قبل عامين من الآن، بدأت جماعة من اعضاء جمعية المريخ الامريكية بناء قاعة معيشة يفترض انها فضائية، عرفت باسم محطة ابحاث المريخ القطبية، لكن هذه المحطة ليست على المريخ بطبيعة الحال، وانما هي تقع في جزيرة كورنواليز ضمن مقاطعة نونافوت الكندية، التي لا تبعد عن القطب الشمالي للارض سوى 1500 كيلومتر، وتتكون من صحراء قطبية غير مأهولة في المحيط القطبي الشمالي. المكان غير بعيد عن جزيرة ديفون التي يقصدها الباحثون كل صيف لدراسة فوهة هوتون التي نجمت عن ارتطام نيزك بالمكان قبل 23 مليون عام وسط الجزيرة، والآن يستخدمون المكان لتعلم المزيد عن امكانية العيش على سطح المريخ. ومع اطلالة يوليو الماضي، وصلت للمكان طلائع رواد الفضاء المفترضين ليمضوا اشهر الصيف، وهم يتصرفون وكأنهم يعيشون على المريخ، حيث يرتدون البزات الفضائية، ويستطلعون التضاريس فوق عربات المريخ. وسيفعل هؤلاء الشيء نفسه في الصيف المقبل والذي بعده، وفي النهاية، يعتقدون انهم سيتمكنون من ارساء القواعد لاكبر المغامرات التي عرضناها وسنعرضها مستقبلا الا وهي الهبوط على سطح المريخ. والسبب في اختياره لاجراء هذه التجارب والتدريبات هو ان تضاريسها ومناخها هما الاقرب في كل بقاع الارض، لتضاريس ومناخ الكوكب الاحمر، فهي ارض قاحلة وصخرية وباردة دوما، كما ان التجاور بين الصحاري القطبية والفوهات امر شائع في المريخ، فيما هو امر فريد على الارض، فالركام الذي لا زال باقيا في موقع الارتطام محفوف بالجليد على الارض، كما ستكون عليه الحال تماما على المريخ، وللوهلة الاولى يبدو المكان وكأنه فارغ من الحياة تماما. يبلغ عمق الفوهة الاصلية التي احدثها ارتطام النيزك 3 كيلومترات وقطرها 10 كيلومترات ثم اخذت جدران الفوهة بالانهيار تدريجيا بعد ذلك لتردمها مقللة عمقها وموسعة من قطرها ويعتقد العلماء ان الحادث قد مسح الحياة نهائيا حين وقوعه عن وجه امريكا الشمالية. يقول شارل فرانكل وهو جيولوجي فرنسي وكاتب علمي امضى اسبوعا في الموقع: ان التضاريس داخل الفوهة تمثل شكلا نموذجيا لتلك التي على المريخ فهناك تعرضت القشرة المريخية لضربات عديدة من النيازك. اما باسكال لي وهو كبير المستكشفين في جزيرة ديفون فيقول: «الارض شبيهة جدا بالمريخ هنا طبعا، الصحراء القطبية هنا ليست باردة بالقدر الذي ستكون عليه صحراء المريخ، كما انها ليست على القدر نفسه من الجفاف وهبوب الريح فوقها، كذلك تختلف الجاذبية والضغط الجوي كما ان مستوى الاشعة فوق البنفسجية اقل بثمانية ملايين مرة عما هي هناك، الا ان مانفعله هنا انما هو خطوة اخرى تقريبا من المريخ». وهذا هو فعلا الدور الذي تقوم به قاعة المعيشة المريخية فبينتها وهي تنتصب على حافة الفوهة تماثل مركبة هبوط فوق المريخ، كما انها بالحجم والشكل المناسب تماما لتوضع على قمة صاروخ، وبغض النظر عن كونها مبنية من الزجاج الليفي، فانها اقرب ما تكون الى البنى الاولى التي سيبنيها البشر على المريخ اذا ماقدر لهم الوصول اليه. والقاعة هي من افكار لي وهو عالم جيولوجي يترأس معهد إس اي تي آي ذي التمويل الخاص في كاليفورنيا وظل يتردد على الفوهة ومحيطها منذ عام 1996 محاولا قراءة ما يمكن لصخورها ان تشي به من معلومات عن سطح المريخ. وقبل اربع سنوات، التقى روبرت زوبرين رئيس جمعية المريخ واقترح عليه بناء القاعة والشروع في التجارب بشكل يحاكي قاعدة بشرية على المريخ في جزيرة ديفون ولزوبرين سمعة واسعة في امريكا باعتباره من المتحمسين جدا لاستكشاف المريخ، بل ان الجمعية وجدت اصلا لممارسة الضغط على الحكومة الامريكية ودفعها نحو استعمار الكوكب الاحمر واختارت الجمعية لها علما يمثل بالوانه تحول المريخ من كتلة متينة من الصخور، الى فردوس من الغابات والمحيطات. وطوال اسابيع ستة هذا الصيف كانت القاعة المريخية المفترضة مأوى لطاقم من الرواد المفترضين الذين عاشوا وتصرفوا وكأنهم على المريخ تحت توجيهات مركز أميس للابحاث التابع لناسا في كاليفورنيا، وكانوا يخططون وينفذون المهمات المريخية ويرسلون ربورطات استطلاع ويجمعون العينات ويستطلعون التضاريس وكل ذلك تحت ظروف شبيهة بظروف المريخ. بل انهم صلبوا حتى اتصالاتهم مع مركز اميس تتأخر ست دقائق حتى تصل لتحاكي المسافة التي تستغرقها الاشارات الرادوية للوصول من المريخ للارض. الدخول والخروج من والى القاعة كان يتم عبر فوهة تحتبس الهواء بالشكل الذي هي عليه في الفضاء ولا يمكن الخروج منها الا ببزات الفضاء التي صنفها لهم متطوعو جمعية المريخ. يقول لي انها بزات غير حقيقية لكنها واقعية تماما فهي تقيد حواس مرتديها ومعقدة لارتدائها، وهناك قائمة من الاختبارات التي لابد من اجرائها قبل الخروج بالبزة خارجا والتي تستغرق نصف ساعة. ويضيف ضاحكا: قد يكون امامنا 50 عاما اخرى من التجارب هنا قبل ان نصبح مستعدين اننا نستعد لرحلة الى مريخ مأهول وحينها قد آتي الى هنا على مقعد ذي عجلات ان كانت لي بقية من العمر.