بيان الكتب: داليا داسيا كاي مؤلفة هذا الكتاب، هي استاذة للعلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن. في هذه الفترة من احتدام الصراع في الأراضي المحتلة وقيام حكومة ارييل شارون بتبني سياسة قائمة على العنف في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الحالية، شهدت رفوف المكاتب في أمريكا العديد من الكتب التي تتعرض بشكل عام للصراع العربي ـ الإسرائيلي وتتسم بشكل عام أيضاً بدرجة كبيرة من التحيز لوجهة النظر الاسرائيلية في مناقشة الأمر. إن هذا الكتاب «ما وراء المصافحة» الذي تصدره جامعة كولومبيا، يتعرض لمناقشة خلفية المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية وإطارها العربي والدولي خلال سنوات 1991 ـ 1996، أي منذ انعقاد مؤتمر مدريد وحتى مفاوضات أوسلو حول المياه عام 1996، وتحاول مؤلفة هذا الكتاب أن تجيب، من وجهة نظرها بالطبع، على عدد من التساؤلات التي تطرحها في البداية والمتعلقة بالأسباب التي دعت الطرفين لقبول مبدأ التفاوض ذاته والمشاكل الحقيقية المطروحة لإمكانية ترجمة أي اتفاق نظري الى واقع حي والدور الذي تلعبه القوى الإقليمية والدولية في امكانية تحقيق اي سلام حقيقي. وبشكل عام يمكن القول ان هذا الكتاب يستعرض الخطوط العريضة لرؤية «أمريكية» لصيغة تعاون اقليمي تشغل فيه اسرائيل موقعاً مركزياً. وترى المؤلفة ان حرب الخليج الأخيرة شكلت منعطفاً حاسماً اذ «شهدت سنوات ما بعد حرب الخليج 1990 ـ 1991» تحالفات جديدة وفرصاً جديدة شجعت على بروز امكانية تبدل في العلاقات الاقليمية». ثم كان انهيار الاستقطاب الثنائي الدولي ونهاية المنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ على الشرق الأوسط طيلة فترة الحرب الباردة سبباً آخر في خلق «مناخ دولي جديد» بدا انه يشجع على السلام. ومن المعروف في هذا السياق ان الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي ـ قبل انهياره بفترة وجيزة ـ كانتا الدولتين اللتين قامتا بـ «رعاية» مؤتمر مدريد للسلام في شهر أكتوبر من عام 1991. هذا مع إن موقف الإدارة الأمريكية آنذاك، في ظل جورج بوش (الأب) كان، كما تقدمه المؤلفة، يميل الى العمل من أجل الوصول الى «سلسلة من اتفاقيات السلام الثنائية». أما روسيا فقد تابعت عملياً حيال هذا الموضوع نفس سياسة الاتحاد السوفييتي بخطوطها العريضة. وفي عملية جرد للمحصلة العامة لما اعتبرته المؤلفة «التعاون المتعدد الأطراف في عملية السلام العربي ـ الإسرائيلي 1991 ـ 1996» كما جاء في عنوان هذا الكتاب، يشكل مؤتمر مدريد في شهر اكتوبر 1991 نقطة الانطلاق الأساسية في التحليلات المقدمة ثم مؤتمر موسكو في شهر يناير من عام 1992 ـ المؤتمر المتعدد الأطراف ـ والذي ترأسته الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وانبثقت عنه عدة لجان هي «لجنة مراقبة التسلح والأمن الاقليمي برئاسة الولايات المتحدة وروسيا» وقد تجسد عمل هذه اللجنة من خلال «مركز الأمن الاقليمي في عمّان» و«شبكة الاتصالات في القاهرة» و«اللجنة الإقليمية للتنمية برئاسة الاتحاد الأوروبي» و«لجنة البيئة برئاسة اليابان» و«لجنة المياه برئاسة الولايات المتحدة» و«لجنة اللاجئين برئاسة كندا». وقد شكّلت «القمم الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا» احد النشاطات الرئيسية للتعاون متعدد الأطراف حيث كانت وراء انشاء «بنك الشرق الأوسط للتنمية» الذي مقرّه القاهرة و«جمعية الشرق الأوسط ـ حول المتوسط للسفر والسياحة» التي مقرّها تونس. وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تتعرض لما تسميه بـ «التعاون متعدد الأطراف» في منطقة الشرق الأوسط فإنها تركز بشكل خاص على دور «طرف خارجي» يتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية. هذا مع التأكيد على دراسة عدة ملفات تتعلق بـ «التسلح» و«المسائل الاقتصادية» و«مشكلة المياه» و«البيئة» حيث أن كل ملف من هذه الملفات يشكل بحد ذاته موضوعاً شائكاً لا يعيق فقط الوصول إلى أية درجة من التعاون بين اسرائيل ومحيطها العربي، وانما يشكل أيضاً عقبة كبيرة في التوصل الى سلام حقيقي. وترى المؤلفة بأن أي خوض في هذا الموضوع أو ذاك من هذه المواضيع الحساسة يتطلب قبل كل شيء حداً أدنى من القبول بـ «تسوية سياسية» تلتزم فيها جميع الأطراف. ولكن ومهما كانت الأوضاع التي آلت إليها الأمور في المرحلة الراهنة التي تشهد حالة «موت» شبه كاملة لعملية السلام في الشرق