بيان الكتب: وضع «روجيه لكوييه»، أستاذ علم نفس النمو في معهد علم النفس، جامعة باريس الخامسة «رينيه ديكارت»، ضمن كتابه «الذكاء عند الطفل الرضيع» خلاصة المعارف التي أنجزت خلال السنوات العشرين الأخيرة حول الطفل الرضيع، مع مراعاة ان يستفيد منه الآباء والمربون المحترفون غير الاختصاصيين. وجاءت عناوين موضوعات الكتاب كلها على شكل أسئلة. فتحت عنوان «هل الرضيع ذكي؟»، يقول المؤلف، مستعرضاً بعض مفاهيم الذكاء: الذكاء هو أن تكون هناك كفاءات فردية، بغض النظر عن المعارف «كلمة ذكي لا تعني بالضرورة العارف او العالم»، أي كفاءات لها صفة الاستمرار خلال الحياة، وهي مسئولة الى حد كبير عن النجاح المدرسي. [...]، والذكاء، وفقاً لمفهوم آخر، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعرفة: تنظيم هذه المعرفة. اذن، يمكن القول بوجود مستويات للذكاء، اي مستويات تنظيم معارف، ولكن، من الممكن، انطلاقاً من أحد مستويات التنظيم المعرفي، فهم ظواهر جديدة ومجهولة. وبذلك، لا انفصام بين الذكاء والمعارف. [...] ان النجاح المدرسي مرتبط جزئياً بالذكاء، لأن هذا السياق يتطلب تنظيماً للمعارف، ولكن قد نرغب في تنظيم معارف غير مدرسية [...] إذن، يمكن ان ننظر الى الرضيع على أنه ذكي منذ ان يبدو قادراً على إنجاز شكل أدنى من أشكال تنظيم المعارف، أي القدرة على إيجاد علاقة ما بين الأشياء، مثلاً، كأن يعرف، بطريقة ما، أن «هذا مشابه، وهذا مختلف». إن حديثي الولادة قادرون على ذلك، اذ ينظرون، لفترات زمنية متضائلة الى الأشياء المألوفة لهم (هذا مشابه) ومتنامية الى تلك الجديدة (هذا مختلف). ويظهر الأجنة ايضا قدرة على القيام بالشيء نفسه، سمعياً لا بصرياً. اذن، يمكن القول ان الأجنة أذكياء. «هل يرى الوليد؟». يجيب المؤلف قائلاً: هناك اسطورة يعززها بعض خبراء النفس ومفادها ان الوليد لا يرى بوضوح الا على مسافة 40 سنتمتراً، وبعدها يصبح كل شيء ضبابياً بالنسبة له. الا ان المعطيات العصبية ـ التشريحية تفيد بأن الوليد يرى، لكن أداءاته البصرية ليست ممتازة، وأن شبكيته، وباحاته الابصارية الدماغية، تنضج سريعاً جداً، بحيث تصبح قدراته العينية في سن 4 أشهر أقرب الى مثيلاتها عند الراشد قياساً مع قدرات الوليد العينية، وأن حدة بصره، بشكل خاص، ضعيفة جداً، وأقل حدة من بصر الراشد بـ 60 مرة. اذن، فهو لا يرى التفاصيل الدقيقة، ويهتم بشكل خاص بمناطق التضاد القوي فيما يرى. ويبدو ان الضوء، خلال الساعات الاولى بعد الولادة، يشوش حركات عينيه. وحين نضعه في جو معتم، يبدأ بمسح محيطه بعينيه مسحاً هادئاً، منقلاً النظر هنا وهناك. وفي المكان المضاء، يبحث عن تضادات الخطوط ويتعقبها بعينيه. [...] وعلى الرغم من أداءاته العينية والبصرية المحدودة، فإنها تمكنه من ان يلاحق الأشياء المتحركة (بسرعة مناسبة) بعينيه، وان يميز بين كرة ومكعب (إذا كان حجماهما كافياً)، وأن يميز أمه عن امرأة اخرى. وتتطلب هذه الأداءات كلها، والكثير غيرها، منذ الولادة، تنظيماً ادراكياً مهماً منذ وقت سابق، وهذا ما لم يكن الباحثون يتجرأون على افتراضه طيلة سنوات. وحول السؤالين «هل يسمع الجنين؟» و«هل لديه ذاكرة؟»