بيان الكتب: ما أشبه الليلة بالبارحة.. هذه هي المحصلة النهائية التي يمكن ان تخرج بها من كتاب نور الدين مصالحة (اسرائيل الكبرى والفلسطينيون.. سياسة التوسع 1967 ـ 2000) فما تمارسه اسرائيل وفق السياق الذي يورده الكتاب من توسع واحلال لشعب محل اخر في الفترة محل الدراسة، ليس سوى نفس ممارسة الجماعات اليهودية المسلحة قبل قيام اسرائيل في 48 ومارسه في الماضي البعيد او غير البعيد الاسبان في الأندلس مما أدى الى سقوطها ومحو اية صفة عربية او اسلامية عنها! الغريب والمؤسف ان الأمور لا تشير الى اي استفادة عربية مما حدث ويكاد ان يكون الواقع العربي المخزي هو نفسه في كل الحالات.. ونخشى ان نقول ان النتيجة في النهاية في حالتنا التي نعيشها ولم تختتم فصولها بعد تشير الى النتائج السابقة نفسها. وبخبرة دارس ومتخصص يعرض الدكتور نور الدين مصالحة في كتابه تاريخ سياسات اسرائيل التوسعية مركزا على الفترة من حرب يونيو 1967 حتى الوقت الحاضر ويكشف ان النزعة التوسعية في اسرائيل تشمل كل القوى السياسية من اليسار الى اليمين حتى أنه في سياق تناول الكاتب لموضوعه على مدى فصول الكتاب الخمسة تشعر بالتداخل بدرجة تتضاءل معها القيمة العلمية لمحاولة التمييز بين مواقف مختلف القوى السياسية في اسرائيل. ويأتي الكتاب استكمالاً لكتابين سابقين للمؤلف تناول فيهما الموضوع نفسه.. الاول هو طرد الفلسطينيين.. مفهوم الترانسفير في الفكر والتخطيط الصهيوني 1948 ـ 1982 ثم كتاب ارض اكثر عرب اقل.. سياسة الترانسفير الاسرائيلية في التطبيق 1949 ـ 1996. واذا كان الكاتب ناقش في كتابيه السابقين مفهوم وسياسات الترحيل فإنه يطور تناوله في هذا الكتاب بالتركيز على مفهوم ارض اسرائيل الكبرى ومحاولة شرح مفاهيم ودوافع التوسع الاقليمي الاسرائيلي مع مناقشة تطور المواقف اليهودية تجاه الفلسطينيين والاحتمالات الفعلية للتوسع الاقليمي الاقصى ضمن القيود المحلية والاقليمية والدولية. وينطلق اختيار الكاتب لفترة دراسته من دلالة حرب 67 التي كانت بحق بمثابة هزة اقليمية في الشرق الاوسط حولت اسرائيل بين عشية وضحاها من دولة يهودية اثنية تسيطر على منطقة صغيرة الى امبراطورية مصغرة فعليا واصبحت تسيطر فجأة على 90 الف كيلو متر بدلا من الـ 20 الف كيلومتر التي كانت تحتفظ بها قبل الحرب فكانت جيوشها تطوق الضفة الشرقية لقناة السويس المصرية بالخناق وكانت تبعد عن عمان 45 كيلومتراً وعن دمشق 50 كيلومتراً وعن القاهرة 100 كيلومتر! وازاء الواقع الجديد الذي تمثل في التعامل مع منطقة آهلة كليا بغير اليهود وهو ما يمثل مشكلة ديمغرافية تغيرت معها أشكال الترحيل مشيرا الى ان استخدام القوة والاكراه شكلا عنصرين مهمين في سياسة اسرائيل تجاه الفلسطينيين في مرحلة ما بعد 67 ودشنت فرق الدفاع التي مكنتها من طرد السكان وترحيلهم من قراهم ومدنهم. ومن خلال خمسة فصول يحاول الكاتب ان يقدم موضوعه مقدما ما يسميه طيفا من الاراء والمقترحات والخطط التي طرحها اليمين الاسرائيلي منذ 67 حتى وقتنا الحاضر. ويتناول في الفصل الاول افكار حركة اسرائيل الكاملة وفي الثاني الصهيونية التصحيحية والليكود والثالث جوش ايمونيم والاصوليين الدينيين وفي الرابع احزاب اليمين المتطرف وحركاته ثم يعرض في الفصل الخامس تطور المواقف العامة اليهودية في اسرائيل منذ 67. وبشكل عام وبعيدا عن التمايزات الدقيقة التي يعرض لها الكتاب حول التصورات المختلفة بشأن الاطار الجغرافي لاسرائيل الكبرى فإن مواقف هذه القوى تتراوح ما بين القبول بأرض فلسطين الكاملة والتي تشمل الضفتين الشرقية والغربية لنهر