كلنا نعرف الآن ان التدخين يتسبب بسرطان الرئة وان المضادات الحيوية تعالج قرحات المعدة وان التمارين الرياضية تساعد في الوقاية من امراض القلب. لكن لماذا نسلم بصحة هذه المعلومات؟ هل لان العلماء لديهم الدليل الاحصائي لاثبات كل منها. نسمع كل يوم تقريبا عن باحثين يكشفون النقاب عن معلومات جديدة تفيد في فهم نطاق عريض ومتنوع من المسائل تتراوح من اسباب الامراض القاتلة الى الطريقة المثلى لمنع جرائم الشوارع. لقد مر حين من الزمان كان فيه التعامل مع مثل هذه الاسئلة يكاد يقتصر على الحكايا والاراء. لكن الحال تغيرت الآن فلكي يخرج عقار جديد الى الاسواق على سبيل المثال، يتوجب على الشركة الدوائية المصنعة ان تثبت صحة ادعائها من خلال تجارب سريرية ضخمة تثبت ان للعقار فوائد مهمة احصائيا لقد استغرق الدليل العلمي زمنا طويلا قبل ان يحل مكان الخطاب الدوجماتي الذي ينزع للجزم بالاشياء دون الاستناد الى دليل ملموس لكن تتويج الدليل العلمي كان سيتأخر اطول من ذلك بكثير لولا عبقرية رونالد آيلم فيشر الذي اظهر كيفية استخلاص الحقائق الدامغة من محض ارقام. ورغم انه غير معروف خارج الاوساط الاكاديمية، لكن فيشر يعتبر من اكثر العلماء تأثيرا في القرن العشرين. فالتقارير عن الاكتشافات الجديدة التي تنشرها المجلات العلمية المحترمة تعتمد بشكل روتيني على مفاهيم من ابتكاره مثل «قيم بي» و «تحليل الانحراف». وفي حين ان مثل هذه التعابير الاصطلاحية ربما لم تدخل الى لغة المحادثات اليومية، لكن الاسئلة التي تستخدم تلك المفاهيم في محاولة الاجابة عليها شائعة على مختلف المستويات، ومنها: هل تتسبب الهواتف النقالة في الاصابة بالسرطان؟ اكتشافات مذهلة بعض اكتشافات فيشر تبدو مذهلة جدا لدرجة انها تبدو اقرب الى الشعوذة منها الى الرياضيات. فلقد اكتشف هذا العالم طريقة لتحويل نتائج حملات الصيد الى ارقام تقديرية لعدد اصناف الاحياء التي تعيش على الارض ولم نكتشفها بعد. وابتدع ايضا نظرية «القيمة القصوى» التي تحول سجلات الكوارث السابقة كالفيضانات او العواصف ـ الى تخمينات حول اسوأ كارثة من هذا او ذاك النوع يحتمل ان تضرب الارض خلال الف او حتى عشرة الاف سنة تالية. ولد فيشر في لندن عام 1895 لأب يعمل في بيع التحف الفنية وقد ظهرت عليه آمارات المهارة الرياضية منذ الطفولة حيث ابدى شغفا مبكرا بالاعداد، وعندما كان في سن الثالثة سأل مربيته: كم نصف الثمن وعندما اجابته قال: اذن اعتقد ان نصف الـ 1/16 هو 1/32. نجاح مهني في المدرسة انتبه المعلمون بسرعة الى ذكائه المتقد والى اعاقته البصرية التي لعبت دورا بالغ الاهمية في نجاحه المهني فلقد كان فيشر يعاني من ضعف شديد في البصر في سن المراهقة وكان عمليا اعمى بدون النظارة السميكة جدا التي يرتديها، وطبيبه كان دائما يحذره من العمل في الضوء الصناعي. وهذا اجبر فيشر على استخدام عقله اكثر من قلم الرصاص والاوراق لتصور المسائل الرياضية، وبمرور الايام ابتكر طرقا هندسية خاصة