بيان الكتب: الحوار مع الفنانة نبيلة النابلسي مختلف تماما عن بقية الحوارات الاخرى لما تتمتع به هذه الفنانة من ثقافة ووعي وحب اطلاع لكل ماهو جديد وملفت في عالم الكتاب الذي احبته منذ صغرها وسارت في طريق الفن موازنة بين حبها للكتاب والثقافة ورغبتها في تقديم فن جميل وراق وقد استطاعت تحقيق هذه المعادلة الصعبة ... وفي هذا الحوار نكتشف جانبا مهما ومشرقا في شخصية هذه الفنانة المتميزة انسانيا وفنيا. ـ هل تذكرين اول كتاب قرأته؟ ـ بالتأكيد فكتاب كليلة ودمنة كان اول كتاب قرأته وانا طفلة صغيرة وكان ذلك عندما كان عمري ست سنوات واذكر تماما ان مديرة المدرسة والمدرسة في الصف كانتا تتحدثان عن اجمل الكتب التي ممكن قراءتها فعلق في ذهني اسم هذا الكتاب لذلك عندما ذهبت الى المنزل طلبت من والدي قراءة كتاب كليلة ودمنة فقال لي: بعدك صغيرة على هذه الكتب من الافضل ان تقرأي قصص الاطفال في مثل عمرك .. لكنني لم اقتنع وبحثت عن هذا الكتاب ولم اجده فاضطررت لاستعارته من مكتبة والدة صديقتي آنذاك. ـ وهل استطعت في هذا العمر المبكر ان تفهمي المغزى العام لقصص كليلة ودمنة؟ ـ لا انكر انني وجدت صعوبة في استيعاب هذه القصص لكنني اصريت على متابعة القراءة لانني احببت هذا الكتاب بشغف وصار عندي هاجس القراءة منذ الطفولة في ان اقرأ كتب التاريخ التي كانت متوفرة بكثرة في مكتبة والدي لكنني بعد فترة افتقدت هذه المكتبة في منزلنا لان والدي باع الكتب لاسباب مادية فشعرت بالفراغ الكبير خاصة وان المكتبة كانت تشكل لي في هذه المرحلة المبكرة من عمري الواحة التي ارتاح فيها من عناء الكتب المدرسية. ـ وكيف حاولت تعويض هذا الفراغ؟ ـ من خلال صديقاتي في المدرسة اللواتي كنت ازورهن في منازلهن فيسترعي اهتمامي المكتبة الموجودة في منزل صديقة فاستعير منها كتبا ـ مجلات ـ جرائد وكل ماله علاقة بالثقافة والادب وقد كان آباء صديقاتي ينصحونني بقراءة كتب من مستوى عمري الثقافي لكنني كنت اجد المتعة في الكتب ذات المضمون الفكري الجيد. ـ وهل تذكرين بعضا مما قرأته في تلك المرحلة؟ ـ من الكتب التي مازالت عالقة في ذهني كتاب اسمه «لمن تقرع الاجراس» للكاتب الروسي .. «ديستوفيسكي» حيث قرأت هذا الكتاب خلسة بعدها قرأت آنا كارنينا و «زهرة الكاميليا» وكلاسيكيات الادب الفرنسي على مدار الخمس سنوات بعدها اتت مرحلة تركت فيها الدراسة لظروف عائلية والتحقت للعمل في احد المكاتب الصحفية كضاربة آلة كاتبة .. وفي هذا المكتب اطلعت على كل ماهو موجود من الكتب حول الادب العالمي والادب المسرحي ـ التاريخ العربي ـ تاريخ فرنسا وكل ما يتعلق بتاريخ الغرب كما قرأت الكثير عن القادة في العالم ومذكراتهم واعتبر هذه المرحلة من اهم مراحل تكويني الثقافي والانساني وفيها تكون اتجاهي نحو الفن وعالم التمثيل. ـ وكيف تم ذلك؟ ـ عندما كنت صغيرة كان الجميع يختارني لتقديم الحفلات المدرسية اغني وامثل واقرأ الشعر واقدم الحفلات المدرسية لذلك عندما تفتحت مداركي الثقافية وانا اعمل في ذلك المكتب الصحفي احسست ان الفن طريقي وقد فكرت في كيفية الوصول الى هذا الحلم ولم اكمل وقتها دراستي الثانوية ولم يكن المعهد العالي للفنون المسرحية قد افتتح في سوريا ـ وقد ذهبت الى مصر ودخلت المعهد العالي للفنون المسرحية هناك كمستمعة لانني لم انل الشهادة الثانوية بعد وقتها رجعت الى