الاردن وبين الذهاب الى انها تمثل المقولة المعروفة للجميع من أنها تمتد من النيل الى الفرات وهنا تختلف الرؤى بشأن المناطق التي يجب ضمها لإسرائيل. ويشار هنا الى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق مناحم بيجين كان يعتبر الضفة الشرقية لنهر الاردن ضمن الاراضي الاسرائيلية لذلك كان الوحيد من بين رؤساء وزراء اسرائيل الذي لم يلتق الملك حسين! فيما يذهب شارون مثلا الى ان الاردن هي فلسطين. اما حركة هتحيا فقد تأسست في الاصل احتجاجا على اتفاقية كامب ديفيد التي قضت بإعادة سيناء الى مصر باعتبار انها جزء من ارض اسرائيل. فيما يذهب اخرون الى ضرورة ضم أجزاء من لبنان ودمشق وتدمر السورية! وبغض النظر عن التباين في تصور حدود دولة اسرائيل فإن كافة هذه التيارات تتفق على ضرورة تحقيق مفهوم اسرائيل الكبرى كل في الحدود التي يراها وهو ما يقتضي نفي وجود الشعب الفلسطيني الموجود على هذه الارض.. وهنا تتعدد السيناريوهات وان المساحة بين البحر الابيض المتوسط ونهر الاردن هي الحد الادنى المتعذر انقاصه لتحقيق هدف الصهيونية. والغريب ان هذه الرؤى تقدم على اساس (الحقيقة التوراتية) وحسبما يقول المؤلف لقد سار بناء الوطن اليهودي والتوسع الاستيطاني الدائم والطموحات الاقليمية يدا بيد مع الاستعمال الناجع للاساطير والخرافات والملاحم التوراتية رغم ان الجهود الجبارة لأجيال كثيرة من العلماء لم تستطع ان توجد تلاق بين الروايات التوراتية والحقائق التاريخية!. بل ان عالم الاثار الاسرائيلي زئيف هيرتسوج اشار الى ان المكتشفات الاثرية تناقض الصورة التوراتية تناقضا صارخا. ويدهشك في عرض الكتاب للرؤى الاسرائيلية كم المغالطات والتصورات الاسرائيلية الخاطئة سواء عن عمد او عن قناعة حقيقية بشأن الفلسطينيين.. فالشعب الفلسطيني جالية عربية تصادف انها تسكن في ارض اسرائيل وهذا بالتالي لا يعطيها الحق في الاستمرار فيها وها هو حاخام يدعى شلومو افنير يدعو الى ما يسميه رحيل اللصوص العرب وهو يبرر لنفسه ولغيره من اليهود ذلك بمنطق مغلوط فيقول: رجل دخل منزل جاره دون استئذان وسكن فيه عدة أعوام وعندما عاد صاحب البيت الاساسي زعم انه يقيم فيه منذ عدة اعوام.. مضيفا ان هذا لا يبرر السرقة.. سرقة البيت! مستندا في ذلك الى ان فلسطين هي ارض اليهود منذ ثلاثة الاف سنة!! واستمرارا في منطق المغالطات يحرص الاسرائيليون على اطلاق تسمية استرداد على عمليات الاستيلاء على الاراضي المحتلة وفي هذا يزعم احدهم ان هناك تحريم في التوراة يمنع التخلي عن بوصة واحدة من ارضنا المحررة.. نحن لا نحتل ارضا عربية.. نحن نعود الى ارضنا!! بل ان عالما يهوديا امريكيا راح يشير الى ان مقطعا شعريا من نشيد الأناشيد التوراتي يؤيد الاستيلاء على الجنوب اللبناني. وانطلاقا من هذه المغالطات فإن الحل يجب ان يتجه الى الترحيل تحقيقا لدولة اثنية عنصرها الوحيد هو اليهود والحيلولة دون انشاء دولة ثنائية القومية.. ولا يوجد في هذا المجال شيء لا خلقي حتى ان الكثيرين من أنصار الافكار المتطرفة يدعون الى استغلال اية فرصة حرب لتحقيق هدف الترحيل وهنا يلوم البعض القيادة الاسرائيلية على أنها لم تستغل حرب 67 وتنفذ مخطط التهجير الجماعي لعرب 48 فيما يذهب البعض الاخر الى ان حرب الخليج كانت بمثابة فرصة لتنفيذ مثل هذا المخطط الى جانب ذلك هناك تصورات متعددة بشأن سبل تحقيق الترحيل فهناك هدف الترحيل الواضح والترحيل الكامل (موليدت) والترحيل المستمر والترحيل الجزئي لهتحيا وتسومت وحسب ليفنه وشيلواح من حركة اسرائيل الكاملة فإن الجسور على نهر الاردن يجب ان