احادية» في الفكر والسلوك لكن وفي جميع الحالات كان يتم الاتصال بالاخرين «وزيارتهم» بحجة نشر «الحقيقة» والبحث عن مستقبل «افضل» لافراد الاسر التي «تستقبل مبعوثين» المجموعة وتقرأ منشوراتها وفي مقدمتها «برج الحراسة» التي تتم طباعتها بثمانية وستين لغة مختلفة، من بينها اللغة العربية، وكانت مؤلفة هذا الكتاب قد بدأت «تدق على الابواب» منذ ان كان عمرها ست سنوات برفقة ابيها، وقد تعلمت من ذلك درسا عبرت عنه في هذا الكتاب بهذه الجملة، «ان الناس السعداء، وحتى عندما كنت اوقظهم من نومهم، لم يكونوا ابدا عدائيين في ردهم». من جهة اخرى تفرض فرقة «شهود يهوه» على اعضائها الزواج فيما بينهم «هذا اجباري»، وكانت «داني» قد تزوجت عند بلوغها سن الثلاثين، واستمرت بعد ان انجبت طفلين بمحاولة نشر افكار المجموعة ورؤيتها عبر الانتقال من باب إلى آخر، «كنت سجينة منظومة لم اخترها وقد كانت تستهلكني ببطء لانني كنت قد اصبحت عمياء البصيرة». ونفس «الصرامة» يتم تطبيقها في اطار الاجتماعات الدورية، وايضا وقبل كل شيء في ميدان احترام «التراتبية» الهرمية والتي لا تجد النساء أي موقع فيها، رغم انهن يشكلن نصف عدد المجموعات وذلك على اساس انهن «مخلوقات ادني»، بحكم طبيعتهن، هذا ويمتلك «قدامى» المجموعة سلطة على افرادها اذ انهم هم الذين يقررون ترقية هذا العضو أو ذاك إلى «مرتبة اعلى»، وتشير المؤلفة في هذا السياق بانه لا ينبغي تصور ان جميع اعضاء شهود يهوه» هم من الساذجين والحمقى، اذ يوجد بينهم اساتذة ومحامون واطباء ومديرو شركات هامة، «بشر اذكياء لاشك بانهم احسوا بلحظة أو بأخرى بالفخ..» وبعد ان كان قد تم استغلالهم ماديا وروحيا، اذ لاشك بان هدف الكثير من الفرق ـ المجموعات ـ هو الاستيلاء على ممتلكات الافراد الذين يقعون في شباكها، هذا مع ان «شهود يهوه» يعتبرون بان «المال هو في اصل جميع الشرور» لكن هذا لا يمنع واقع امتلاك المجموعة لعقارات وابنية في فرنسا وفي البلدان الاخرى التي لهم ممثلين فيها. وكانت فرقة ـ مجموعة ـ «شهود يهوه» قد تشكلت عام 1872 في بتسبورج بولاية «بنسلفانيا» بمبادرة من «شارل تاز روسل» الذي توفى عام 1916 بعد ان كان قد ترأس الحركة منذ تأسيسها، وقد خلفه «جوزيف فرانكلين روتر فورد» الذي تم في عهده تبني تسمية «شهود يهوه» عام 1931 بدلا من التسمية القديمة، بكل الحالات تعتمد تعاليم المجموعة على فكرة «نهاية العالم» ويرى انصارها بان الحياة الخالدة هي محصورة بعدد من البشر، ومنذ عام 1880 كانوا قد اعلنوا بان العالم سيشهد فترة تحول اعتبارا من عام 1914، وتبنوا باستمرار مواقف معادية للحكومات في بلدان تواجدهم حيث يرفضون مثلا تحية العلم والانخراط في صفوف الجيش، مما عرضهم للعقوبة في المانيا النازية، واعتبرهم العديد من المراقبين بانهم قريبون من اليهود رغم مسيحيتهم، ونادرا ما يشاركون في الانتخابات العامة لبلدانهم، ويعلنون تمسكهم بمنظومة اخلاقية «صارمة» لا تسمح مثلا بالطلاق إلا في حالة ارتكاب فعل الزنى ويعارضون جميع عمليات نقل الدم، وهم ينشرون افكارهم بواسطة الترويج المباشر (من باب إلى باب) وبواسطة الكتب والدوريات مثل «برج الحراسة» التي يتم طبع (11630000) نسخة منها بـ 68 لغة، ويمتلكون مراكز تعليمية في بعض المدن الكبرى مثل نيويورك حيث يبلغ عدد اعضاء الفرقة في امريكا حوالي مليون نسمة ويزيد مجمل عدد انصارها على ثلاثة ملايين نسمة في مختالف انحاء العالم، اما المركز الرئيسي للحركة فانه موجود في بروكلين بالولايات المتحدة الامريكية. كتاب عن عالم مجموعة «شهود يهوه» من خلال تجربة المؤلفة داخل «اسوار» هذا العالم وايضا من خلال تجربة «الخروج» منه بعد «معركة» مع المجموعة ومع «الذات».