جوي روبرتس من مواليد مدينة «باث» البريطانية، حيث يعيش اليوم مع اسرته، وكان قد امضى سبعة عشر عاما من حياته في الولايات المتحدة الامريكية، حيث عمل كبائع كتب ثم كخباز في اوستن وتكساس، عاد الى انجلترا من جديد عام 1984 كي يعمل طباخا في عدد من المطاعم، وفي عام 1990 بدأ الكتابة وعرفت مقالاته طريقها للنشر في «التايمز» و «الصنداي تايمز» وغيرهما، ونشر عدة كتب منها «ثلاثة ارباع طبعة القدم» حول جنوب الهند ومنزل الضوء الازرق عن تكساس. الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب الجديد هو مدينة «كلكوتا» المرفأ الواقع على المحيط الهندي وعاصمة البنغال الغربية واحد اكثر مدن العالم سكانا لكن التسمية الرئيسية الطاغية في هذه المدينة هي البؤس الذي يصيب اكثر من ربع السكان حيث يوجد عشرات، بل مئات الآلاف ممن لا يملكون ملجأ ويعيشون في الشوارع وينامون فيها، هذا فضلا عن عدة ملايين يعيشون في احياء قصديرية يمكن اطلاق صفات كثيرة عليها سوى انها تنتمي الى العالم الحديث. لكن هذا لا يمنع واقع ان المدينة هي مركز صناعي هام وعقدة تجارية اساسية في شبه القارة الهندية، هذا وكان التجار الانجليز هم الذين اسسوا المدينة في نهاية القرن السابع عشر كي تصبح مقرا للشركة الانجليزية لمنطقة الهند الشرقية وعاصمة للهند الانجليزية خلال فترة من عام 1772 وحتى عام 1912، وقد كانت المدينة منذ انشائها احد اهم مراكز جذب الاجانب الذين يقصدونها لاكتشاف عالمها الغريب وكان مؤلف هذا الكتاب «جوي روبرتس» احد هؤلاء حيث كان قد امضى برفقة زوجته وابنهما الصغير عدة اشهر فيها قبل الشروع بكتابة هذا العمل، كان رفيق رحلتهم ودليلهم خلال اقامتهم في المدينة هو سائق التاكسي عبدول. يبدأ المؤلف حديثه عن كلكوتا من خلال حدث محدد هو وفاة «الام تيريزا» تلك الراهبة التي امضت سنوات عديدة من حياتها في الاحياء الفقيرة للمدينة لمساعدة الاكثر بؤسا من سكانها. كانت وفاتها في المدينة بعد ايام فقط من وفاة الاميرة البريطانية ديانا في احد انفاق العاصمة الفرنسية باريس. التفت العالم كله نحو «ضحية» النفق الباريسي ومرت وفاة «سيدة كلكوتا » دون ان تحظى باي اهتمام حقيقي من قبل وسائل الاعلام او غيرها، وذلك قياسا بالحدث الآخر واذا كان المؤلف يبدي اهتمامه بوفاة «الام تيريزا» فانه يعترف في الوقت نفسه بانه لم يكن مهتما كثيرا بما كانت تفعله. المادة الاساسية لهذا الكتاب هي مجموعة من «الانطباعات» انطباعات «الصدمة الاولى» مع كل مظاهر الحياة في مدينة كلكوتا ذلك لان اشد الانفعالات هي عامة تلك التي يحدثها اللقاء الاول، كما يقول المؤلف لكن كلكوتا مدينة ذات «صورة سلبية» في اذهان الآخرين وهي مرتبطة بـ «البؤس» قبل اي شيء آخر، وبالتالي لابد ان يتخلى المرء بقدر كبير من المراقبة الذاتية كي يحافظ على موقف «الحياد» في رؤيته. يقول «جوي روبرتس» في سياق الحديث عن محصلة الانطباعات التي تركتها كلكوتا في نفسه: انني لا انفي بان كلكوتا هي فقيرة ومكتظة بالسكان كثيرا، لكنها اكثر، اكثر بكثير من ان تمثل فقط الفقر واكتظاظ السكان، ويؤكد ايضا بان هذا الكتاب ليس عملا خاصا بتاريخ الهند او عن مكانة البنغاليين في هذا التاريخ بكل مكوناته وخاصة الذكريات البشعة التي تركتها حرب