بيان الكتب: اضافة الى كونه أحد أهم الكتاب المتخصصين في تاريخ الثقافة فإن الكاتب السويدي «سفن لنكفست» هو أحد الكتاب المجددين الذين يبتعدون في أعمالهم عن التقليدية مما أهله لاحتلال مركز الريادة في الثقافة العالمية المعاصرة. وجديد لنكفيست هو كتاب «تاريخ القصف» «مارس 2001» وكانت قد صدرت له مجموعة من الأعمال المهمة التي تناول فيها بشيء من التحليل العميق الذي لا يخلو من التعرية قضية الاستعمار الأوروبي والعنصرية في القارة الافريقية من بينها «قاذفات الانقضاض». و«أبيدو كل الوحوش». في كتابه الاخير تاريخ القصف يلقي لنكفست الضوء على تاريخ القصف الجوي الذي يعود المرة الاولى الى سنة 1911 حين شن الايطاليون هجوماً جوياً بالقنابل على منطقة الواحات القريبة من مدينة طرابلس الليبية ثم المرات اللاحقة التي تلت هذا القصف واستهدفت مدناً مثل «كوفنتري» و«درسدن» وهيروشيما. وفي احدى مقابلاتها الصحفية اجرت «صوفي هاريسون» نائبة رئيس تحرير مجلة «جرانتا» هذا الحوار مع الكاتب السويدي: ـ كتابك الجديد «تاريخ القصف» مكتوب بطريقة تشبه المتاهة، سلسلة من الروايات التاريخية التي تتطلب من القاريء العودة الى الوراء ثم الى الامام مرة أخرى. لماذا اخترت هذا الاسلوب؟ ـ هذه مسألة تتعلق بالمفهوم الذي تكون لدي عن التاريخ، وبالنسبة لي فان التاريخ لا يشبه على الاطلاق الشارع الذي تسير فيه السيارات المؤلف من عشرة مجازات وكل ما يراه الانسان منذ البداية هو بالضرورة ما سيراه في النهاية عندما يعاود السير مرة اخرى الى حيث بدأ، انه اكثر شبهاً بلعبة المتاهة او لعبة الحيرة حيث تشق طريقك بصعوبة خطوة في هذا الاتجاه وخطوة في الاتجاه الاخر. والواقع انني استلهمت اسلوبي من لعبة كان يمارسها اصدقائي في الصغر وكان كل منهم يلعب دور الاخر وكانت اللعبة تقوم على مجموعة من التمارين القصيرة وبعدها صرت اكتب اعمالي على هيئة مجموعات متسلسلة من الاحداث ولكن الفرق فيما اكتبه هو ان القاريء يضطر الى العودة الى الوراء ثم الى الامام الى درجة تنسيه المكان الذي توقف عنده وهو بالطبع ما استمتع به. كما استلهمت ذلك ايضا من الكمبيوتر فالطريقة التي تتنقل فيها بين الملفات ومن صفحة الى اخرى تشبه الاسلوب الذي استخدمه في الكتابة. ـ ما المستقبل الذي تتوقعه لهذه التجربة؟ وهل تتوقع لها ان تحدث نوعاً من ردود الفعل المثالية في أذهان القراء؟ ـ اجل هذا ما اتوقعه، وما أتمناه هو أن لا يفهم الناس التاريخ كنتيجة محتومة وان يدرك القاريء ان التاريخ عرضة للشك في حدوثه لأنه وبينما هو يحدث بالفعل فإنه دائماً غير مؤكد الحدوث، أليس كذلك، فالمرء لا يعلم في الوقت ذاته الذي يحدث فيه التاريخ كيف ستصبح الاشياء في النهاية. ـ هل هو ما تلمح اليه في الفقرة التي تقول فيها بأن الجميع كانوا ينظرون الى قدوم شيء مثل القصف على انه أمر محتم الحدوث تماماً كما يتصور اي منهم تناوله لكوب من الحليب من الثلاجة على أنه مسألة مسلم بها بينما كما تقول انت انك لم تتناول الحليب من الثلاجة لانها لم تكن موجودة في ذلك الوقت وانما من ما كنا نسميه الـ «آيس بوكس» وليس من علبة الكرتون. لانها لم تكن موجودة وانما من الابريق وهذه الاشياء هي الاشياء المسلم بها في ذلك الوقت؟ ـ نعم، اردت بذلك اقناع القاريء بأن ما حدث في الماضي ليس من الضروري ان يكون هو نفسه ما يحدث الان. وعندما نعود الى الوراء عادة ما نعود بالفرضية التي تقول بأن الاشياء المحددة التي يشير اليها المؤرخ هي التي تختلف وان بقية الاشياء تتشابه، لكن الاشياء كانت مختلفة في الماضي في الحقيقة. وعليك ان تدرك انه كلما عدت الى الوراء توجب عليك ان تتبع سلسلة معينة من التفكير او نوعاً محدداً من الجدل قائماً على ان كل ما يحدث من حولك مختلف جداً عما هو عليه الان. وأتصور ان القاريء سيمر بهذه التجربة عندما يقرأ الكتاب كما هو مبني ومنظم. ـ وهل كان كتاب تاريخ القصف اكثر صعوبة في كتابته بالمقارنة بأي كتابة عادية؟ ـ في الواقع انا متعود على الكتابة بهذا الشكل على كتابة فصول قصيرة يناقش كل فصل منها نقطة معينة وربما كنت متأثراً في ذلك «بنيتشه» لأن أغلب كتاباته تأخذ هذا الشكل، كما تأثرت كذلك بالكيفية التي تكتب بها تقارير البرلمان البريطاني المؤلفة من عدد من الفقرات الصغيرة تطرح كل فقرة منها مسألة واحدة تتم مناقشتها قبل الانتقال الى القطعة الثانية ولكنها ممتعة في النهاية. ويوجد بحوزتي عدد كبير من هذه القطع القصيرة ولكي اجري عليها التعديل النهائي اللازم لبنائها استغرق ذلك بعض الوقت. لقد كان عملاً باعثاً على الشعور بالبهجة. ـ وهل قمت بعمل هذا في النهاية او انه كان يتم تلقائياً وانت تمارس عملك الكتابي؟ ـ كانت الفكرة واضحة بالنسبة لي ولكنها لم تكن واضحة بالتفصيل كنت اكتب فقرة قصيرة تشتمل على موضوع للنقاش او قصة فعلى سبيل المثال عندما كتبت الفقرة الخاصة بالحرب الكورية كانت الفكرة واضحة ولكن عندما اكتملت كل خيوطها اكملت بناءها كوحدة واحدة، ان البناء هو الجزء الاكثر اثارة. ـ بعض تلك الخيوط التي نسجتها في مرحلة مبكرة يلقي الضوء على وعيك الشخصي وانت طفل، وعيك بالتهديد الجديد «القصف» وكما يبدو فقد كان له تأثير قوي في مخيلتك، فهل كان ذلك واحد من الاشياء التي استلهمت منها قرار الكتابة في هذا الموضوع؟ ـ ان ذكريات مرحلة الطفولة ليست هي كل ما تحتوي عليه الفقرات التي كتبتها من موضوعات شخصية، والكتاب يحتوي على الكثير الكثير من الموضوعات الشخصية كل مدخل او فصل او سمّه كما تشاء يرتبط بهذه الاشياء الشخصية، لكن أهمها ربما كان هو ما كنت احمله في ذاكرتي عندما غادرت السويد للمرة الاولى وأنا في الخامسة عشرة لأقوم بجولة حول العالم وكانت خطوة عظيمة تلك التي اقدمت على اتخاذها ويجب عليك ان تتذكر ان كل شيء كان مختلفاً عما يبدو عليه اليوم. فلم يكن احد قد ذهب الى «مايوركا» او «جزر الكناري» لقد كنت اول فرد في اسرتي يغادر السويد الأول وأول الجيران فلا أحد منهم كان قد غادر السويد كنت مثل «كولومبس» الذي كان يسعى الى المجهول. وما الذي رأيته؟ لقد زرت المانيا ورأيت مدناً كبيرة مترامية الاطراف مدن تعادل في حجمها حجم لندن قد هدمت بفعل القصف وتساوت بالارض ولم يبق منها بيت واحد. كان ذلك في سنة 1947 وكانت تجربة مفيدة اكتسبت من خلالها المعرفة. ـ من الممتع ان هذه الذاكرة المعرفية تعود الى مكان يقع خارج حدود السويد. ان السويد لابد وأن يكون بلداً محظوظاً لأن تجربة القصف لم تمسه على نطاق واسع. فهل تعتقد بأنك لكونك سويدياً فقد عدل هذا من قدرتك على الفهم بشكل من الأشكال؟ ـ كصبي في الخامسة عشرة يرى العالم للمرة الاولى في حياته، كان لدي بالتأكيد شعور غامر بأن السويد هي بمثابة الجنة التي تشعر فيها بالامان فلم تكن قد تعرضت للقصف في الوقت الذي كانت فيه دول كالنرويج وفنلدا والدنمارك قد عانت من الآثار المدمرة للحرب فيما كانت المانيا قد مسحت تماماً. ولكن ما كان يشعرني بالانتماء الى السويد على نحو اكبر هو الاخبار التي كنا نتلقاها من كلا المعسكرين. ففي صيف سنة 1948 كنت اقيم مع عائلة بريطانيا تنتمي الى الطبقة العاملة في منطقة «سانت البانز» خارج مدينة لندن وفوجئت لدى اكتشاف ان الاعتقاد الراسخ لديهم هو ان قاذفات القنابل البريطانية لم تضرب على الاطلاق اهداف مدنية وانها كانت تقصف أهدافا عسكرية فقط. لقد كان ذلك اعتقاداً راسخاً كما قلت ولذا فلم تكن رواياتي كشاهد عيان يقول الحقيقة لتؤثر فيهم. وربما كان ذلك ضرورياً لتحقيق النصر فبريطانيا كانت مجبرة على حمل مواطنيها على الاعتقاد بأن كل ما تفعله صحيح ومبرر اخلاقيا. وكذلك الالمان. ولكن في السويد وفي الدول الاخرى المحايدة كسويسرا كنا نحصل على الاخبار من كلا المعسكرين وبالتالي فقد كنت تعرف اكثر عن اخبار القصف الجوي وربما اكثر من الاخرين. ـ هل كانت تلك اخبار محايدة؟ ـ لا لم تكن كذلك فقد كانت متحيزة بلاشك. ـ بمناسبة عدم توفر الحيادية فإن أحد الاشياء التي سببت لي الصدمة أثناء قراءتي لكتابك هي رواياتك التي تتحدث عن الزيارات التي قمت بها لعدد من المتاحف العسكرية البريطانية وملاحظاتك حول اغفال عرض أي شيء يتعلق بقصف الاماكن السكنية! الواقع انني قد فوجئت بهذا الشيء لأنني كنت اعتقد بأن رؤية التاريخ من وجهة نظر الضحية قد تحولت في يومنا هذا الى ممارسة مقبولة.؟ ـ صحيح انه كان هناك الكثير من المؤرخين الذين كتبوا عن القصف وانتقدوا الاسلوب الذي تم تنفيذه بواسطته ونظروا اليه من وجهة نظر المدنيين انفسهم ولكن مشاهدة مثل هذه الوقائع في المتحف شيء مختلف. اتصور ان ينظر الى المتحف باعتباره اكثر رسمية الى جانب انك ترى فيه اشياء مثل تلك التي تشاهدها على شاشة التلفزيون، مصممة لكي يشاهدها الجميع. ان لدى المتحف امكانية الوصول الى الناس على نحو اكبر مما يفعله الكتاب. وبالنسبة للكتاب انت تقرر ما اذا كنت تريد ان تقرأه ام لا ولكنك تقصد المتحف لأنه جزء مما تقوم عليه ثقافتك وتعليمك فأطفالنا الصغار يذهبون الى هناك برفقة معلميهم وهكذا. ـ وهل قمت بزيارة اي من المتاحف التي تعرض وجهة نظر الجانبين؟ ـ الواقع انني لم ار المتحف المثالي في اي مكان من العالم او حتى الموضوع المثالي. وبالتأكيد فهناك متاحف تعرض مشاهد القصف كما تصورها وجهة نظر الضحايا ولكنهم وفي الوقت ذاته لا يفعلون ذلك كقاعدة عامة تترتب عليها عرض وجهة نظر الطرف الاخر. وبهذه المناسبة فأنا اتصور متحفاً يابانياً بعينه وعلى سبيل المثال متحف هيروشيما الذي لا يعرض مشاهد للعدوان الياباني عن قصف اليابان للصين بالقنابل وقصف اليابان لـ «بيرل هاربر» والواقع ان اليابانيين ينظرون الى انفسهم باعتبارهم هم وحدهم الضحايا وعلى الرغم من ذلك فأنت ترى بعض الاستثناءات فهناك متاحف يابانية تحاول اصلاح وجهة النظر هذه، في اوساكا مثلا فأوساكا كانت قد ازيلت تماماً نتيجة القصف الامريكي ويوجد فيها متحف يعرض هذه الحقائق ويدينها كجرائم حرب ولكنه يدين الحرب التي شنتها اليابان على الصين. وهكذا فهم يبحثون عن موضوعية وتوازن في وجهات النظر. اعداد ـ مريم جمعة فرج