تتيح له حل المسائل التي هزمت الرياضيين من علماء الرياضيات الذين استخدموا التقنيات التقليدية. في سن التاسعة عشرة ذهب فيشر الى جامعة كامبردج متسلحا بمنحة دراسية وفهم مبكر لحقلين سوف يسهمان في صنع اسمه هما الرياضيات وعلم الاحياء وبعد ان تخرج بترتيب الاول على دفعته عام 1912 لم يجد اي متنفس واضح لمواهبه وقرر التطوع في الجيش لخدمة وطنه في الحرب العالمية الاولى، لكن طلبه رفض بعد فشله في اجتياز اختبار البصر . وهكذا ابعدته اعاقته البصرية عن حرب كان احتمال مقتله او اصابته فيها 33 بالمئة، وكانت تلك بداية لحياته العلمية الحافلة التي اثمرت عن بعض اهم النظم العلمية في القرن العشرين. تطوير الافكار عمل فيشر بداية في التدريس وكان يعكف على تطوير افكاره الاحصائية في اوقات فراغه ثم حصل في عام 1919 على عمل في محطة ابحاث زراعية في روتامستد بمقاطعة هرتفورد شاير. وهنا بدأت افكاره الاحصائية الراديكالية تؤتي ثمارها. في ذلك العصر كان العلماء يشعرون ان الاساليب الاحصائية حديثة النشأة قد تكون مفيدة في اختبار صحة نظرياتهم، لكنهم لم يكونوا قادرين على استخدام تلك الاساليب لانها كانت تحتاج الى كميات ضخمة من البيانات لكي تعطي نتائج موثوق بها وفي معظم الحالات لم يكن بحوزة العلماء هذا الكم الهائل من البيانات.شرع فيشر في العمل لايجاد طرق لاستخلاص النتائج الاكثر مصداقية في كميات قليلة من البيانات وتوصل اخيرا الى قواعد احصائية تمنح العلماء ما حلموا به منذ زمن. وتمكنهم من استخلاص اكبر كم من النتائج الموثوقة من البيانات التي بين ايديهم.وفي عصر 1925 جمع فيشر افكاره الثمينة في كتاب بعنوان «المناهج الاحصائية للعاملين في الابحاث» يعتبر الان واحدا من اكثر المؤلفات العلمية تأثيرا في القرن العشرين، اقبل العلماء بشراهة على استيعاب التقنيات الاحصائية الجديدة التي وضعها فيشر لتحليل البيانات وبالاخص تقنية «اختبار الاهمية». في سياق تحليل نتائج التجارب يحتاج الباحثون في كثير من الاحيان لان يعرفوا ما إذا كانت اي ـ خلاصة ايجابية حقيقية ام انها كانت مجرد ضربة حظ، لمساعدتهم في الحكم في ذلك ابتكر فيشر ما يعرف بقاعدة «قيمة بي» التي تحسب احتمالات ان يكون الحظ وحده كفيلا باعطاء نتائج مثيرة للاعجاب مثل النتيجة التي خلص اليها الباحثون. وهكذا فإن ارتفاع القيمة بي تحذر الباحثين من ان نتائجهم ليست مهمة. واقترح فيشر ان يكون الحد الفاصل هو قيمه 20/1 ومنذ ذلك الحين لا تؤخذ النتائج الايجابية في أي شيء، ومن تجارب الادوية الى دراسات التخاطر على محمل الجد الا اذا كانت تلك النتائج «مهمة احصائيا» اي ان «القيمة بي» فيها اقل من 20/1 . ولا تزال شركات التأمين الكبرى الى اليوم تستخدم «نظرية القيمة القصوى» التي وضعها فيشر لتقدير احتمالات تعرض منطقة معينة لكوارث طبيعية مهولة في المستقبل القريب والبعيد. وسيظل العلماء والباحثون مدينين له في كل اكتشاف جديد يتم عن طريق التجارب وتحليل البيانات. علي محمد

