لا ادري لماذا نحن مغرمون دائما باصطحاب غسيلنا (المشكوك في نظافته) معنا كلما سافرنا الى الخارج، كأنما لم تكف حبالنا هنا لنشره، فخرجنا الى بلاد العالم نبحث عن حبال اكثر اتساعا ومتانة، او كأنما لم يعد هواؤنا صالحا لتجفيف هذا الكم من الغسيل سييء السمعة الذي يتراكم ويتزايد يوما بعد يوم .. ! صحيح ان الاعلام الغربي يساهم (مشكورا) في استضافة هذا الغسيل ويرحب بنشره على حبال صحفه ومجلاته، وليس هذا ذنبه .. بل ذنب من سمح لنفسه باصطحاب هذا الغسيل الى كل مكان يحط فيه من بقاع الارض، وهو يعلم كم البقع الذي يرصع كل مساحات هذا الغسيل .. ! والغريب اننا نخجل كل الخجل من نشر غسيلنا المذكور امام بعضنا، ونحاول بكل الطرق ان لايبدو منه لجيراننا غير الجانب النظيف، فاذا ما خرجنا الى العالم الواسع تخلينا عن هذه (العقدة)، وتحلينا بمباديء الانفتاح الديمقراطي، فاسقطنا كل قيود النشر، وسمحنا لكل من هب ودب بالاطلاع على غسيلنا (إياه) والاستمتاع برؤية ما ينشر على ساحته من بقع وخلافه، في ضوء مفهوم خاص يؤكد ان هؤلاء الخواجات ناس اغراب، لا يفهمون لغة البقع العربية، وحتى لو ترجموها وفهموها فلن يعايرونا بها لاننا سرعان مانكون قد فارقناهم عائدين الى بلادنا قبل ان يتمكنوا من ذلك، وبهذا المفهوم العبيط احيانا والجاهل احيانا اخرى نخرج ... وننشر .. وينشرون لنا، فلا يرى العالم منا الا (البقع) .. ولا يعرف العالم عنا الا اننا ـ وللاسف ـ ناس ( ... ) لا ينفع معنا الا الصابون الاسرائيلي او الامريكي .. !! ترى الواحد منا في بلده وفي موقعه الوظيفي وقورا .. جادا .. ناصحا للآخرين .. متمسكا بسبحته الانيقة في كل تحركاته وايماءاته، فاذا ماحطت طائرته على اراضي الفرنجة خلع مع ثوبه العربي وقاره، وتجرد من جديته واتزانه، وانطلق بكل مافيه من همة ونشاط يفتش عن سماسرة ( الهلس) ومواقع سياحة اللذة، حتى تتلقفه الايدي المدربة، فيتحول بين اصابعها الى مسخ او مسخرة، يشرب ويشرب حتى تغيب كل كرات دمه الحمراء والبيضاء عن الوعي، ويتهافت على كل (لحم ابيض) يصادفه تهافت الخارج لتوه من مجاعة، ثم لا تنتهي ليلته (السوداء) الا محمولا الى غرفته بالفندق .. او على نقالة الى اقرب مستشفى، وفي كل الحالات تكون كل وقائع البهدلة العربية قد سجلت بالكاميرا وبالقلم ومعدة للنشر، لا منسوبة الى سعادة الاخ فقط .. بل منسوبة اليه والى كل العرب الذين لاناقة لهم ولا جمل في هذه الفضائح التي ارتكبها (فارس بني خيبان) العربي، والتي تنشر على حبال الاعلام الغربي كنموذج للغسيل العربي كله .. ! ونرى عائلاتنا العربية المسافرة للسياحة في الخارج وقد جرجرت معها كل العادات السيئة التي تعودنا هنا ان نرفضها ونتغاض يعنها، ولكنهم هناك يرفضونها ولا يتغاضون عنها، تراث عجيب من العادات المتخلفة والتصرفات المخجلة نحمله معنا لنغزو به بلاد العالم، فلا نغادرها الا وقد مسحنا من امخاخ شعوبها كل صورة او فكرة طيبة عنا وعن اجدادنا، مؤكدين لهم تأكيدا عمليا بالصوت والصورة اننا مصممون على مسيرة التخلف تصميما لا رجعة فيه .. ماضون الى الوراء بكل مافينا من ارادة ووعي.. !! وترى وفودنا العربية تسابق بعضها البعض .. رائحة غادية الى مؤتمرات وندوات وحلقات تقام في