كثيرا ما تحدث المؤرخون والادباء عن طريق الحرير القديم بكثير من الحب والاحترام لتلك الدروب الطويلة التي كانت تجتاز وسط اسيا انطلاقا من شرق القارة لتمضي نحو اوروبا في رحلة طويلة. والاعجاب بطريق الحرير التاريخي هذا مرده ليس فقط للدور الذي لعبه كصلة وصل بين شعوب القارتين وحضارتيهما فحسب، بل وللسلع التي كانت تنتقل من الشرق الى الغرب وقوامها التوابل والاقمشة الفاخرة التي لم يعرفها الاوروبيون إلا بواسطته. وطريق الحرير ومن خلال البلاد التي يعبرها مع بعض التعديل، اصبح اليوم شريانا لنقل بضاعة مختلفة وهي الهيروين بكل ما لهذه البضاعة الخبيثة من عواقب مدمرة على بلدان المصدر وبلدان المعبر وبلدان المقصد. وابتداء من المصدر الاهم وهو الآن افغانستان، تقدر المنظمات الدولية ان افغانستان هي مصدر 75 في المئة من الهيروين في العالم اليوم فالحشيش الخام متوفر حاليا في الاسواق العامة في كل افغانستان والهيروين لايزال يغرق الاسواق الاوروبية. وقد ادى حجم الانتاج الضخم منه خلال التسعينات التي خفض اسعار الهيروين في الغرب وساهم في تراكم مخزونات ضخمة منه في افغانستان وتقدر بعض المنظمات ان هناك حاليا مالا يقل عن 3 آلاف من الحشيش او ما يعادله من الهيروين المعالج. ويقول سيف رياض الضابط الباكستاني المخضرم المسئول عن الحرب ضد المخدرات: «يوجد في افغانستان مخزون يكفي لعشرة سنوات مقبلة». ذلك السيل المتدفق من المخدرات اخذ يجد لنفسه طرقا جديدة للخروج من المنبع، فلتجنب طريق التهريب القديمة التي اصبحت تخضع الآن لحراسة مشددة في باكستان وايران يجد نصف الهيروين الافغاني طريقه خارج البلاد حاليا عبر جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة التي تعاني من فقر مدقع. وبدأت الدول الغربية تسمي طريق التهريب الجديد هذا بطريق الحرير ووجدت قوات الشرطة والامن سيئة التدريب والتجهيز والمعيشة في هذه الدول نفسها مغلوبة على امرها امام هذا الهيروين يفسد في طريقه كل المجتمعات التي يمر بها حيث يقول متحدث باسم الانتربول: «ان السوق الاكثر ربحية للهيروين هي اوروبا الغربية لكن في اية مناسبة تتحول بها بلد ما الى طريق للتهريب فان عدد المدمنين على المخدرات يرتفع فيها بشكل حاد. وهذه هي احدى نتائج العولمة فقبل عقد من الآن لم تعرف تلك البلاد شيئين اثنين على وجه الخصوص وهما الرأسمالية والهيروين. اما الآن فان روسيا لوحدها ووفق اكثر التقديرات تحفظا تعرف بين مواطنيها ثلاثة ملايين مدمن اي بزيادة 12 ضعفا عما كان عليه الحال قبل عقد واحد فقط. الشيء نفسه يسود الآن معظم وسط اسيا فالايدز والتهاب الكبد الوبائي وغيرهما من الامراض التي تنتشر عدواها عبر الحقن تتفشى الآن دون رقيب، وروسيا لديها النصيب الاكبر حاليا من مرض الايدز المعترف باصابتهم اكثر من اي بلد اوروبي آخر 90 في المئة منهم هم من متعاطي المخدرات. اما الجرائم في الشوارع والتي كانت امرا نادرا فيما سبق فأصبحت متفشية الآن وتقف السلطات الامنية عاجزة امامها، هذا ان لم تكن على علاقة بها وفي بعض الاوجه، فان كل ما فعلته المساعدات التنموية الغربية ومقتنيات الاتصالات هو انها زادت من حدة المشكلة. يقول ولفجانج ميرهوفر المنسق الجديد لبرنامج مكافحة المخدرات في وسط آسيا التابع للاتحاد الاوروبي: «حينما تفتتح طرق سريعة حديثة تصبح حركة المخدرات اسرع، لقد اصبحنا على الدوام متأخرين سنوات عن التكتيكات التي يطورها المهربون، دائما يجدون طرقا جديدة، خصوصا مع توسع نظام العولمة». وتتضمن طريق العبور دولا مثل طاجيكستان واوزبكستان وقرغيزستان مرورا بروسيا ثم دول الغرب الاوروبي. وفي طاجيكستان مثلا يصعب تبرير المشكلة بالقول ان حرس الحدود الطاجيك متساهلون في عملهم فالدبلوماسيون الغربيون والصحفيون المحليون يقولون ان البلد كلها تدار عمليا بقيادة تحالف بين الاقطاع من زعماء الحرب الذين يحصلون على تمويلهم مباشرة او بشكل غير مباشر من تجارة المخدرات. والبلاد تحصل على ثلث اجمالي ناتجها القومي تقريبا من صناعة الهيروين تبعا لتقديرات الامم المتحدة، ومع ذلك فان ضباط مكافحة المخدرات الطاجيكيين لابد وانهم يقومون بفعل شيء والا ما الذي يجعل عصبة من المسلمين تهاجم شقة الجنرال روستام نازاروف قائد هذه القوة في مارس الماضي؟! يقول نازاروف الذي نجا من الهجوم: ألا نعلم من هم زعماء وبارونات عصابات المخدرات؟ بالطبع نحن نعرف من هم لا اريد الحديث عن ذلك ولا اريد ذكر اي اسماء. كذلك هو الحال في قرغيزستان اذ لايمكن لقوات امنية هزيلة غير مزودة سواء بسيارتين وكمبيوتر واحد ان تفعل شيئا لوقف الطوفان ومع ذلك فقد صادرت 20 كيلوجراما من الهيروين عام 1991 وعشرة اضعاف تلك الكمية عام 2001 ومثلها في الشهور الخمسة الاولى فقط من عام 2001. الشرطة تبذل جهدها لكنها تعترف في الوقت نفسه انها بالكاد تعترض سبيل 5 في المئة من حركة التهريب عبر قرغيزستان على اكثر تقدير. جلال الخليل