يتمتع الفنان والرائد المسرحي جعفر السعدي بحضور متميز في ذاكرة الفن والابداع العراقي الاصيل فهو خلاصة تجربة عميقة تمتد جذورها الى الثلاثينات من القرن الماضي حين كان فيها المسرح العراقي عبارة عن محاولات فردية متفرقة ليس لها مكان معين ولا تحظى برعاية كافية. وتعد مسيرته الفنية بحق مسيرة كفاح يندر مثيلها لفنان عراقي تعلم التمثيل والاخراج بالفطرة وأصبح من المتميزين الكبار في هذا المجال. ـ كيف حدث وأصبحت مصاباً بداء الفن اذا جاز التعبير خاصة أنك ولدت في النصف الاول من القرن العشرين حيث لم يكن هناك فن ولا فنانون؟ ـ أنا من مواليد العام 1921 وقد نشأت في مدينة الكاظمية في بغداد وهي مدينة تنطوي على تقاليد شعبية محافظة ولها طقوس دينية موروثة ومنذ أن كنت صغيراً كان لي ميل في إنشاء المسرحيات وكنت أؤدي فيها أدواراً مختلفة مع أقراني في المحلة التي أسكن فيها ، وبمرور الوقت تعرفت الى عبد اللّه الصراف سكرتير نقابة هواة التمثيل عام 1936 وكان عمري حينها 15 عاماً وصرت ألاحقه في كل مكان لوجود صلة قرابة بيننا فاشتركت بعمل مسرحي عن الثورة الليبية ضد الاستعمار وعرضت هذه المسرحية لحساب مدرسة المفيد الأهلية ولاقت نجاحاً كبيراً وكان دوري في المسرحية النطق بجملة واحدة هـي: «سيدي.. بالباب رجل». ـ حدثنا عن لقائك بالرائد المسرحي حقي الشبلي؟ ـ كنت شديد الولع بمسرحيات حقي الشبلي وأول عمل شاهدته له مسرحية «شهامة العرب» التي اخرجها وعرضها لحساب مدرسة المفيد الأهلية ولم أره في حينها لأنه كان مسافراً الى فرنسا وفي عام 1941 عندما أسس معهد الفنون الجميلة قدمت للدراسة في المعهد فأخترت فيه من بين 300 طالب متقدم قبل منهم 64 طالباً وكان الفنان حقي الشبلي هو الذي اختارهم وقد تخرج منا وهي الدورة الاولى في المعهد عام 1945 (13) طالباً وكان معي في الدورة الفنان المرحوم ابراهيم جلال وعبد اللّه العزاوي وعبد الستار البصام وغيرهم.. وكان الفنان حقي الشبلي يقدم في المعهد حفلة عامة كل سنة نقدم فيها مسرحيات وأعمال متعددة فصقل موهبتي في التمثيل والأخراج أيضاً.. وقد اختارني لتقديم تمثيلية إذاعية عام 1942 لحساب محطة الشرق الأدنى وكانت أول تمثيلية عراقية إذاعية سجلت على إسطوانة. ـومتى بدأت علاقتك بالتلفاز؟ ـ عندما دخل التلفاز الى العراق عام 1956 افتتح بمسرحية من إخراجي اختارها مستر هلك مدير التلفاز أنذاك وهي مسرحية «يريد يعيش» من تأليف ابراهيم الهنداوي وكانت تبث على الهواء مباشرة وتدور أحداثها عن امرأة فقيرة وزوجها «دفان» فهي تريد أن ينتشر الوباء وبالتالي يكثر عدد الموتى وتبقى هي..!! وكانت هذه المسرحية التي حولت الى تمثيلية تبث يومياً للمشاهدين والطلبات عليها مستمرة. ـ وماذا عن السينما؟ ـ قدمت الى السينما ستة أشرطة كانت أدواري تتفاوت فيها بين الرئيسي والثانوي وكان أول شريط قدمته عام 1947 هو شريط «عليا وعصام» وهو أول شريط سينمائي عراقي من إخراج المخرج الفرنسي أندريه شوتان وكان دوري فيه «الشيخ نايف» بعدها مثلت في شريط «ليلى بنت العراق» عام 1949 من إخراج أحمد مرسي من مصر وكان أهم الأشرطة التي قدمتها هو شريط «سعيد أفندي» عام 1957 الذي بث في حينها في التلفاز وكنت أقوم بدور الأسكافي في الشريط وهو من إخراج كاميران حسني وفي عام 1968 أديت دور الأعمى في شريط «الجابي» ثم شريط المسألة الكبرى في شخصية «المحرر الصحفي» وآخر أشرطتي كان شريط الملك غازي ودوري كان شخصية السفير الألماني. ـ هل يمكن لنا أن نقول إن المواهب العراقية الشابة لا تستطيع اليوم أن تثبت جدارتها لأنها تبحث عن الطرق السهلة للظهور والانتشار أم ماذا ؟ ـ لا توجد شحة في المواهب العراقية لكن هناك قصوراً بسبب الظروف الراهنة القاسية والمعوقات التي لا مبرر لها خاصة الصعوبات المادية التي تواجهها الفرق المسرحية عموماً ولقد لمست هذا الأمر بنفسي وأنا مؤسس فرقة المسرح الشعبي. حالياً ليس من السهولة إنتاج عمل مسرحي لائق فربما لا يستطيع أن يسد تكاليفه وأذا كان هذا العمل جاداً وحقيقياً ربما لا تتوفر أجرة التنقلات للممثلين.. أن العراق مملوء بالمواهب والموهبين إلا أن الظروف الصعبة والقاهرة منعت ظهور الكثير من المواهب وبالرغم من اننا نعمل بالممكن فأن مستوى الفن العراقي متميز والدليل حصوله على جوائز عند مشاركته في أي مهرجان عربي. ـ ما هو رأيك بالمسرح في الوقت الحاضر؟ ـ لقد كنت مديراً لمسرح المنصور مدة 5 سنوات لم أشاهد أية مسرحية عرضت فيه بالمعنى الحقيقي للمسرح إلا مسرحيتين، ومديراً للمسرح الوطني (سنة كاملة) لم أشاهد أيضاً أية مسرحية عرضت فيه ولم أشاهد أية مسرحية تعرض برغم الدعوات الكثيرة التي أتلقاها من أبنائي الفنانين الذين يعملون فيها لأنها مسرحيات غير لائقة تعتمد على التهريج والألفاظ البذيئة ولا وجود للفن فيها فأهم شيء هو المردود المادي لهذا المسرحيات لهذا اقاطع المسرح الى أن يعود الى مجده وصورته السابقة. ـ أنت عضو في لجنة المسرح العراقي ما هو دورك في هذه اللجنة ؟ ـ صدقني لا أعلم شيئاً عنها وقد وضعوا اسمي بدون علمي وقد فوجئت به. ـ أنت فنان تقتبس الشخصية التي تؤديها مثل شخصية عبد اللّه السلمان في النسر وعيون المدينة التي بقيت عالقة في أذهان الناس كيف تستطيع أن تسيطر على الشخصية؟ ـ أحس بمسئولية كبيرة عندما أُمثل أَية شخصية ، فشخصية عبد اللّه السلمان على الرغم من إنها شخصية فضولية لكن الجمهور أحبها كثيراً وكذلك شخصيتي في برنامج «أحلى الكلام» و«مدينة القواعد» فدوري في هذين البرنامجين كان له صدى كبيراً في الوطن العربي عموماً إضافة الى المسئولية التي أشعر بها حتى الآن.. ولا بد أن أطور نفسي لكي أكون فناناً حقيقيا!! ـ حصلت على جوائز عديدة وشهادات تقديرية ماذا تمثل لك وما هو آخر شيء حصلت عليه ؟ ـ يكبر أحساسي بالمسئولية عندما أحصل على أَية جائزة أو شهادة تقديرية وأعتز بها كثيراً ومنها ما حصلت عليه هذا العام حيث تم اختياري رائداً للمسرح العربي في القاهرة في مهرجان الرواد العرب الذي أُقيم في مصر مؤخراً برعاية جامعة الدول العربية. بغداد ـ كامل عبد الله:
