نبهني صديق إلى أنني أتحدث عن مكتبتي كثيرا هذه الأيام، وتساءل عن السبب ولقد حاولنا أن نبحث عن السبب، وبعد أحاديث طويلة أظن أن انفجار المكتبة حتى أصبح السير بين كتبها مستحيلا هو السبب الحقيقي في انشغالي في هذه الأيام بالمكتبة والكتب. وفي سياق هذا أحسست بأنني افتقد مذكرات يوسف أبو حجاج وأظن أني حدثتك عنه ذات مرة في هذا المكان، أو ربما أشرت له اشارة عابرة وضياع هذا الكتاب كارثة بالنسبة لي، فهو يعني ضياعه نهائيا لن تجد نسخة في دار الكتب، فعندما صدر الكتاب، وأظن ذلك كان في العشرينيات لم يكن الناشر مجبرا على وضع نسخ من كتابه في دار الكتب وكانت الدار تكوّن لجنة تشتري الكتب، ولا أظن أن هناك لجنة تشتري طبعة رديئة لمذكرات فتوة أمي املاها على كاتب شبه أمي فكتبها بالعامية كما أملاها صاحبها أما إذا لجأت إلى الاصدقاء فلن تجد منهم من سمع عن الكتاب، وحتى إذا كان مرّ عليهم فلقد ضاع من ذاكرتهم لهوان امره وكل هذا يزيد من حسرتي على فقدان الكتاب الذي اشتريته من على سور الأزبكية بقرش أو ربما أقل. في هذا الكتاب يروي يوسف أبو حجاج ذكرياته عن ثورة 1919 وكيف تحول من فتوة يستخدم القوة البدنية في أمور الحياة اليومية، فتوة بولاق وكان منافسه العتيد فتوة الحسينية ولكن المد الوطني جمع بينهما ليكونا حلفا ضد الاستعمار البريطاني. لقد عاصرت نهاية زمن الفتوات الذي كتب عنه كثيرا نجيب محفوظ ورغم أنني عاصرت نهاية هذا الزمن إلا أنني لم أعرف عنه الكثير وذكرياتي عنه متواضعة ولكن ما قرأته كانت الحارة تحتاج إلى فتوة يقيم فيها العدل في غيبة السلطة ويقضي بين سكانها وينفذ أحكامه بيده ولكن القوة تفسد صاحبها، ولذلك كان الفتوة في غالب الأمر يتحول إلى طاغية بين أهل الحارة يستبد بهم ويفرض عليهم ضرائبه الخاصة فإذا ما ترى نفوذه وكوّن مجموعة من (الصبيان) حوله، طمع أن يكون فتوة الحي ويستمر الأمر زمنا حتى يضعف الفتوة أو ينقلب عليه أحد تلاميذه، فيسقطه من مكانه ويدخل عالم الهوان والنسيان، وقد ترجع مكانه فتوة جديد. وسوى فتحي العيسوي لا أذكر فتوة رأيته في حياتي بالتأكيد لمحت بعضهم أو سمعت عنهم لكن لم يثبت في ذهني سوى فتحي العيسوي، ولا أذكر اسمه إلا لأننا كنا نطلقه على بعضنا أثناء الطفولة فلصق بأحدنا، ومازلنا نناديه به حتى الآن إذا التقينا، ونحن لا نلتقي إلا كل شهور طويلة أو سنوات. وأحاول أن استعيد صورة فتحي العيسوي فأذكر - ولعل الذاكرة لا تخونني - طويلا مليئا وسيما أبيض الوجه وكان ضيق الأفق إلى حد مضحك، غير قادر على النقاش، مستبدا في أهون الأمور. وكانت هيبته مفروضة على الشارع كله حتى علينا رغم أن رب الأسرة كان ضابط شرطة كان فتحي العيسوي إذا رآه يقفز واقفا محييا إياه في احترام لكنه كان يسبه أحدهم أو يضربه لأنه يثير ضجة فلا يستريح سعادة البيك وكان أبي حريصا على تأنيبه أو لومه، ولكن لا يخطئ طفل ادرك أن صوت الأب مبطن بالمودة. ولا أذكر الظروف التي استشرى فيها نفوذ فتحي العيسوي وزاد استبداده بسكان الشارع، وربما كانت ظروفا خاصة مرت بالفتوة فزادت صورته رعبا للناس. وبالطبع كان فتحي العيسوي ومن معه يضعون صورة مرعبة له من ذكرياتي الواهية أنني سمعته ذات مرة يتحدث عن (سيد) وملت على صاحبي أسأله عن سيد الذي يتحدث عنه الفتوة، فقال لي هامسا: سيد أبو رقعة!؟ وكان سيد أبو رقعة أكبر وأشهر الخارجين على القانون في المنطقة، وكان محكوما عليه بالاعدام وقد قابلته وحكيت لك ما حدث معه ذات مرة إذا كانت ذاكرتك تحتفظ بما تقرأ أو كنت تقرأ ما أكتب! وحكى كيف صحب (سيد) إلى القاهرة حيث قضيا الليلة في سهرة صاخبة مع كاميليا، وكانت كاميليا أجمل نساء عصرها، وكان الصراع عليها بين الملك فاروق وأحمد سالم الممثل والمخرج ومع ذلك قال فتحي العيسوي أنها صديقته وصدقناه، بل كنا مستعدين أن نقسم بصحة هذا وكان فتحي يحكي ما حدث ويطرق ببصره إلى أحد حواريه: أليس كذلك يا ولد يا عبده؟ فيسارع عبده لينسج التفاصيل التي يعجز عن نسجها فتحي العيسوي الذي عرفت بعد عشرات السنين أنه كان غبيا محدود الذكاء! وزاد صلف فتحي العيسوي حتى كرهه سكان الشارع، وحتى نحن الذين كنا بعيدين عن نفوذه شاركنا الناس كراهيتهم له لكن فتحي لم يكن يأبه للكراهية، بل لعله كان سعيدا بها فهي دليل على سطوته. وما حدث ودفعني لكتابة هذا الكلام لم أره بعيني، ولكنني سمعته الف مرة أن لم يكن أكثر وروايتي عن سكان شارع بكاملة ظلوا يحكون القصة عاما وبعض عام، حتى تركنا الشارع والبلده. قالوا أن ذلك كان فجرا. وخرج فتحي العيسوي من منزله في نهاية الشارع متجها إلى شاطئ النيل وكان البعض قد خرجوا لصلاة الفجر. وكان فتحي العيسوي يخرج من بيته عادة في أبهى صورة، ويتأنق في ملبسه، ويسير بقوة تليق بمكانته وهكذا كان في ذلك اليوم المشئوم وفجأة وبسرعة البرق الخاطف هوى أحدهم بصفعة قوية على قفا فتحي العيسوي، فأختل توازنه، وحاول أن يتماسك نفسه فأصدر صوتا غليل بين التأوه والاحتجاج لكنه سقط سقوطا مدويا ولأن الليلة كانت ممطره، ولأن الشارع كان انئذ ترابيا فلقد تموه فتحي العيسوي بكامله في الطين، وبقامته المهيبة، أقصد بقامته التي كانت مهيبة واتسخت ملابسه البيضاء والأسوأ أنه أصابه اغماء أطال رقدته أكثر مما يجب ولم يجرؤ الذين تجمعوا حوله على لمسه خشية غضبه. وقام فتحي العيسوي في أسوأ لحظة في حياته عملاقا ملطخا بالسواد، والعيون تتفحصه، والوجوه عليها تعبيرات تعاطف كاذبة وصرخ فتحي العيسوي: من ابن كذا. وكذا الذي فعلها! ولأن أحدا لم يكن يعرف من فعلها، فلقد اصابهم الرعب الشديد خشية غضبه وتطوع أحدهم فاقسم أن الفاعل ليس من الشارع بل ليس من المدينة وافتى آخر بأنه ليس من الأنس، فكيف يجرؤ أنس على أن يصفع فتوة الفتوات على قفاه. أنه متأكد أنه من الجان ويؤكد أنه عندما ابتعد استطاع أن يلمح ذيله الشيكافي. وكان كل ذلك من عوامل تعذيب فتحي العيسوي ربما أكثر من محاولة البعض تنظيف ثيابه. وسار موكب كبير لا يدري أحد من أين جاء حول فتحي العيسوي مواسيا حتى وصل إلى منزله وتوقف الفتوة عند الباب وجال بنظراته المخيفة بين الناس وقال في عنف: أنا أعرف من فعلها الولد محمود القط! وفغر الناس افواههم دهشة فقد كان محمود القط رجلا ضئيل الحجم هربت زوجته الأولى، فلما تزوج مرة ثانية هربت هي الأخرى، وهكذا ضرب الرقم القياسي وكان يفعل ما يطلبه الناس منه كأنه ينظف شيئا أو أن يحمل لهم ما يريدون حمله، ولكن امتع أعماله ما كان له علاقة بدار المسنين، حيث كان يشاهد الفيلم ويحكيه لنا يوم الاثنين إلى يوم الخميس إذ كنا نرى الفيلم يوم الخميس. وأعلن فتحي العيسوي أنه قرر ضرب محمود القط حتى الموت. وهكذا هرب محمود القط إلى القاهرة وكنت أراه أحيانا وعندما بدأت أتردد على المسرح ورأيت الممثل عبد السلام محمد وتعرفت عليه سألته إذا كان له قريب اسمه محمود القط فلقد كانا متشابهين. أما فتحي العيسوي فلقد زالت دولته منذ أن تلقى الصفعة على قفاه واختفى من المدينة بدون مقدمات وحكى لي بعض أصدقائي القدامى أنه بعد عامين ظهر أحدهم وقال أنه الذي صفع فتحي العيسوي على قفاه ولكن لم يمض شهر حتى ظهر آخر ثم ثالث ورابع. وضاع فتحي العيسوي، وانتهى عصر (الفتوة!).