لبنان واخذت الشهادة الثانوية وعدت بعدها الى مصر وفي تلك الفترة شاركت في فيلم للمخرج نبيل المالح اسمه المخاض وعملت في المسرح وسينما القطاع الخاص وقد قسمت وقتي بين دراستي في معهد التمثيل في مصر شتاء وعملي كممثلة في سوريا في فترة الصيف وقد بقيت على هذه الحالة ثلاث سنوات اكتشفت بعدها ان الدراسة الاكاديمية لن تقدم لي ما اطمح اليه خاصة وانني اصبحت مطلوبة في كثير من الاعمال السينمائية والمسرحية لذلك تركت دراسة التمثيل وقد ندمت على ذلك فيما بعد. ـ وأين كان الكتاب في تلك المرحلة من حياتك؟ ـ في تلك المرحلة قرأت الادب العالمي المسرحي واصبحت قراءاتي ميالة الى الشعر فقرأت لحافظ ابراهيم ومحمد بسيوني واحمد شوقي ونزار قباني بالاضافة الى قراءتي للادب العربي في تلك المرحلة وقد شدتني كتابات احسان عبد القدوس التي كنت اشعر من خلالها ان المرأة خاسرة في رواياته وانه بشكل او بآخر ضد المرأة كما قرأت ليوسف ادريس وتوفيق الحكيم وطه حسين وعباس محمود العقاد ونجيب محفوظ وخاصة ثلاثيته «قصر الشوق ـ بين القصرين ـ السكرية» وقد كنت اعتبر كتابات نجيب محفوظ موسيقى عاطفية مهمة للحياة المصرية وقد كنت بحاجة لمن يوصلني الى اعماق الحياة وجاء نجيب محفوظ وانساني احسان عبدالقدوس الذي لم اعد اقرأ له بعد روايات نجيب محفوظ. ـ وماذا عن الكتاب والادباء السوريين؟ ـ احترم كثيرا كتابات حنا مينا لان الصور عنده جميلة جدا فهو كاتب شفاف وطبيعي يكتب بعيدا عن الانفعال يرمي بهمومه للبحر فتجده صادقا في كل ما يكتب. الجانب المتوهج ـ وماذا عن العلاقة المميزة بينك وبين الكاتب محمد الماغوط؟ ـ انا اعرف الماغوط كشخص وصديق وابحث عن مقالاته حاليا في الصحف العربية لانني اريد ان ارى الجانب المتوهج في هذا الاديب الكبير واقول بصدق اننا بحاجة الى اعادة اكتشاف هذا الاديب لان الماغوط وصل الى مرحلة من العمر يجب فيها ان نستفيد من خبرته وثقافته قبل فوات الاوان. ـ وأين تضعين مسرحيات وأعمال سعد الله ونوس ضمن قائمة قراءاتك؟ ـ اذكر تماماً المهرجان المسرحي الاول الذي اقيم في دمشق حيث قدم مسرحية «الملك هو الملك» فسلطت الاضواء عليه كأديب وكاتب مسرحي بعدها تتالت اعماله المسرحية التي حرصت على قراءتها متتابعة انتهاء بمسرحية طقوس التحولات والاشارات التي قدمتها نضال اشقر في بيروت ومسرحية منمنمات تاريخية. ـ وماذا عن اهتماماتك الادبية والثقافية في هذه المرحلة؟ وهل يمكننا القول ان الفن اخذك بعيداً عن الكتاب؟ ـ لم ابتعد عن الكتاب طوال فترة عملي سواء في المسرح او السينما او التلفزيون وحالياً وعلى الرغم من انشغالي بالعديد من الاعمال التلفزيونية اجد وقتاً جميلاً للقراءة لأنني مازلت عاشقة للكتاب ومنذ فترة قريبة قرأت كتابا اسمه «تاريخ الاديان ونشوئها». ـ وما هو اخر كتاب قرأته؟ ـ اخر كتاب قرأته اسمه «عزلة الملائكة» لكاتب لم ينل حظه من الرعاية والاهتمام اسمه ياسين عبداللطيف وقد اعجبت بهذه الرواية الى درجة العشق لأن فيها تصويراً رائعاً للحدث والزمان والمكان وفيها توثيق رائع لهذا الفن الجميل وهذا الكاتب لديه احساس جميل وشفاف واتوقع ان ينال ما يستحقه في يوم من الايام لأن الغربة التي يعيشها هذا الكاتب المبدع ستزول في يوم من الايام. يتناسب مع ثقافته ووعيه الذي من الطبيعي ان يختلف عنه وعي وثقافة اديب له باع في هذا المجال.