بيان الكتب: لاري مكمورتري، مؤلف هذا الكتاب، حائز على جائزة بلوتزر للرواية عن «اليمامة المهجورة»، كما حصل على عدة جوائز ادبية اخرى. سبق له ونشر حوالي اربعين مؤلفاً تشتمل على الروايات والدراسات والقصص القصيرة، بالاضافة الى حوالي ثلاثين سيناريو لاعمال سينمائية وتلفزيونية، يمارس هواية جمع الكتب القديمة والاسفار بحثاً عن هذه الكتب القديمة بالدرجة الأولى، عرفت اعمال عديدة قدمها طريقاً الى قائمة الكتب الاكثر انتشاراً في الولايات المتحدة الامريكية ويعتبره عدد من النقاد احد افضل الكتاب الامريكيين المعاصرين. «دروب» هو كتاب في وصف امريكا بعيون مسافر مترقب يحاول تذوق متعة «قيادة السيارة» في الطرق الامريكية الكبرى التي تصل بين مختلف الولايات ولكن ايضاً متعة رؤية المناظر الجميلة التي تحيط بتلك الطرق.. هذا بالاضافة الى متعة التوقف في بعض المحطات الرئيسية والحصول على كتاب قديم هنا او قراءة بعض الصفحات هناك.. ان «لاري مكمورتري» يخلق في كتابته عن ابسط الاشياء جواً من الحماس والترقب.. وينطلق حدث صغير كي يناقش موضوعاً عميقاً يتعلق بالادب او التاريخ او السياسة. هكذا نراه يثير بعد قراءة صفحات من كتاب الوسائل المتبادلة بين سيمون دوبوفوار، الكاتبة الفرنسية المعروفة ونلسون الليفرن، الروائي الامريكي، عندما كان في اوكلاهوما سيتي التي قادته احدى الدروب اليها كي يناقش بعض تأثيرات الفكر الوجودي وتحديداً افكار جان بول سارتر في الساحة الفكرية الامريكية. هذا دون ان ينسى الحديث عن ذلك الجو الرومانسي الذي ساد علاقة سيمون دوبوفوار، ونلسون الليفرن، في مدينة «شيكاغو» المزدحمة والتي يفترض ان تقتل اية رومانسية. ويبدو ان الحماس في الاسفار يقتل رتابتها، هذا ما يؤكده المؤلف عند الحديث عن ابسط الاشياء التي شاهدها في رحلته وحاول ان يشارك قارئه بالاستمتاع بها، ثم لابد من الاشارة، بل والتأكيد بان هذه الدروب تؤدي بالاحرى الى شعاب الادب الامريكي فكل مكان له ادباؤه وروائيوه، هذا ما يبدو بوضوح من الاسماء الكثيرة وعناوين الكتب التي تتردد على طول صفحات هذا الكتاب، ثم ان هذه الجبال والتلال التي تحاذي الطرق الامريكية الكبرى هي التي شهدت الكثير من وقائع التاريخ الامريكي المعاصر والتي لم تكن الحرب الاهلية التي دارت ما بين عامي 1860 و 1864 سوى احدى اهم مراحل ذلك التاريخ، هذه الجبال والتلال والسهول الممتدة تختلف اطلالتها من ولاية الى اخرى في بلاد تصل المسافات الواصلة بين اطرافها احياناً الى عدة آلاف من الكيلومترات. ويشكل هذا الكتاب في احد وجوهه ايضاً دراسة لمختلف مكونات المجتمع الامريكي كما يظهر من خلال سلوكيات اهل الارياف والمدن حيال الاخرين الذين يأتون من مناطق اخرى، الغرباء، الى حد ما واذا لم تكن هناك اية حدود جغرافية فاصلة بين ولايات امريكا الاحدى والخمسين فانه توجد في بعض الاحيان حدود ذات طبيعة اخرى تبدو في السلوك والعلاقات الاجتماعية والثقافية القائمة على اساس السباق التاريخي والمكونات السكانية من حيث اصولها الاثنية والعرقية وتتم في هذا السياق مناقشة بعض الاجراءات التي تتخذها الحكومات المحلية لمواجهة المشاكل الخاصة المطروحة عليها. ان الدروب لها دائماً نقطة انطلاق ونقطة نهاية وهاتان النقطتان قد تتبادلان المواقع، ولعله من المهم كثيراً ان يعرف كل من يريد ان يقوم برحلة من اي موقع سينطلق والى اي هدف يسعى بالتحديد.. المهم في كل الحالات هو ان لا يفقد الرغبة في المتابعة والوصول. هذا ما كان يجول برأس مؤلف هذا الكتاب وهو يجتاز السهول الامريكية الواقعة في وسط البلاد باتجاه الحدود المكسيكية البعيدة. وبكل الحالات لا يتردد المؤلف في التأكيد بان رغبة السفر كانت تصدر عن ذلك العاشق للترحال القابع في داخله والتي كانت تدفعه باستمرار نحو قطع آلاف الاميال الاخرى. يقول بهذا الصدد عن الرغبات الدفينة التي حركت وحكمت الى درجة كبيرة مسيرة حياته ما يلي: هناك ثلاثة امور شدتني وسيطرت على الجزء الاكبر من السنوات الستين التي عشقتها حتى الان وهي الكتب والنساء والدروب. لكنه يتدارك بسرعة كي يعدل من حماسه حيث يؤكد بانه مع تقدم العمر تخلت عنه شهية القيام باسفار بعيدة. وعبر دروب الولايات المتحدة الامريكية وطرقها الواسعة الكبيرة يتحدث مؤلف هذا الكتاب عن تلك القوافل التي جابت قديماً طرق الحرير في اسيا وشرقها الاقصى وطرق التوابل في القارة الافريقية. ان تلك القوافل لا تزال تعرف كيف تخلق الحنين، وفي حياة الترحال.. لكن اذا كانت التجارة هي الدافع الرئيسي في تلك الازمنة الغابرة فلربما ان الرغبة في الاكتشاف والتعرف على الاخر قد اخذت في العصور الحديثة نفس الدور.. او ربما التعرف على الذات.. اذ هكذا يجد المؤلف نفسه في نقطة ما من احد الدروب يسترجع في ذاكرته قراءته لكتاب «الحرب والسلام». للكاتب الروسي الكبير تولستوي. لا شك بأن تلك الدروب قد اثارت مكمناً ما في اعماق النفس. كما ان رؤية مطاعم «مكدونالد» على محاذاة اغلبية الطرق تثير مكمناً اخر. «دروب» او رحلة متعددة الوجوه للتعرف على امريكا، جبالها ووديانها وسهولها ومدنها وقراها.. ولكن قبل هذا كله على تاريخها وادبها وادبائها وتراثها من الكتب».