، يفيدنا المؤلف قائلاً: تؤكد جميع النساء الحوامل ان الجنين يسمع، اذ يستجيب، بعد الشهر السابع من الحمل بقليل، للأصوات العنيفة، وتكون استجابته قوية احياناً. وبعد القياسات الأولية التي أجراها الاختصاصيون، بوضع ميكروفون داخل الرحم (عقب سقوط الغشاء المشيمي)، ذكروا ان الأجنة تبدو وكأنها تعيش بين خط سكة حديدية وطريق اوتوستراد، عند محور مهبط مطار تحديداً، ولكن لما كان الجنين أفضل تحملاً لأصوات قلب الأم ورئتيها وأحشائها، لاحظوا ان ضجيج الرحم الذي يسمعه هو أشبه بأصوات الآلات. [...] ويفضل الجنين الأصوات الخفيضة والحادة على سواها، غير أن الصوت الأكثر سمعاً بالنسبة له هو صوت أمه، الذي لا ينتقل عبر الهواء فقط، بل أيضاً عبر الأنسجة والعظام، التي تعتبر نواقل صوتية جيدة جداً. وفيما يتعلق بذاكرة الجنين، يقول المؤلف: من الواضح ان للجنين ذاكرة، وأنه يستخدمها. ودليل ذلك ان حديثي الولادة يفضلون الصوت الذي يعرفونه على أي صوت آخر: صوت الأم، الذي امكنهم ان يسمعوه ضمن أفضل شروط الانتقال. وبالطريقة نفسها، يفضلون اللغة الام على أية لغة أخرى.ويقول المؤلف في إجابته عن سؤال «هل من المهم ان يكون الرضيع نشيطاً؟»: تتطلب مجتمعات اليوم من الإنسان أن يكون مفعماً بالحيوية والنشاط والحماس منذ مرحلة الرضيع [...] وتولي علوم التربية الحديثة اهتماما بارزاً للفعالية والنشاط عند الطفل منذ هذه المرحلة. الا ان الرضيع يبقى عاجزاً عن القيام بأي نشاط فعال يترك أثراً في بيئته حتى نضوج قدرته على التنسيق بين يديه وعينيه. وهذا لا يعني أنه غير ذكي او انه لا يستطيع فهم أي شيء قبل ذلك، مثلما كان معتقداً فيما مضى لزمن طويل [...] حينما نرى طفلاً من سن السنة يتعامل مع الأشياء، فيعالجها، ويحركها، ويقلبها، لا نكتفي بالقول فقط إنه منهمك بأعمال يدوية، بل يجب ان نقول أيضا إنه في حالة تفكير عميق حول الخاصيات الجوهرية والعلائقية للمادة، حول الأسباب والنتائج. [...] ان لدى الرضيع معارف وكفاءات فطرية، وتشهد مقدراته تطورات مهمة خلال الأشهر الخمسة الاولى من الحياة. [...] ويتعلم الأشياء بطريقتين فاعلتين. اولا الاعتياد: ينظر الى الشيء الذي يثير اهتمامه، فيستنفر انتباهه، ثم يكف عن النظر اليه بعد ان يعتاد عليه. وثانياً الاشراط: في البداية، يؤثر الرضيع لاشعورياً على والديه، ثم يكتشف العلاقة السببية بين أفعاله ونتائجها. ولما كان حينذاك غير قادر على التأثير على بيئته المادية، فإنه يمارس تأثيره على بيئته الاجتماعية، ويتحقق من نتائج افعاله ايضا... وفي جميع الأحوال، النشاط ضروري للمعرفة وتطور المعارف. ويجيب «ليكوييه» على السؤال «هل الانشغال بالرضيع يفسده؟» قائلاً: هذا ما تؤكده جداتنا من جهة، وعالم النفس الأمريكي الشهير «سكينر» من جهة اخرى. فالجدات يقلن انه اذا ما رحنا نحتضن الرضيع كلما بكى، سنجده دائماً يبكي كي نحتضنه، وسنتعرض بحمله المستمر لمشكلات الفقرات القطنية، وسنعلمه ايضا انه يستطيع الحصول على كل ما يريد، وتزداد طلباته بالتدريج، وسيتصرف بالطريقة نفسها مع الجميع، ولن يتهيأ بذلك لمواجهة قوانين الحياة القاسية التي لا تقر أن بالامكان الحصول على كل ما نريد فوراً، وهكذا نصنع منه شخصاً غير متكيف اجتماعياً، متأهبا للجنوح، وجلادا بيتيا في المستقبل... أما «سكينر» فيرى انه كلما كان السلوك معززا (بالطعام او بأي وضع محبب) ازداد احتمال ظهوره مرة أخرى. إذن اذا ما استمتع الرضيع باحتضاننا له بعد ان يبكي، عاد الى البكاء كي