بيان الكتب: يعمل بيل كوفاك، احد مؤلفي هذا الكتاب، رئيسا لاحدى اللجان المعنية بشئون الصحفيين، وكان قد سبق له وعمل امينا عاما لاحدى المؤسسات الصحفية في هارفارد ورئيسا لمكتب الـ «نيويورك تايمز» في واشنطن حصل على جوائز صحفية. اما توم روزنستيل المؤلف الآخر، فقد عمل لفترة من الزمن ناقدا في صحيفة «لوس انجلوس تايمز» ورئيس مراسلين لمجلة «نيوز ويك» في الكونجرس الامريكي، وقد اشترك المؤلفان في انجاز عدة كتب في المجال الاعلامي مثل «النجاح الملتوي: امريكا في عصر وسائل الاعلام المختلطة». هذا كتاب عن الصحافة الامريكية منذ بداياتها حتى الفترة الراهنة، وبشكل اكثر تحديدا يخص هذا العمل ازمة «فقدان الثقة» التي يبديا عدد كبير من القراء والمهتمين بالمجال الاعلامي حيال الصحافة منذ حوالي عقد من الزمن، ان بدايات مسيرة فقدان الثقة هذه تعود الى فضيحة «وايت ووتر» العقارية التي كانت هيلاري كلينتون احد المعنيين الرئيسيين بها وقبلها فضيحة «ووتر جيت» التي اثارها صحفيان وارغمت ريتشارد نيكسون على الاستقالة من رئاسة الولايات المتحدة الامريكية اما الاسباب العميقة لتضاؤل حظوة الصحافة فيعيدها مؤلف هذا الكتاب الي ابتعاد الصحفيين عن المباديء والاخلاقيات الجوهرية التي يفترض ان تحكم طريقة ممارستهم لمهنتهم مما ادى الى تضاؤل ثقة الجماهير في صحافتها سواء كانت مقروءة او مسموعة او مرئية، ان مؤلفي هذا الكتاب يناقشان مشاكل الصحافة الامريكية خاصة والعالمية عامة. في البداية يتم التعرض لمحاولة شرح دور الصحافة في التاريخ حيث كانت «الغريزة الانسانية» تدفع باستمرار البشر الى معرفة ما يجري خارج نطاق المحيط الذي يعيشون فيه او خارج حدود بلاده، وقد كانت الصحافة هي الوسيلة الاساسية الاكثر فاعلية التي «افرزتها» المجتمعات للبحث عن الاخبار والاحداث وتقديمها للافراد، لاولئك الذين يعيشون على بعد آلاف الاميال عن مسرح وقوعها، وبما ان اسلوب بث هذه الاخبار والاحداث وطريقة عرضها يؤثر على متلقيها، فانه ينبغي بالتالي الحرص على ان لا يكون التأثير سلبيا او ان يحتوي ا لخبر على اي قدر من التضليل. ان فكرة هذا الكتاب انبعثت عن اجتماع تم في منتصف 1997 وضم صفوة من العاملين في مجالات الصحافة والاعلام المختلفة من صحف ومحطات اذاعية واقنية تلفزيونية وذلك لمناقشة احوال الصحافة الامريكية التي بدا انها تسير نحو منعطف قد يهددها بالخروج عن مسارها وعن وظيفتها الاصلية اي اعلام جميع فئات المجتمع بما يجري حولها بكل صدق وامانة. نقطة الانطلاق التي يؤكد عليها مؤلفا هذا الكتاب تتمثل في التأكيد بان تيارا واسعا يتعاظم أكثر فاكثر في المجتمع الامريكي يبدي اصحابه الكثير من الحذر وعدم الثقة حيال الصحافة بل ان الأمر يصل الى حد شعور الكثيرين بالكراهية للصحفيين وقد بينت عملية استطلاع للرأي اجريت عام 1999 بان 21% من الامريكيين يعتقدون بان الصحفيين يؤدون واجبهم المهني ويهتمون حقيقة بمشاكل البشر حولهم وذلك مقابل 41% عام 1985 كما بدا ان 45% من الامريكيين يرون بان الصحافة تشكل حماية للديمقراطية مقابل 55% عام 