قدم الفنان المسرحي العراقي عزيز خيون افكاراً لافتة كانت كافية لانجاز مشروعه التجريبي الجديد والذي اطلق عليه تسمية «محترف بغداد المسرحي»، وفي الحقيقة، فإن المحترف الذي كان يؤكد اهمية التمرين وصولاً الى العرض، ضم اسماء مهمة في المسرح العراقي مثل: عواطف نعيم، عزيز عبدالصاحب، فيصل جواد، ميمون الخالدي، رائد محسن.. وآخرين، وكانت هذه المجموعة نواة العرض البكر للمحترف وهو عرض اعدّته الفنانة عواطف نعيم وحمل عنوان «مسافر زاده الخيال» واخرجه الفنان عزيز خيون وقدّمه في العاصمة الاردنية عمان عام 1999. وعرض «مسافر زاده الخيال» يمثل، من وجهة نظر نقدية، قطيعة مع الشكل الفني للنموذج الذي دأب عزيز خيون على تقديمه، فالعرض هنا لم يكن متشكلاً على بنية المسرحية الشعبية التي قدمها خيون في «لو، مطريمه، تقاسيم، على نغم النوى، لمن الزهور» وغيرها من مسرحيات اجتهد الاخراج، والاعداد، والتأليف النصي والتمثيل ايضاً، لكي تؤسس وفق فهم معين للمسرحية الشعبية. ونستطيع القول ان العرض الجديد ظل اميناً لصرامة عزيز خيون في تعامله مع الممثل، تلك الصرامة الجادة التي انتجت ـ على مستوى اداء الممثل ـ لوحات باهرة في مسرحياته السابقة اوصلت احداها، وهي مسرحية «لو» بطلها الفنان جواد الشكرجي الى جائزة افضل ممثل في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لعام 1989. ولصرامة عزيز خيون مع ممثلة في التجربة الجديدة ما يبررها انطلاقاً من كونه ممثلاً اولاً، ثم لأن المحترف كان في رؤاه الأولية مختبراً للبحث عن آليات واشكال جديدة في التمثيل. عانت مسرحية «مسافر زاده الخيال» في بنية استطرادية ما كان لها ان تكون بوجود فريق عمل خبير بفن المسرح ومحترف مهمته الاساسية البحث عن بدائل في الشغل المسرحي، ومع ذلك، حقق العرض نجاحاً لجهة الرواية الاخراجية التي احتفت بالمرئي واقصت الاذاعي وكذلك لشدة حضور الممثل بتكوينات جمالية متعددة، وقدم العرض اداء ناشطاً للممثلين: رائد محسن، ميمون الخالدي، عواطف نعيم، عزيز عبدالصاحب، فيصل جواد، عماد وتوت، آلاء حسين.. بعيداً عن فرضيات التقمص الخارجي التي كثيراً ما كانت توصل الممثلين الى لحظات «الافتعال العاطفي». هنا، في عرض «مسافر..» كان الممثل لاعباً ماهراً سواء في شغله الداخلي او الخارجي، ولا ننسى الكلمة الذكية التي اراد العرض اطلاقها والتي تسأل سؤالاً بسيطاً ولكنه مشبع بالمعاني: من السبب؟! الفنان عزيز خيون كتب في من جهته مانفستو لمحترف بغداد قال فيه ان الحافز الملح لفكرتي في ابداع هذا المحترف رغبتي الجامحة كمسرحي عراقي وعربي لردم الطرائق المستهلكة والهجينة في التعامل مع العناصر المشغلة للظاهرة المسرحية ومغادرتها كلياً، واعتماد العطاءات المشاكسة للتجربة اليومية القائمة على اشراك جميع اطراف المشروع المسرحي في الحوار والبحث، وتجاهل نداءات القاعة. والشك فيما ينجز، وعلى الصبر والتكرار الممل والمطاولة والمجالدة واقتنصا ما تمنحه سحرية (اللحظة الراهنة) وما يتجمع من ذخيرة تؤسس لبناء مهارة الارتجال في حسن التوصلات الكاملة لجدلية التجربة، بعيداً عن اغراءات المألوف والجاهزية. محترف بغداد المسرحي ـ والحديث مازال لخيون ـ كان حلماً متمرداً يطرق بوابات المخيلة، فمرحى لقذف الروح وسط المتحرك والمجهول، ومرحى لمعانقة الناشط، الهائج المائج، منبع المثير، ومنجم كل مدهش، ومرحى لانبات تقاليد مبتكرة لمعنى الروح الاجتماعية للعمل المسرحي المنزّهة عن فات الانفلات السلبي، والمتوجه بلآلئ الرفقة النبيلة، مرحى لحرارة التجربة اليومية. هذا ـ اذن ـ هو الاطار النظري لتجربة المحترف، كما وضع خطوطه مؤسس المحترف، في وقت زادت فيه هجمة النموذج الرديء، نموذج المسرحية الاستهلاكية حيث استولى هذا النموذج على ابكر واهم مسارح العاصمة بغداد، ولكن السؤال يظل قائماً هنا، وهو لماذا لم يقدم المحترف مسرحية اخرى بعد اكثر من عامين على مسرحيته الاولى؟!.. وفي الاجابة عن هذا السؤال نقف بازاء اكثر من مشكلة تواجه الانتاج المسرحي الجاد في العراق اليوم، وابرزها مشكلة التمويل وكذلك التفرغ. وما حصل اليوم، هو انفراط عقد المجموعة، لأن المحترف وبعد انتاجه الاول، عجز عن تأمين انتاج جديد لاعضائه يقوم بتشغيلهم ويسهم في توفير لقمة العيش لهم ولعوائلهم، فاضطر الكثير منهم الى الالتحاق بالمسرحيات الجماهيرية، وآخرون كرسوا جهودهم للانتاج التلفزيوني فيما قضى الفنان فلاح البياتي ـ احد اعضاء المحترف، نحبه قبل اسابيع متأثراً بالكثير من هموم المسرح العراقي، والحياة العراقية ايضاً! هكذا، نصل الى احتمال قائم مفاده انتهاء مشروع محترف بغداد المسرحي نهاية لم يكن التكهن بها، ولكن في النهاية المشابهة لمشاريع من هذا القبيل ما يبرر دائماً طي صفحة والبدء في صفحة جديدة!! عمّان ـ عبدالخالق كيطان