بيان الكتب: بقوله أن أعمال «الابادة الجماعية» هي بمثابة الرواية الرئيسية «للحضارة الغربية» فان الكاتب المتخصص في تاريخ الثقافة والناشط السياسي المعروف «سفن لنكفست» يسعى الى تأكيد وجهة نظره في موضوع شديد الأهمية هو «تاريخ القصف وأهدافه ومستقبله كوسيلة للابادة الجماعية». وعبر نقاشه الطويل الذي تشتمل عليه الفقرات القصيرة جداً المعنونة يسعى الى فرض وجهة نظره القائلة بأنه وقبل أن يعرف العالم هذا النوع الذي نعرفه الان من القوة العسكرية الجوية كانت القنابل التي يلقى بها جواً هي الوسيلة الكافية لقتل مجموعات كبيرة من البشر في مكان لا يشكل خطورة على الدولة المعتدية ولا عجب في أن تتشابه الأهداف التي تستخدم من أجلها القنابل او تستخدم من أجلها الصواريخ فهي كلها تتلخص في سلسلة المذابح الجماعية التي يُستهدف من خلالها الآخرون او الجماعات التي لا تنتمي «إلينا ينا نحن الأوروبيين» وأقل ما يقال عنها أنها مجموعات من الملونين الذين لا يسلمون بالاستعمار أو هم في طريقهم الى التمرد على فكرة الامبريالية. وعلى الرغم من أهميته فان كتاب لنكفست الجديد لا يتميز في الواقع الا بكونه عملاً يطغى فيه الشكل على المضمون بدرجة كبيرة تشد القاريء الى اسلوبه في الكتابة التاريخية التي يتحفنا المؤلف خلالها بآراء العديد من الخبراء وتصوراتهم الموجزة عن القصف الذي يؤرخ له من سنة 762 بعد الميلاد الى سنة 1999. غير أن اكثر الموضوعات اثارة هو موضوع استخدام الغرب لقاذفات القنابل واستخدام كل دولة هذا السلاح ضد الاخرى اثناء الحربين العالميتين وهو ما كان تحويله الى ممكن على نحو اكثر اتساعاً ليشمل دوراً في آسيا وافريقيا قد تحقق بفعل التمويه والحرص على جعل اهدافه تصب باتجاه تهوين مسألة فرض الثقافة الغربية على الشعوب المغلوبة على أمرها والتذرع بأهداف انسانية. غير ان هذا ما يبدو واضحاً أن نهاية الحرب الباردة قد أزاحت عنه القناع الزائف ليتبين للقاريء ان مسألة كمسألة «كوسوفو» لم تكن في الحقيقة سوى خطوة اولى باتجاه انجاح الارهاب الذي يستعين الغرب على تحقيقه بما يعرف بالقصف الجوي على نطاق واسع وبأشكال اكثر تطوراً وبالتالي فان اطروحة لنكفست تبدو هنا اكثر هشاشة وعدم قدرة على الاقناع على الرغم من قوة مزاعمها. كما ان مقارنة كتابات التاريخ المبني على الحقائق بروايات مأخوذة من الواقع المعاش تتعلق غالبيتها بممارسات عنصرية تشير في حد ذاتها الى الحد الذي وصل اليه تاريخ القصف الجوي كأداة لا يشك في استخدامها لأغراض مؤكدة اساسية لتدمير الاخر. وليس بمقدور كل من تسعه القدرة على التفكير في «حرب الخليج» او حرب كوسوفو الا ان يطبق ذلك عليهما اذا لم يكن متحيزا. واذا كان هتلر قد سحق هو مبادئه الامبريالية العنصرية فان مرحلة ما بعد الحرب الباردة والصراع من اجل الاستقلال والثورة على الجرائم الوحشية التي يرتكبها الغرب لم تنته بعد وهنا لا يتفق المرء مع وجهة نظر لنكفست القائلة بأن الغرب قد تنبه الى أخطائه وصار يسعى الى وضع حد لممارساته العنصرية الاستعمارية. والواقع هو ان اعمال القصف الجوي التي شنتها امريكا ضد المدنيين سواء كانت في فيتنام او كوريا والتي كانت تهدف الى احتواء المد الشيوعي لم تتوقف بقرار من الولايات المتحدة في الاساس وانما كانت قد اجبرتها عليه المقاومة الداخلية والتنديد العالمي الذي امتد ليشمل الولايات المتحدة ذاتها. لنكفست كما يبدو من مؤلفاته السابقة مؤرخ متمرس في مجاله «تاريخ الثقافة» وكما يبدو من مؤلفاته السابقة التي يبحث في غالبيتها مشكلات دول العالم الثالث كان لنكفست قد امضى سنوات بحثه الطويلة وهو يسعى محاولاً الكشف عن اصول هذه المشكلات التي كانت ولاتزال تعاني منها دولاً منها بلدان امريكا اللاتينية التي زارها في أوائل السبعينيات وتحدث مع سكانها من المزارعين وملاك الاراضي وموظفي الحكومات المحلية واولئك الذين ينتمون إلى اكواخها المتواضعة ليكون كما يدعي شاهداً على مقدار ما يحل بهذه الدول من فساد على كافة الأصعدة وهو ما فتح له وبالتأكيد المجال للابتعاد قدر الامكان عن اتباع الاساليب التقليدية للعمل في مجال الكتابة التاريخية، ومن مؤلفاته في هذا الموضوع «الظل امريكا اللاتينية، تواجه السبعينيات» سنة 1972 و«الارض والسلطة في امريكا الجنوبية» سنة 1979. وأعمال لنكفست بالمناسبة تبدو شديدة التوثيق والاحتواء على عدد كبير من الروايات المهمة والحية في آن واحد التي يعلق عليها بشكل بسيط بقوله ما يعتقد بأنه معلومات تتعلق بأشكال الجدل التي اثيرت سابقاً حول موضوعات الفساد والعنصرية في دول العالم الثالث «في امريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا» أما أهميتها فهي المساعدة على إعادة إثارة هذا الجدل من جديد، كتاب «غلطة القائمين بقياس المجاذيف» سنة 1995. في النصف الاول من القرن العشرين هرع الكتاب والرحالة والمغامرون الاوروبيون نحو ما كانوا يعتبرونه بمثابة تحقيق احلامهم في تلك المناطق البعيدة المعزولة من «الصحراء الكبرى» فما الذي كانوا يأملون في الحصول عليه... يتساءل لنكفست في كتابه «غواصو الصحراء» سنة 2000. وكان قد قرأ سابقاً اعمالاً مهمة مثل «الامير الصغير» ومغامرات عدد من النساء والرجال الذين كان بعضهم قد تنكر اما في زي مخالف او دين مخالف ليتسنى له الوصول الى اعماق الصحراء ويعود بحكايات خيالية او واقعية. وكما فعل الكثير من المؤرخين الذين اهتموا بدراسة تاريخ الثقافات الصحراوية قام لنكفست باستدعاء تلك المعلومات وربما الاحلام والروايات الخيالية ليبني على انقاضها وجهة نظره التي قد لا يجانبها الصدق حين يروى حكاياته عن المذابح الاستعمارية والعزلة التي احس بها الاوروبيون لدى وقوعهم في علاقة حب غير متكافيء مع الصحراء. اما «أبيدو كل الوحوش» فهو دراسة لتاريخ اوروبا المليء بالمشكلات في القارة الافريقية وان كان لنكفست قد ألفه على هيئة مذكرات تناول فيها رحلته التي رصد خلالها تاريخ الاستعمار الاوروبي لافريقيا منذ نهاية القرن الثامن عشر بالتركيز على ما يصفه بظاهرة العنصرية الاوروبية التي استمرت قرنين من الزمان «رحلة التفكير الاوروبي وأبعادها في القارة السوداء» او الرحلة التي جمعت في المواقف والتفكير بين المكتشفين والمبشرين والسياسيين والمؤرخين. عموماً فان ما تؤرخ له أعمال لنكفست في الحقيقة هو «ايديولوجية العنف والحرب» على نحو غير تقليدي يرصد الحقائق التاريخية المذهلة الكامنة وراء تطور القوة الغربية التي انتقلت عبر مراحلها المختلفة من صورتها كحرب استعمارية الى شكلها الحالي «مرحلة الابادة الجماعية» بواسطة ما يعرفه العالم بتقنيات القصف المتطورة.