1985 تمثل احد القرارات الصادرة عن الاجتماع المذكور في القيام باجراء مسح شامل لمعرفة اسباب «الداء» ومحاولة البحث عن «دواء» كي تستعيد الصحافة مواقعها السابقة وتنال من جديد ثقة الجمهور عبر تزويده بالمعلومات التي يحتاجها. ان مؤلفي هذا الكتاب يثبتان ما يعتقدان بانه الاصلاح في ميدان العمل الاعلامي يتطلب التمسك بعدد من المباديء او «عناصر الصحافة» كما جاء في العنوان وتتمثل هذه العناصر في «التزام الصحافة بالحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة» والولاء الاول يكون لابناء المجتمع، اما جوهر الصحافة فيقوم على ضرورة التحقق من صدق الاخبار المقدمة، كما يشترط تأمين قدر كبير من الاستقلالية وتقبل انتقادات الجمهور والآراء التي يعبر عنها، والاهتمام بمصلحة هذا الجمهور، وتوفير الفرصة للصحفيين للالتزام بما تمليه عليهم ضمائرهم وهذا كله يرمي الى تأمين تغطية شاملة للاخبار بطريقة موضوعية. ويؤكد المؤلفان بان عناصر اخرى قد يجدها البعض في رأس قائمة مستلزمات الوصول الى صحافة فاعلة وموثوقة من قبل الرأي العام المعني بها مثل «النزاهة» و «التوازن» و «الحياد» انما هي حسب رأيي تدل على مصطلحات مطاطة وغير واضحة مما يتنافى مع ضرورة وجودها ضمن العناصر الاساسية للصحافة الجيدة، ان النقطة الاساسية في نظرهما هي طرح التساؤل الحالي: هل يمكن للصحافة المستمرة ان تبقى وتستمر؟ ويتوقف الرد في رأيهما على مدى فهم الصحفيين لمفهوم الاستقلالية ومدى حرص الجمهور على المطالبة بصحافة حرة مستقلة. اما الهدف الاساسي للصحافة فيتم تحديده في نهاية التحصيل باعطاء اكبر قدر ممكن من هامش الحرية لدى متلقي الاخبار كي يستطيعوا ان يحكموا بانفسهم على مايدور حولهم من احداث كما ينبغي على الصحافة ان تعبر عما يجيش في صدر اولئك الذين «لا صوت لهم»، وهذا يتطلب الالتزام الاساسي للصحافة، اي قول الحقيقة، لكن اذا كان الجميع، الصحفيون وقراؤهم، يقبلون هذا المبدأ الالتزام بالحقيقة، فانه يبقى هناك تباين كبير في الآراء حول مفهوم الحقيقة كذلك لا يمكن اغفال «حقيقة» ان جماعات الضغط المختلفة تؤثر في آلية ابراز الحقائق واحيانا كثيرة توجيهها هذا لا سيما وان «الدعاية والاعلان» قد اصبحا بمثابة احد الدعائم المالية الحقيقية في حياة الصحف ووسائل الاعلام الاخرى. ان المقياس الاساسي في تقييم العمل الذي يقدمه الصحفيون لم يعد في واقع الامر جودة ما قاموا به يقول المؤلفان: في ختام القرن العشرين اصبح المسئولون عن الصحافة في الولايات المتحدة الامريكية رجال اعمال تشغل ثلث اوقاتهم اعمال لا تمت للصحافة نفسها باية صلة وكان هذا من الاسباب التي يراها المؤلفان في صميم فقدان الثقة بالصحافة وتراجع الاعتقاد بانها تدافع بالفعل عن مصالح الجماهير. لكن هذا لا يمنع واقع ان معظم الصحفيين يقولون بان المسئول الاول عن محاسبتهم هو الجمهور وليس رئيس المؤسسة التي يعملون فيها لذلك نجد ان برامج تلفزيونية مثل «نحن بجانبك» او «نحن نعمل من اجلك» تجد صدى واسعا واقبالا جماهيريا كبيرا ولهذا فان كثيرا من الصحفيين يرفضون