تفتح باتجاه واحد فقط هو الخروج! وحتى يكون الامر اخف وطأة على العرب ويسهل قبوله فإنه يتم اطلاق تعبير التبادل السكاني. وقد وصلت سيطرة هذا الطرح على بعض التيارات الى حد طرح مشروعات شبه متكاملة لتحقيق افكارها.. فهناك فريق اقترح دفع ما اعتبره تعويضا للاسر الفلسطينية عن الترحيل واختلفت المبالغ التي طرحها اعضاء هذا الفريق فبعضهم رأى ان مبلغ 5 الاف درهم تكفي للعائلة الواحدة وبعضهم رأى ضرورة ان يكون المبلغ 20 الف دولار. ورغم ان الأمر كان يعد من القضايا التي يتم طرحها في الخفاء الا أنها بدأت تأخذ الشكل العلني الواضح خلال حقبة الثمانينيات وكان شارون من بين أقوى من في المراتب العليا الذين شجعوا النقاش العلني لحل الترحيل ضمن اطار اسرائيل الكبرى غير انه طالب فيما بعد بالكف عن الحديث عن الترحيل والانتقال بدلا من ذلك الى وضعه موضع التنفيذ. وهو ما أسفر عن السياسة التي اعتمدها الليكود بعد ذلك وتمثلت في تطبيق معادلة الضم الواقعي الزاحف الذي يمكن اسرائيل من استيطان الارض بينما يتم حصر السكان الفلسطينيين في جيوب تضيق باستمرار والبحث في الوقت نفسه عن طريقة لترحيل السكان. وقد تنامى الشعور بضرورة طرد العرب الى حد ان الداخلية الاسرائيلية منحت في 1989 شهادة موافقة على تسجيل منظمة تطوعية (عاموتاه) هدفها الوحيد هو ترحيل العرب من اسرائيل والاراضي المحتلة. ويشير الى هاجس القنبلة الديمغرافية وسيطرة فكرة اسرائيل الكبرى المقولة التي ينقلها البعض عن جولدا مائير والتي كانت تشير فيها الى ان خوفها يزداد عندما تستيقظ كل صباح وتسمع ان طفلا عربيا آخر ولد في اسرائيل. كما ان البعض أخذ يطرح رؤى تخيلية فقد تصور احدهم رسالة له سنة 2005 وراح يقول فيها: مضت ثلاثة اعوام عندما تم ترحيل العرب من على جانبي الخط الاخضر.. انه الان شيء من الماضي..! اما المتطرف مائير كاهانا الذي تم اغتياله في نيويورك فقد وصل به الهوس الى حد انه كان يبعث برسائل للفلسطينيين يهددهم فيها بضرورة الرحيل والا فإنه سيتم وضعهم في شاحنات وارسالهم عبر جسر اللنبي وقد وضع في هذا الصدد كتاب تحت عنوانthey must go في حين راح احد المتطرفين يقول ان الفلسطينيين يجب ان يسحبوا بأطراف احاليلهم ويعلقوا بها. وفي معرض تبريرهم لعمليات الترحيل وجعلها مقبولة يستدعى اصحاب هذه الرؤى حالات تاريخية وقعت لتعزيز موقفهم فيشيرون الى ان بولندا فرغت مقاطعة سيلزيا من نحو عشرة ملايين الماني عاشوا على هذه الاراضي عشرات الاجيال وكذلك فإن تشيكوسلوفاكيا اصدرت اوامرها لمليوني الماني كانوا يعيشون في اقليم السوديت بترك منازلهم خلال شهر. كما يستشهدون بحالات طرد نحو مليوني مجري من رومانيا. وفي محاولة للتخفيف من التخوفات من أي رد فعل دولي او حتى اقليمي تتساءل متطرفة يهودية تدعى شيم اور (صحافية بولندية في الاصل) ماذا سيفعل الامريكيون اذا نفذنا الترحيل؟ في أسوأ حال سيرسلون جيشا وحتى هذا لا اعتقد انه سيحدث وفي النهاية سيذعن العرب. غير ان المؤلف يشير في النهاية الى ان تطورات القضية الفلسطينية والدخول في اتفاقات اوسلو جعل قطاعات من الرأي العام الاسرائيلي تدرك ان الوضع سيؤول في النهاية الى اقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة وهو ما يخفف من حدة الازمة ويحد من التيارات الساعية للترحيل.. واذا كان ذلك صحيحا فإن التفاعلات الجارية الان على صعيد الانتفاضة افرزت المزيد من التطورات التي لاشك انها قد تزيد من قوة التيارات الداعية الى الترحيل وهو ما يطرح السؤال ماذا نحن فاعلون كعرب؟! سؤال يبدو انه سيظل دون جواب! مصطفى عبدالرازق