نحتضنه. خطأ، يرد «ليكوييه» [...] فقد أظهرت دراسات حديثة ان الرضع الذين تحتضنهم امهاتهم عند البكاء خلال الأشهر الاولى من الحياة يصبحون اقل بكاء خلال الاشهر الأخيرة من عامهم الاول، بالقياس مع أندادهم الذين لا يتمتعون بهذا الاحتضان. ويبدو من المرجح ان الرضيع الباكي يستطيع انتظار اهتمام والديه به بصورة مشروعة، والا مال الى اليأس منهما ومن كل الناس. [...] ولا يعني ذلك ان نظرة جداتنا التربوية تخلو من الأهمية، إذ يمكن ان يتحول الرضيع الذي يستجيب الابوان لطلباته في كل شيء الى شخص يصعب تحمله... المسألة هي مسألة توازن بين التفهم والعبودية. ويقول «ليكوييه» في رده على سؤال «في أي سن يميز الرضيع والديه؟»: [...] كان معتقدا لزمن طويل ان قدرة الرضيع في تمييز والديه عن الآخرين لا تظهر الا في وقت متأخر (أي نحو الشهر الثامن)، خصوصا وأنه لا يتحمل في هذه السن الانفصال عن الأشخاص المألوفين في محيطه، ويخاف ممن لا يعرفهم [...] الا أن الباحثين الامريكيين اثبتوا أن الوليد، من عمر بضع ساعات، قادر على تمييز امه بالرائحة، وأن الشم، هذا النمط الحسي الذي غالباً ما يوصف بأنه «بدائي»، يؤدي دورا خاصا في السيرورة العاطفية والتمييز عند الانسان، وأنه اول وسيلة يستخدمها الرضيع لتمييز امه عن الأخريات، وأن لرائحة الأم تأثيرا مهدئا عليه. ولاحظ الباحثون أيضا أن الرضيع لا يفضل صوت أمه على صوت اية امرأة اخرى فقط، بل على صوت أبيه أيضا، وعزوا ذلك الى سماع صوت الأم وتآلفه معه منذ الحياة الرحمية، [...] وأنه قادر على تمييز أمه بالرؤية منذ سن 48 ساعة، شرط أن يكون قد أمضى عدة ساعات متواصلة متنبها بجانبها خلال هذين اليومين... وحول سؤال «ماذا يعرف الرضيع عن ذاته؟» يقول «ليكوييه»: [...] الرضيع قادر على تمييز ذاته عن الآخرين... وفضلا عن الذات البيئوية (أنا ادرك حدود جسدي)، والذات الاجتماعية (أنا أحدد موضعي في علاقاتي مع الآخرين)، ربما كان لدى الرضيع ما يسمى بالذات التأملية، اي الوعي بما يكونه والموقع الذي يشغله في منظومة العلاقات. وهناك واقعتان تظهران بوضوح وجود شكل اولي من اشكال معرفة الذات لدى الرضع من عمر بضعة ايام. اولاهما هي ما يسمى بالبلوغ اليدوي المبكر: اذا وقع شيء في متناول يد الرضيع من عمر بضعة ايام، حاول ان يمسكه (معدل النجاح ضعيف جدا)، ولكن اذا وقع بعيدا بشكل ملموس عن متناول يده، لم يبذل اية محاولة كي يمسكه (في معظم الحالات على الأقل). اذن، لدى الرضيع شيء من المعرفة بإمكانات ذراعه، والثانية هي التقليد الوليدي: إذا مد شخص لسانه امام طفل رضيع من عمر بضعة ايام، فإن هذا الرضيع سيقلده ويمد لسانه. ويدفعنا ذلك الى الافتراض بأن الرضيع يقيم شيئا من المطابقة بين أجزاء جسمه والأجزاء المماثلة لدى الشخص الآخر. وفي وقت لاحق، تزداد معرفة الذات هذه دقة ووضوحاً... ويجيب المؤلف عن سؤال «ما هي اللعب الاكثر اثارة لاهتمام الرضيع الأصغر سناً؟» بقوله: انحصر خيال صانعي لعب الرضع الاصغر سنا لزمن طويل في تلك «الخشخيشة» الشهيرة التي تصدر اصواتا كلما حركها الصغير، ولكن التي اذا ما سقطت من يده عجز عن التقاطها ثانية، ثم صنعوا تشكيلة اخرى من اللعب اخذوا فيها بالحسبان ما يسمى التنبه الحسي عند الرضيع [...] مع ذلك، وانطلاقاً مما نعرفه عن قدرات الرضيع المحدودة خلال الاشهر الاولى من الحياة، نطرح السؤال بطريقة اخرى: ما هي صفات اللعبة المناسبة لرضيع هذه السن، التي تثير انتباهه، واهتمامه، وتنبهه، وتدفعه الى تفحصها عندما تكون في متناول يديه، ويستطيع ممارسة تأثير ما عليها؟ [...] في الواقع، هذه اللعبة يجب ان تكون متحركة، وغير متماثلة الشكل، وتطلق أصواتاً نغمية، شبيهة بأصوات الكلام، ويمكن لمسها وجسها، وذات رائحة منعشة. ويجب ان تكون سهلة المسك والمعالجة كلما رغب فيها الطفل او تضايق، رغم قدراته الحركية المحدودة. ومن الأنسب ايضا ان تظهر تحت ناظريه او حتى ان تغيب عنه وفقاً للظروف او على سبيل اللعب، واذا استطاعت هذه «اللعبة التربوية» ان تساعده في تعلم اللغة، فستكون لعبة لا تشكو من أي عيب. لم يبع أحد هذه اللعبة التقانية في أي مكان، غير أنها موجودة. انها تقريباً اللعبة الوحيدة المتوفرة لدى الأطفال الأفارقة طيلة حياتهم الرضيعية، وربما امكننا القول ان نموهم متقدم على نمو أندادهم الغربيين. هذه اللعبة تسمى الكائن البشري، المتمثل في الأم، والأب، والإخوة والأخوات، القريبين من الصغير، فيلاعبونه، ويتحدثون اليه، ويداعبونه، ويغنون له، ويساعدونه... لاشك ان اللعب الاخرى غير مؤذية، وكلما كبر ونما زادت هذه الألعاب الرائعة نشاطاته الفكرية ثراء وتنوعا، ولكن تبقى «اللعبة» البشرية هي الأكثر سحراً وروعة وفاعلية خلال الأشهر الأولى من حياة الرضيع... وفي اجابته عن السؤال «كيف يتعلم الرضيع الكلام؟» يقول «ليكوييه»: [...] كان من المعتقد فيما مضى ان الرضيع يكتسب اللغة من خلال تقليد الكبار ليس اكثر. في الواقع، الوسط البشري هو شرط ضروري لهذا الاكتساب. ولكن تبين للباحثين ان التقليد لا يمكن ان يكون كافياً لهذا الاكتساب، وان حديثي الولادة يبدون مبرمجين مسبقاً لتعلم اللغة. ومن جهة، يبدو ان الرضيع ينظم أصوات الكلام كالكبار، وأنه ينتج، عندما يبدأ بالثغثغة، كل الأصوات المتاحة في جميع اللغات من جهة اخرى. [...] اخيراً، ان ما يبدو اكثر تعقيداً في اكتساب اللغة هو قواعدها. من المؤكد ان الرضع لا يتكلمون بالسرعة نفسها تكلم منظري القواعد، لكنهم يكتسبون قواعد النحو الاساسية بسرعة حيرت المنظرين. ويبدو ان هناك اساسا فطريا يفسر لياقة تنظيم الكلمات هذه، ولكن يظهر من خلال التحليل الدقيق لبنية الألعاب المتبادلة بين الآباء والأطفال، والمترافقة بلفظ الكلام وأصواته، ان في ذلك شيئاً من النحو الذي يمكن ان يساعد الطفل في اكتساب اللغة... ويجيب المؤلف عن سؤال «هل الرضيع حساس إزاء الروائح؟» قائلاً: [...] يمكننا التأكيد بأنه حساس ازاء الروائح. ومن المعروف منذ أكثر من عشرين سنة ان الطفل الرضيع قادر على تمييز قطعة قماش مبللة برائحة جسد الأم عن رائحة قطعة مبللة بجسد امرأة اخرى [...] الأجنة هي ايضا حساسة ازاء الروائح. ومنذ سن ستة أشهر من الحمل، او قبل ذلك بقليل، يكون الجهاز الشمي لدى الجنين كافي النضج. وأظهرت التجارب ان خدج هذه السن يتأثرون برائحة النعنع. وتثير مختلف المواد التي تنبعث منها روائح تغيرات في الإيقاع التنفسي والنظم القلبي لدى حديثي الولادة. وخلال الأشهر الاولى من الحياة، تكون الاناث اكثر حساسية ازاء الروائح من الذكور، وأفضل تمييزا بين رائحة وأخرى. من جانب اخر، يبدو ان لرائحة الأم دوراً مهدئاً للرضيع، ويمكنها مساعدته على النوم. غصون عمار