بنغلاديش خلال عقد السبعينيات الماضي او عن الصراعات اللغوية والاثنية والعقائدية في شبه القارة الهندية .. هذا الكتاب لا يخص اي من هذه المسائل ولكنها كلها تجد صداها في شروحه وتعليقاته وملاحظاته اذ ان المؤلف يرى بان كلكوتا كانت منذ تأسيسها عام 1690 بمثابة التعبير المديني الاكبر عن الثقافة البنغالية، ثم ان المدينة لم تكن في الاصل، مدينة هندية وانما «مدينة بريطانية تماما في الهند». ويؤكد مؤلف هذا الكتاب في انطباعاته، عن كلكوتا بانها تجمع بين «الارث الاستعماري» و «الثقافة الهندية العريقة» وهذا الجمع بين الثقافتين البريطانية والبنغالية هو الذي يعطي للمدينة سماتها الخاصة وتفردها ويعتبر «روبرتس» بان كلكوتا قد مثلت اول صدام بين النموذج الاوروبي للحياة المدنية والنموذج الهندي، او ضمن اطار اوسع بين الغرب والشرق، اما الفائدة الاساسية لمثل هذه المواجهة فقد تمثلت في التسامي على الحدود القديمة القائمة على الاقتسام الفئوي، الاثني او اللغوي او العقائدي، كما ان الكثيرين من ابناء المدينة تلقوا تعليمهم في البلدان الغربية، وخاصة في بريطانيا، مما شكل ملامح «النموذج الهندي الجديد اي النموذج المنفتح على الثقافة الغربية مع الاحتفاظ بجذوره الهندية ـ البنغالية وكان من احدى نتائج ذلك تحقيق مستوى متقدم الى درجة مامن التقدم التكنولوجي الذي بدت ملامحه الاولى منذ اواسط القرن التاسع عشر، اي الفترة التي اطلق عليها البعض تسمية «عصر النهضة البنغالية» هذا الارث «الثقافي» و «الاجتماعي» استمرت تعبيرات عديدة منه بعد الاستقلال وجلاء البريطانيين عن شبه القارة الهندية. هذه الاعتبارات كلها هي في الواقع محصلة لـ «قراءة» المؤلف لما تكدس لديه من انطباعات جمعها اثناء كم كبير من اللقاءات والحوارات التي اجراها مع سكان من كلكوتا ينتمون الى مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية، وهو يتحدث بهذا المعنى نفسه عما اسماه بـ «بازل» من الاحاديث المختلفة وحيث ان الجميع يتحدثون لغتين، الانجليزية والبنغالية، ان «ناس» كلكوتا يتحدثون لغة بسيطة ويعبرون عن اهتماماتهم وتطلعاتهم دون عناء او تكلف، وهذا تحديدا ما يجب عنه المؤلف الذي يؤكد بان كتابه ليس بأي شكل من الاشكال محاولة لكتابة تاريخ المدينة اما المعلومات التاريخية الواردة في هذا الكتاب، وهي كثيرة في واقع الامر، فانها ترد عندما تستدعي حاجة القاء بعض الضوء لتوضيح الواقع الحالي المعاش المهم في هذا السياق هو تاريخ علاقة البشر بالمدينة التي يعيشون فيها واشكال هذه العلاقة وليس تاريخ المدينة نفسها، انها المدينة التي «تتحدث» و «تعبر عن نفسها» وليس الحديث الاكاديمي المعهود عنها، وفي غمرة البؤس والفقر يبدو ان نفوس اهل كلكوتا لا تزال تحمل، شعاعا من التفاؤل بمستقبل تفيد مؤشرات كثيرة بانه لن يكون اقل قتامة. ان محتويات هذا الكتاب تبدو بمثابة «لوحات» متعددة يضمها اطار كبير واحد الاحياء والشوارع والام تيريزا والموسيقى المتنوعة الصاخبة واشياء كثيرة اخرى، تأخذ مكانها المطلوب، وربما «المرغوب» ضمن هذا الاطار الكبير، اربعون فصلا لا يتجاوز عدد اطولها العشر صفحات ودعوة الى سياحة ثقافية برفقة سائق التاكسي عبدول وكل صفحة تستحق اجرا اضافيا . كتاب عن بلاغة الاشياء الصغيرة.