اعتبار الجمهور مجرد «عميل» او «مستهلك» لسلعة من السلع فهم لا يبيعون او يسوقون الاخبار، وانما يقيمون مع الجمهور علاقة تقوم على اساس تقديم الحقيقة بكل صدق وامانة واتقان مهني مما يقيم الثقة التي يمكن للصحيفة الحصول على كمية كبيرة من الاعلانات والحصول على ارباح ضخمة على قاعدة الاستفادة من سمعتها وشهرتها هذا يعني ان مسألة التسويق او تحقيق ارقام تجارية كبيرة انما هو نتيجة لنجاح الصحيفة كمصدر ثقة يقدم الحقيقة اولا وقبل اي شيء لذلك تعطي بعض الصحف الاولوية لمهمتها الصحفية وليس الاعلانية، ويقدم المؤلفان مثال صحيفة شهيرة امريكية الغت اعلانا بسبب ضيق المساحة التي فضلت تخصيصها لتغطية حدث مهم اذ رأت اسرة تحريرها بان القاريء ينتظر من الصحيفة تغطية اكبر. ويحذر المؤلفان في كتابهما من اي «خداع» قد تقوم به الصحافة او اية وسيلة اخرى من وسائل الاعلام عبر تقديم اخبار كاذبة مما قد يؤدي الى فقدان الثقة وتضاؤل المصداقية. أما المسئولية الاولى في تعزيز الثقة او فقدانها فانها تقع على الصحفي نفسه فهو المكلف في البحث عن الحقيقة وابرازها. لكن المؤلفين لايعفيان اطرافا اخرى من تحمل هذه المسئولية، فالناشر وصاحب المؤسسة الصحفية مسئولان ايضا عن ضمان حرية الكلمة ومقاومة ضغوط الحكومات والنقابات وكل اشكال مجموعات الضغط (اللوبي) المؤثرة في الولايات المتحدة الامريكية والتي قد تحاول العمل للحيلولة دون التوصل الى الحقيقة المنشودة لذلك المفروض عدم محاباة اي طرف من الاطراف. ويكرس المؤلفان عددا مهماً من صفحات هذا الكتاب للحديث عن العقبات التي تواجه عمل الصحفي في بحثه عن الحقيقة. يبقى ان الصحفي الناجح هو الذي يستطيع المحافظة على موقف متوازن مع تحليه بقدر كبير من الشجاعة ومن السلوك المتمسك بـ «اخلاقيات المهنة» وحيث لا توجد قوانين صارمة للصحافة يبقى الضمير» وحده هو الذي يهدي عمل الصحفي نحو ما ينبغي، اولا ينبغي قوله، وفي جميع الحالات ان «المتلقي» الذي يبحث في الصحافة عن الخبر والرأي انما يبحث ايضا عن الخبر الصادق والرأي النزيه. ان الانسان العادي «المتلقي العادي» هو في الواقع محور الاهتمامات الحقيقية للعمل الاعلامي برمته وهو بالتالي يتحمل قسطا من المسئولية في العملية المتعلقة بمهنة الصحافة بل هناك الكثيرون الذين يعزون اسباب هبوط مستوى بعض الصحف الى القراء انفسهم فالصحافة الجيدة موجودة لكن شرائح عديدة من المجتمع الامريكي ـ هل المجتمع الامريكي وحده؟ تشجع صحافة الاثارة ومن هنا يمكن للفرد العادي ان يشجع هذا النوع من الصحافة او ذاك والمساهمة في «تقديم الصالح» و «كشف الطالح ـ من قضايا المجتمع دون اي تحايل» على الحقيقة مهما كانت درجة قسوتها او بشاعتها. كتاب يبين واضعاه بان حالة «شبه طلاق» تقوم بين الرأي العام الامريكي و «وسائل» إعلامه هذا في وقت لم تعرف فيه مهنة الاعلام ـ وعلى رأسها الصحافة في تاريخها كله هذا القدر من الصحفيين الجيدين. هناك ازمة ثقة في ظل مقولة شائعة فحواها انه «من الافضل ان يكون الصحفي على خطأ مع التيار العريض من أن يكون على حق لوحده».