الخارج، اقتصادية .. علمية .. ثقافية .. تجارية .. سياسية .. ومن كل الالوان، وتودع الوفود في مطاراتنا وداع الغزاة والمستكشفين الذين سيفتحون آفاق العالم ويعودون منها حاملين كنوز الخبرة والمعرفة، فاذا بهم لا يعودون الا بعشرات الحقائب المتخمة بالملابس والهدايا وكل ما غلا ثمنه وخف (او ثقل) وزنه من التحف والاجهزة والاكسسوارات لزوم الاقارب و (المدامات)، ذلك انهم ما يكادون يحطون اقدامهم في مطارات الغرب حتى يستبدلوا اوراق العمل التي يشاركون بها في المؤتمرات باوراق التوصيات الخاصة وقوائم المشتريات والهدايا المكلفين باحضارها، ومن اول لحظة يصبح حضور الندوات والمؤتمرات هما ثقيلا يتحملونه على مضض، وقد يتهربون منه اذا سنحت لهم الفرص، ومن ثم يبدأ نشاطهم المحموم في الاسواق، وترتفع اصواتهم بالحوار والمناقشات .. لا في الندوات والمؤتمرات .. بل في المتاجر ومع خبراء المشتريات، ويبحث مندوبو الصحف ووكالات الانباء عن اعضاء الوفد العربي المشارك ليناقشوهم في قضايا المؤتمر المطروحة للنقاش فلا يجدون من يعطيهم جملة واحدة مفيدة، فاذا ما اقبل الليل فلا مانع من (عشاء عمل) في احد الملاهي الليلية، وقد يمتد عشاء العمل حتى يتصل بافطار (عمل) ايضا .. وكل حسب فلوسه .. وحسب مركز دولته المالي .. !! واحقاقا للحق .. فإن اغلب اعضاء هذه الوفود في واقع الامر لايخرجون عن واحد من اثنين: ـ اما متخصص وضع في ذيل قائمة الوفد ذرا للرماد في العيون، وللاستفادة من وجوده اساسا في اعداد كلمة المسئول الذي يرأس الوفد، والذي يكون في العادة رجلا طيبا .. يفهم في كل شيء ما عدا المهمة التي يرأس وفدها، ولذلك تراه يلقى الكلمة المكتوبة له بصعوبة، متلعثما في نطق المعلومات والمسميات التي تطرق بصره وسمعه ربما لاول مرة، فاذا ما فتح باب المناقشة فالسكوت عندئذ نوع من (الستر) الذي امر به المولى عز وجل .. ! ـ اما الجانب الآخر من اعضاء الوفد فاغلبهم من حملة المؤهلات العليا المعروفة والمعترف بها حكوميا، والتي تحمل مسميات مثل (ابن عم الوزير .. اخو سعادة الوكيل .. زوج بنت المدير .. ابن اخت رئيس الدائرة .. الخ»، وينتهي المؤتمر .. ويعود الوفد بسلامة الله ورعايته حاملا الوية النصر، موضحا كيف هزوا قاعات المؤتمر بكلماتهم وحواراتهم، وكيف فرضوا اراءهم وافكارهم على قرارات وتوصيات المؤتمر، وما دام لا احد يهتم .. ولا احد يراجع .. فلهم مطلق الحرية في (البحبحة) في الكلام والتصريحات ماشاءت لهم قرائحهم، المهم ان ينقلبوا بعد ذلك الى اهلهم واصدقائهم ليوزعوا عليهم حصيلة (جهدهم) في المؤتمر من الهدايا والمشتريات .. وكل مؤتمر وانتم بخير .. ! وفي كل عام تتكرر نفس الحكايا والحواديت، ومع حلول الصيف تبدأ قوافل الغزو السياحي العربي تشد رحالها الى شتى بقاع الدنيا، وتبدأ مع استقرارها هناك مسلسلات (نشر الغسيل) اياه، وتمتد الحبال في كل موقع ينزل به سياح العروبة لتتسع لنشر كل ماهو عجيب .. وغريب .. ومتخلف، وكأننا قادمون من عصر البداوة الاول، حيث تعتبر (النظافة) تحذلفا .. و (النظام) تطرفا .. و (الانضباط) منافيا للعادات والتقاليد، وتجدها الصحف هناك وليمة شهية نقدمها نحن لها كل عام مجانا، تأكيدا للكرم العربي .. ولـ (العبط) العربي ايضا .. !