برتراند روسل، صاحب «الرسائل المختارة، في هذا الكتاب الذي يقوم «نيكولا جريفن» بتحريره وتقديم الشروح عليه، انما هو عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني .. وقد اهتم بشكل خاص بدراسة «فلسفة الرياضيات». يصنف محرر هذا الكتاب الفيلسوف روسل بانه ينتمي الى تيار «الواقعية الجديدة» وقد ادى به عمله على دراسة النظريات الفيزيائية الحديثة الى التخلي تدريجيا عن بقايا النزعة الافلاطونية لديه والاقتراب اكثر فأكثر من الفلسفات الوضعية وكانت ترجمة هذا كله على الصعيد الاجتماعي والعلاقات الانسانية هي تبني الكثير من المواقف المتطرفة والمعارضة للاخلاق السائدة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وكان نشوب الحرب العالمية الاولى بمثابة الفرصة التي اتاحت له تأكيد مواقفه المعادية لكل النزعات العسكرية وبالمقابل تمسكه اكثر بمباديء الدعوة الى السلام، الترجمة العملية لمثل هذا التوجه تمثلت في تخليه عن منصبه كاستاذ لمادة الفلسفة في جامعة كمبردج والحكم عليه بستة اشهر سجنا عام 1918 اعلن باستمرار تعلقه بالديمقراطية والاشتراكية لكنه لم يتردد في توجيه نقده العنيف للبلشفية بعد زيارة كان قد قام بها للاتحاد السوفييتي وقد استمر «برتراند روسل» طيلة حياته في نضاله من اجل السلام في العالم وضد انتشار الاسلحة النووية وفي عام 1961 اسست محكمة ثورية (محكمة روسل) لمحاكمة مجرمي الحرب الامريكيين في فيتنام. هذه المسائل كلها تجد صداها في «الرسائل المختارة» التي يحتويها هذا الكتاب ويؤكد المحرر بنفس الوقت انه من الصعب كثيرا الكتابة عن برتراند روسل بسبب الجوانب المتعددة التي تقوم عليها شخصيته، لكنه يشبّه رسائله بـ «اعترافات جان جاك روسو» اذ ان هذه الرسائل تشكل نوعا من كتابة «السيرة الذاتية» حيث يقدم آراءه ووجهات نظره حول مختلف مسائل الحياة. ويولي محرر هذا الكتاب اهمية خاصة للرسائل التي كتبها الفيلسوف البريطاني الكبير وتخص حياته الشخصية وعلاقاته الانسانية والعاطفية. وقد امضى نيكولا جريفن سنوات طويلة وهو يبحث في مختلف الاراشيف الجامعية ولدى الخاصة عن كل ما يتعلق بحياة برتراند روسل لاسيما وان جريفن نفسه هو ايضا من الفلاسفة البريطانيين المعروفين حاليا مما يضفي على «قراءته» لرسائل روسل بعدا معرفيا وفلسفيا اضافيا كما كان لتكوين جريفن الثقافي اثره في اختياره للرسائل التي قدمها للقراء في هذا الكتاب. يضم الكتاب في صفحاته الاولى مجموعة من الرسائل كان «برتراند روسل» قد كتبها لعدد من اصدقائه وصديقاته اعلن فيها معارضته الكاملة للحرب العالمية الاولى. وتحوي احدى هذه الرسائل انطباعات الفيلسوف الكبير حول «لورنس العرب» وهناك العديد من الرسائل التي كان قد كتبها لزوجته الثالثة «بيتر سبينس». ويبدو ان برتراند روسل كان يعطي الاهتمام الاكبر بعد عام 1950 وحيث كان قد بلغ السبعين من العمر، للنضال ضد الاسلحة النووية ولأجواء المنافسة بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي، هذا ماتدل عليه الرسائل المنشورة والتي يعود تاريخها الى مابعد الحرب العالمية الثانية.