صدمتها السيارة الاولى فاعاقتها ثلاث سنوات كتبت خلالها رواية يتيمة ثم صدمتها السيارة الثانية فماتت. انها مارجريت ميتشل مؤلفة رواية (ذهب مع الريح) فقد كانت مارجريت تقطع الطريق مع زوجها عندما فاجأتها السيارة المسرعة، ترددت في العبور فاضاعت فرصة تفادي الحادث. حدث ذلك ليلا حوالي الساعة الثامنة على طريق هاديء في مدينة اتلانتا. بقيت طريحة الفراش ثلاث سنوات تتوالى عليها العمليات الواحدة تلو الاخرى افتقد خلالها ذلك الجسد تلك الحيوية والنشاط الذي اعتاده، واصبحت تقضي الايام والشهور ليس لديها عمل تشغل نفسها به سوى القراءة، تلتهم الكتب التهاما. عجز زوجها عن الحصول على كتب جديدة لها في المكتبات فما كان منه الا ان حمل آخر مجموعة من الكتب قائلا لها: «خذي هذه آخر دفعة من الكتب .. لم يعد هناك المزيد من الكتب في المكتبات يمكن أن تقرئينها» .. ثم اضاف مازحا: «لماذا لا تؤلفين بنفسك كتابا؟ . اليك هذه الاوراق والقلم». اشتعلت الفكرة برأسها، فهي صحفية سابقة، عملت ست سنوات في صحيفة «اتلانتا» مراسلة. وزوجها جون مارش كان في السابق صحفيا ايضا، ووقت الفراغ طويل .. طويل جدا. ولم تعد هناك اعمال جديدة تشغل الفراغ القاتل. امسكت بالقلم وراحت تبحث عن بداية .. لكنها احتارت طويلا قبل ان تهتدي لبداية حقيقية تصلح موضوعا للكتابة. الموضوع المغري والقريب الى نفسها كان عن تاريخ الولايات المتحدة وتحديدا عن الحرب الاهلية. خاصة وان والدها المحامي «يوجين ميتشل» مختص بتاريخ الولايات الجنوبية ورئيسا للجمعية التاريخية في اتلانتا، ولم تكن والدتها مايبل ستفينز اقل من والدها دراية في تاريخ الولايات الجنوبية واسباب ونتائج الحرب الاهلية والتناقض بين الولايات الشمالية والجنوبية، خاصة التناقض الاقتصادي وقضايا الحدود وتجارة العبيد والتجارة الحرة وفوز ابراهام لينكولن بمنصب الرئيس سنة 1860 وما تبع ذلك من دمار. كل ذلك اوجد ارضية جيدة لتأليف الرواية، ففي مثل هذه الظروف كانت ولادة رواية «ذهب مع الريح» حتى اصبحت فيما بعد اشهر من مؤلفتها. اما شخوص الرواية .. واحداثها التي تدور في مدينة اتلانتا التي تعرفها المؤلفة جيدا، كلها كانت واضحة وتدور في رأس مارجريت تصبها على ورق من مختلف الاحجام والالوان وبخط رديء، واحيانا تكتب باقلام الرصاص او الحبر .. هكذا نمت اكداس الورق غير مرتبة او منسقة. وعندما انتهت المؤلفة من كتابة الرواية كان ينقصها شيء واحدة مهم الا وهو الفصل الاول. والرواية اصبحت اليوم من اشهر الروايات العالمية تحولت الى فيلم سينمائي حاز على سبع جوائز اوسكار من بطولة كلارك جيبل في دور «ريت بوتلر» وبطولة فيفان لي في دور سكارليت اوهارا، سكارليت التي عاشت بعد وفاة ازواجها او هجرتهم لها هذه الشخصية سكارليت تحولت فيما بعد بعيدا عن الرواية الام الى احدى روائع القصص الفها كاتب آخر قبض اجر تأليفها فقط تسعة ملايين دولار، وبيع من الرواية ملايين النسخ منها 4 ملايين نسخة في الولايات المتحدة الامريكية وحدها، وكانت تباع حتى اثناء الحرب العالمية الثانية في مختلف دول العالم وبضمنها دول كانت تشتبك بحرب مع الولايات المتحدة. كانت مارجريت ميتشل من مواليد سنة 1900 في ولاية جورجيا جنوب الولايات المتحدة. وهناك عاش اجدادها لكنها عاشت الفترة الاخيرة من حياتها في اتلانتا، بينما احداث الرواية تدور حول الحرب الاهلية الامريكية التي بدأت سنة 1861 وذلك البعد الزمني بين ولادتها وولادة الحرب صعب عليها المهمة، مهمة الخوض في ذلك اللون من الكتابة مع قلة التجربة. والمختلفة كثيرا عن تجربتها وعملها كصحفية فالكتابة الروائية صعبة جدا يدرك ذلك جيدا من خاض التجربة نفسها ولذلك ايضا اخبرت زوجها يوما قائلة: اذا انتهيت من كتابة هذه الرواية فلن اعيد الكرة مرة ثانية ابدا. وذلك ما حدث لكن نتيجة لظروف اخرى. ففي سنة 1949 صدمتها سيارة ثانية ليلا وفي نفس الوقت الذي صدمتها فيه السيارة الاولى، وكانت ايضا بصحبة زوجها .. ومكثت في المستشفى خمسة ايام قبل ان تفارق الحياة. اعداد ـ كريم السماوي