مع ان دبلن هي عاصمة ايرلندا، الا ان الايرلنديين يقولون ان مدينة دونجال هي منبع الروح الايرلندية وحافظتها. فهذه المدينة الصغيرة جزء من اقليم حبالتاكت الذي مازال اهله يتحدثون اللغة الايرلندية القديمة، التي كان يتحدثها الاسلاف المؤسسون لهذا الشعب وهذه البلاد حيث تحتل المرتبة الاولى في احاديثهم اليومية، كما انها تكشف ايضاً البعد الذي يميز الايرلنديين عن غيرهم من شعوب الجزر البريطانية. لكن ليس اي بعد طبعاً. لا تبعد دونجال جواً سوى 50 دقيقة فقط عن العاصمة دبلن، لكن الاختلاف الذي يحسه من استقل الطائرة من دبلن حينما يهبط في دونجال ربما لا يقل عن الاحساس في الاختلاف فيما لو هبطت طائرته في التيبت مثلاً. واول ما يلمسه المسافر من طائرته وهي تبدأ هبوطها في مطار كاريكفين هو الاخضرار الذي يتألق في دونجال وحولها حيث الجبال الخضراء تغتسل بمياه المطر او تلتمع تحت نور الشمس فيما مياه البحر الزرقاء تتداخل بامتدادات طويلة بين سفوحها المنحدرة. ان الذهاب الى دونجال يعني الوقوف على الحافة الخارجية الأبعد لأوروبا، فهناك ينتهي العالم القديم لتنخفض اليابسة تحت حواف المحيط الاطلسي ولا تعود تظهر الا على سواحل نيويورك وبوسطن. والى الشمال يمتد البحر حتى المحيط المتجمد الشمالي. على كل حال، لا يجب لهذا الوصف ان يوحي بالوحشة في نفس من يقرأه. فأينما تنقل المرء في البرية الغربية الايرلندية من دونجال وحتى كوكلير، لن يعدم ابداً واحات من الراحة فيما يدعونها التوندرا السلتية هذه. وقوام هذه الواحات سرير للنوم، ليلاً في احد المنازل الريفية وافطار شهي صباحاً من المطبخ الايرلندي كسرطان مطهي بالثوم مثلاً. وهكذا، اي المطبخ الايرلندي الريفي، هو من بين الاسباب التي تجعل من الغرب الايرلندي مقصداً للسياح، وهناك يمكن ان تقابل اشهر من يقدمون خدمات السرير والافطار في الساحل الغربي كله. انه الفرنسي بول شاتينوه الذي ولد في الغرب ودرس الفلسفة في السوربون ويمتلك محلاً للتسجيلات في باريس، لكنه قبل 13 عاماً رمى بكل لك وراء ظهره وقدم الى ايرلندا ليصبح كاتباً. وبدلاً من ذلك اشترى مزرعة ومنزلاً ريفياً في بلدة اروارا ليدخل عالم السياحة في المنطقة، واطلق على منزله اسم «البوابة الخضراء». وما يجعل نزل البوابة الخضراء مميزاً ليس السرير والافطار، بل هو بول شاتينوه نفسه بما لديه من كتب وتسجيلات موسيقية كلاسيكية يصنفها في تصرف ضيوفه، حيث يتحول الى فرقة موسيقية من رجل واحد يعمل ايضاً على اعداد اماكن نوم نزلاته ويقدم لهم الطعام الايرلندي الذي يعده بنفسه في مطبخه الخاص ضمن جو دافئ من الاحاديث والحكايات التي تدور بين النزيل وصاحب البيت. يقول شاتينوه: «ليس هناك وقت محدد للفطور، انا اعده للنزيل حينما يطلبه». لكن مم يتكون الفطور؟ انه مجموعة من الخبز الساخن والبيض الطازج من المزرعة واللحم المحمر والنقانق وسبعة اصناف من المربات اضافة للعسل في شمعه المأخوذ من فطائر النحل التي يربيها في مزرعته. وان اخذ الزائر الدرب المتجه نحو مزيد من الغرب باتجاه ماجيرا سيجد نفسه يتمشى في الدروب التي ترسم الازهار حوافها بين قطعان الماشية التي ترعى فوق اميال من الاراضي الرطبة. هناك يتدفق شلال اسارناكالي من جيل سليفتوي الذي تغطيه امتدادات واسعة من الاعشاب والزهور البيضاء وكأنه بساط من الثلج. بين تلك الامتدادات يلوح لك بيت هنا وكوخ هناك وكأنها ارواح من الماضي لاتزال حاضرة في هذه الطبيعة الجميلة. ونمط البناء هو نفسه في المنطقة. فالجدران من الحجر الكلسي الابيض والسقوف مائلة تعصف فوقها الريح. لكن بين كل المشاهد الطبيعية التي يجعل فيها الغرب الايرلندي، لا شيء يماثل الجرفين المتوازيين في سليف ليج اللذين يرتفعان 2000 قدم فوق مياه الاطلسي وهما الاعلى في اوروبا ويتحولان اواخر الربيع واوائل الصيف الى عش كبير يؤوي الآلاف من طيور البحر التي تأتي للتكاثر. هنا عند هذا الجرف نشأ شاعر الايرلنديين الكبير ييتس الذي يرقد الان في كنيسة درامكليف عند سفح جبل بنبالدين الشاهق مسطح وابيض القمة. وفي كيلالا تستقبلك لوحة تقول «اهلاً بكم في الغرب الدافئ والبري والرائع» هناك يرتفع برج مدور اعتاد الناس على الاختباء به سابقاً حينما يأتيهم الفايكنج مغيرين والى جانبه تمثال حجري ضخم يعود تاريخه الى 5 آلاف عام اكتشف مؤخراً. وعند الناحية الجنوبية من الساحل تقع جزيرة آتشيل التي يصلها بالبرج حجري صغير. على الجزيرة يصعب على المرء احياناً ان يعثر على الخط الفاصل بين الارض والسماء. فما تظنه في البداية غيوماً تدرك فجأة انه ليس الا قمماً بيضاء. جلال الخليل القمم الخضراء حولك اينما ذهبت هنا يبدأ الاطلسي ويستمر حتى امريكا تاريخ عريق يجد صداه بين اهالي دونجيل