يكثر الحديث هذه الايام عن افغانستان تلك البقعة التي ظلت منسية من العالم على امتداد سنوات طويلة وذلك في اعقاب الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة واشارت باصبع الاتهام الى اسامة بن لادن الذي يكفل له قادة حركة طالبان المأوى في افغانستان. كانت افغانستان، فيما مضى، مركزا لحضارة وازدهار جعلاها مطمعا للغزاة على مر العصور، وكانت عاصمتها كابول مشهورة بجمالها وثقافتها لكن تعاقب الحروب والويلات على هذه البلاد اوجد الدمار والخراب الحاليين اللذين انعكسا على جميع نواحي الحياة في هذه المدينة الضائعة. هناك مسحة خاصة من الحزن تطغى على العاصمة الافغانية كابول، وفي حين ان هناك اماكن اخرى في العالم ابتليت طويلا بالحروب والفقر، الا ان عددا قليلا منها هو الذي يمنع فيه الفرح ولكن في كابول، كما هي الحال في كل مكان آخر من افغانستان حظرت مختلف اشكال الموسيقى والغناء وكذلك مشاهدة التلفاز. وتظهر بعض الصور التي التقطت للمدينة مؤخرا الحجم الهائل للبؤس الذي يعيشه السكان هناك .. وهذه المناظر نادرا ما تظهر للعالم لان السياح لايذهبون الى هناك، والصحفيون الاجانب غادروا البلاد ويحظر التقاط صور للاشياء الحية، كما هي الحال بالنسبة لاجراء مقابلات مع النساء وزيارة الناس في بيوتهم، ولان الصحفيين يجب ان يرافقهم مترجم معين من قبل طالبان، فان اولئك الاشخاص الذين يتحدثون للصحافة او يسمحون بتصوير انفسهم انما يفعلون ذلك بمخاطرة كبيرة من جانبهم، ويقول المصور آرثورفوكس ان مغامرته لالتقاط الصور في كابول تمت اما من سيارة او كما يقول: من كاميرا مخبأة في قميصي. وفي كل مرة كنت اضغط على الزر، كان المرافقون لي يرتجفون وكأجنبي كنت احظى بالحماية من اسوأ الاحتمالات ولكنهم جازفوا بحياتهم بالمعنى الحرفي للكلمة. ان الصورة داخل افغانستان قاتمة جدا حتى بدون وقوع المواجهة الوشيكة مع الولايات المتحدة فهناك اكثر من مليون شخص يواجهون خطر المجاعة هذا الشتاء بسبب استمرار الصراع والجفاف. وحوالي ربع السكان الافغان البالغ عددهم 25 مليون نسمة هجروا بيوتهم بحثا عن الغذاء، ونزح حوالي 35 ملايين الى الخارج، ولولا وجود منظمات غير حكومية مثل الصليب الاحمر، الذي يقوم بتوزيع الغذاء، لمات الكثيرون جوعا، وتعتبر ظروف العمل بالنسبة لهيئات الاغاثة المختلفة صعبة جدا، وهي مرشحة لمزيد من التعقيد والخطورة في حال تعرض افغانستان لضربات امريكية. عندما احكمت حركة طالبان سيطرتها على العاصمة المدمرة قبل خمسة اعوام، استقبل افرادها بالترحاب من قبل السكان لانهم جلبوا السلام، بعد عقد من الحرب ضد المحتلين السوفييت واقتتال مرير بين الفصائل الافغانية نفسها. لكن هذا الارتياح الشعبي لم يدم طويلا. فقد قامت طالبان بسحق جميع اشكال المعارضة العسكرية والسياسية وحرمت اي سلوك او تصرف لا يتوافق مع فهمهم الضيق للاسلام. ويطبق نظام طالبان المؤلف في غالبيته من رجال الدين سياسة متشددة، فيما يتعلق بحمل الناس على الالتزام بمظاهر العقيدة الاسلامية، وتفرض حظرا للتجول من الغسق الى الفجر، واما فيما يتعلق بالمرأة فان عليها ان تضع الحجاب والبرقع عندما تخرج من بيتها، والنساء الوحيدات اللواتي يسمح لهن بالعمل هن الطبيبات والممرضات العاملات في المستشفيات المخصصة لنساء، كما يحظر على الفتيات الذهاب إلى المدرسة. دور السينما مغلقة في كابول ولا وجود لما يسمى بالصحافة الحرة، وبالتأكيد فإن هناك القليل من وسائل التسلية، غير حديقة الحيوان التي تحوي بعض الحيوانات ذات المظهر البائس ولعبة كرة القدم التي تمارس بين الحين والآخر في ملعب يستخدم أيضاً كحلبة للاعدامات والجلد وبتر الأيدي والأقدام. ومن جانبها تقول السلطات الافغانية ان الحياة ستكون صعبة لفترة طويلة مع قيامها برصد الموارد لالحاق الهزيمة باحزاب المعارضة الشمالية التي كان يقودها أحمد شاه مسعود، الذي تعرض للاغتيال مؤخراً. وقد باءت بالفشل جميع محاولات المجتمع الدولي لحمل طالبان على تحسين سجلها في مجال حقوق الانسان، خاصة فيما يتعلق بمعاملة النساء، كما لم يكن هناك تأثير كبير للعقوبات الدولية التي شددت في وقت سابق من هذا العام، في محاولة لاجبار طالبان على تسليم أسامة بن لادن المطلوب رقم واحد فيما يتعلق بعمليات عديدة كان آخرها الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في كل من نيويورك وواشنطن. غير ان ما يشغل بال الناس في كابول هو الصراع من أجل البقاء، وليس العلاقات الدولية، فالتضخم بلغ مستوى عالِ جداً، وحتى أبسط السلع في السوق تكلف رزمة كبيرة من العملة المحلية، الكهرباء توزع بنظام الحصص، ولا وجود لمنافع الخدمة العامة، وبالتالي فإن الناس يطبخون على مواقد الحطب، وتشهد التلال الجرداء والحدائق المجردة من الأشجار على البحث الدائم عن حطب الوقود للطبخ والتدفئة. وتنتصب أطلال المباني المدمرة على جوانب الطرقات في كابول، وكذلك الحال بالنسبة للجدران المقامة من الطوب الطيني في المدينة القديمة التاريخية التي أصبحت خرائب، وستظل كذلك لفترة طويلة على الأرجح. لا يزال هناك سجاد رائع معروض للبيع في شارع الدجاج، ولكن معظم النساجين هجروا المدينة إلى باكستان المجاورة، كما ان العاملين في منظمات الاغاثة الأجنبية والزوار القلائل هم فقط الذين يستطيعون شراء هذه الكماليات، كانت كابول ذات يوم مركزاً تجارياً مزدهراً ومكانا للتعلم والتسامح اشتهرت بحدائقها الجميلة وشوارعها المكتظة بالمشاة، وكان الغرباء يلقون ترحيباً حاراً من الأفغان، أما الأعراس فيتم الاحتفال بها بالغناء والرقص، لقد ولت تلك الأيام وولى معها جميع الأشخاص الذين غادروا البلاد بحثاً عن حياة أفضل في مكان آخر. ضرار عمير