مارك فيرو هو مؤرخ فرنسي اهتم بتاريخ بلاده فرنسا ويقدم منذ عام 1989 برنامجاً تلفزيونياً «تاريخياً» على القناة المعروفة «آرتي». لقد استقبل النقاد هذا الكتاب الجديد عن «تاريخ فرنسا» بكثير من الحماس واعتبروه احد أفضل الاعمال التي تم تقديمها حول هذا الموضوع منذ الكتاب «المدرسي» الذي قدمه المؤرخان «البير ماليه» و«جول ايساك» قبل نشوب الحرب العالمية الاولى عام 1914 وحيث ان احد المؤلفين ـ البير ماليه ـ قد قتل في ارض المعركة ولم يعثر احد على جثته. تجدر الاشارة هنا الى ان نشر تاريخ فرنسا لهذين المؤرخين لم يتم الا في سنوات العشرينيات اي بعد نهاية الحرب العالمية الاولى. كما تجدر الاشارة هنا ايضا الى الكتاب الام الذي قدّمه المؤرخ الفرنسي الكبير «جول ميشليه» تحت العنوان نفسه «تاريخ فرنسا» بأربعة عشر جزءاً ما بين عام 1833 وعام 1867. في هذا العمل التاريخي الكبير الجديد يجمع المؤلف بين التعرض لأهم الاحداث التاريخية ودراسة التيارات الفكرية الأكثر حضوراً وتداخلات هذه الاحداث والتيارات في صياغة المسار التاريخي العام للامة الفرنسية. وهكذا يحرص «مارك فيرو» على ان يقدم الماضي التاريخي لفرنسا بأكبر قدر ممكن من الواقعية بعيداً عن نزعات «التمجيد» وبعيداً عن التقاليد «الادبية» المعهودة عند التطرق لهذا الموضوع مما يجعل الواقع عرضة لتأويلات بعيدة عن الدقة احياناً. وبهذا المعنى يقترب «مارك فيرو» في دراسته لتاريخ فرنسا من مدرسة «الحوليات» التي لا تولي اهتمامها لدراسة الاحداث فقط وانما بالأحرى للسياق الاقتصادي والاجتماعي والتاريخي والسياسي الذي انتج تلك الاحداث. ويلاحظ المؤلف بأن كتابة تاريخ فرنسا قد كانت لفترة طويلة ممهورة بطابع النزاعات الايديولوجية والعقائدية. هكذا تم التركيز باستمرار على الشرخ الكبير الذي شهدته فرنسا منذ القرن السادس عشر على قاعدة الصراع الدموي بين «الكاثوليكيين» من جهة و«البروتستانتيين» من جهة اخرى، وذلك بما هو معروف بـ «حروب الدين». ومنذ قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 أضيف شرخ اخر على قاعدة الخلاف بين تيارين عريضين مثّلا «الجمهوريين» و«الملكيين». ويبدو بوضوح في هذا السياق الخلاف الكبير في طريقة كتابة التاريخ بين ما قدمه الجمهوري «جول ميشليه» وما كتبه «شارل مورا» حول الاحداث نفسها. ان «مارك فيرو» يقدم وجهتي نظر هذين المؤرخين الكبيرين ثم يدعو القاريء الى ترك جميع «الاحكام المسبقة» جانباً ومحاولة قراءة الواقع على ضوء المعطيات الملموسة مع التحلي بأكبر قدر ممكن من النزاهة الثقافية.. وهذا ما يحاوله تحديداً عند دراسته لـ «تاريخ فرنسا». ان «مارك فيرو» يحاول كثيرا الابتعاد عن تأثيرات التيارات الفكرية الكبرى في قراءة التاريخ مثل المثالية «الافلاطونية» والمادية «الماركسية» والرؤية المسيحية او غيرها ويقترب اكثر فأكثر من تبني مناهج بحث العلوم الاجتماعية الحديثة. ويولي ضمن هذا الفهم اهمية كبيرة للحركة اللوثرية ـ نسبة الى القس مارتن لوثر ـ التي تزامنت مع بدايات استخدام المطبعة حيث يقدر بأنه قد «جرى طبع حوالي ثلاثين كتاباً للوثر خلال فترة 1517 ـ 1520 وتم توزيع اكثر من ثلاثين الف نسخة مطبوعة منها باللغة الالمانية فقط ثم باللغة الفرنسية. هكذا كانت اللوثرية بمثابة ابن الكتاب المطبوع». «تاريخ فرنسا» في كتاب.