الأوسط، فإن المؤلفة تؤكد ان مؤتمر مدريد لعام 1991 كان بمثابة «منعطف» و«نقطة انطلاق مهمة لا سابق لها» في مسيرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ذلك لأن ذلك المؤتمر قد «أرسى القاعدة» لإمكانية حوار في «سياق تنازعي» متوتر. وتؤكد المؤلفة في هذا السياق أيضاً ان مؤتمر مدريد قد «غيّر من «الطبيعة العامة للعلاقات» على المستوى الإقليمي. وتتمثل إحدى النقاط الأساسية التي تركز عليها مؤلفة هذا الكتاب في القول ان «الأولويات الإقليمية» لا يمكنها أن تكون السبب الحقيقي الوحيد الذي دفع باتجاه الدخول في مفاوضات للسلام، كان مؤتمر مدريد هو الخطوة الأولى فيها، وانما ربما أن أولوية بعض القوى الإقليمية المهمة كانت تتمثل في معارضة الدخول بأية مفاوضات مع الدولة العبرية. لذلك تؤكد داليا داسا كاي «على أن فهم أصول الشروع في المفاوضات متعددة الأطراف يتطلب بالضرورة البحث في نفوذ بعض الأطراف خارج المنطقة، وبالتحديد واشنطن». ويتم التركيز في هذا الإطار على دور «مجموعة صغيرة من النخبة النافذة في السياسة الأمريكية حيال الشرق الأوسط». هذه «المجموعة الصغيرة» ساهمت كثيراً في صياغة السياسة الأمريكية الشرق أوسطية وفي استمراريتها. وكان دفعها نحو سبيل للسلام تشترك فيه أطراف عديدة يقوم على أساس سلسلة من المصالح التي تسعى الى تحقيقها، وخاصة فكرة تقول: «إذا كان من المطلوب قبول اسرائيل كعضو فعّال طبيعي في المنطقة، فلا بد من الشروع في تأمين مساهمة أكبر عدد ممكن من بلدان المنطقة في مسيرة للسلام». هذا مع الإشارة الى انه كان من السهل أكثر الوصول الى تجمعات فرعية إقليمية، تكون أكثر تجانساً وأكثر قدرة على تجاوز نقاط الخلاف. وبهذا المعنى لم تكن «النخبة الأمريكية» المعنية تولي أهمية كبيرة لـ «مجموعات العمل» الاقليمية أو النتائج التي ستتوصل لها في النهاية. وإذا كانت تنظر الى أي «مشروع ملموس للتعاون»، بأنه قد يكون «مفيداً» فإن ما كان يهمها قبل كل شيء هو «دفع العرب الى قبول اسرائيل». وكان الأمريكيون يطمحون بصورة غير مباشرة الى ان يشجع المناخ الذي تخلقه المفاوضات متعددة الأطراف «نحو تحقيق اتفاقيات سلام ثنائية» والتي تشكل صميم ما كانت تسعى اليه السياسة الأمريكية. بناء على مثل هذا التحليل تناقش المؤلفة في أحد فصول كتابها ما تسميه بـ «الآثار الإيجابية» و«الآثار السلبية» للمفاوضات متعددة الأطراف. وتؤكد بهذا الصدد انه ومهما كان التطور الذي عرفته هذه المفاوضات والنتائج التي آلت إليها وما ترتب عليها من اتفاقات فإنه «ينبغي ألاّ تخفي حقيقة ان هذه المسيرة قد تم الشروع بها بدفع من افراد يتواجدون خارج المنطقة ولديهم رؤية خاصة عمّا ينبغي أن يكون عليه الشرق الأوسط المستقبلي». لكن بالمقابل أدّت المفاوضات، وخاصة ما يتعلق بعمل لجنة «الرقابة على التسلح والأمن الاقليمي» الى تحديد معايير جديدة للأمن «أعادت تعريف المشاكل الأمنية»، حسب تعبير المؤلفة التي أَضافت «وذلك بإيجاد قاموس جديد حول قضية الأمن» على قاعدة تشجيع «خيارات سياسية» جديدة بدت ممكنة وحيث تؤكد جميع الأطراف انها تؤيد الوصول الى سلام «عادل ودائم»، رغم الخلافات على شروط تحقيق مثل هذا السلام. وقد ناقشت المؤلفة بهذا الصدد مجموعة من التقارير والنتائج التي توصلت اليها «لجنة رقابة التسلح والأمن الاقليمي» واعتبرت ان من اهم هذه النتائج «كسر الحواجز النفسية وخرق المحرمات» بين اعداء خاضوا عدة حروب منذ قيام الدولة العبرية في المنطقة. وتبقى المشكلة ، او بالاحرى المعضلة الحقيقية في هذا الاطار هي تلك المتعلقة بالقدرات النووية الاسرائيلية إذ أن اسرائيل تمتلك السلاح النووي وترفض اخضاع تسلحها في هذا الميدان لأية منظمة دولية مختصة. وترى المؤلفة بأن هذه المسألة يمكن ان تنسف اية امكانية حقيقية للوصول الى الرقابة على التسلح في المنطقة ورغم النجاحات التي بدا ان اللجنة المعنية قد حققتها في عمرها القصير فإن «المسألة النووية بشكل خاص» شكلت عقبة كبيرة امام اي تقدم حقيقي على صعيد الحد من السلاح على المستوى الاقليمي؟ وبالتالي على المستوى الامني العام. وتحلل المؤلفة ضمن هذا الاطار الدور «المركزي» الذي لابد لمصر من ان تلعبه في اية عملية تخص الامن والتسلح في الشرق الاوسط. وتناقش المؤلفة على مدى نص كامل المسائل الاقتصادية التي لاحت في افق الشرق الاوسط اثناء فترة 1991 ـ 1996 وترى بأن العديد من الاطراف في المنطقة رأت في مسألة «التكامل الاقليمي» ورقة رابحة في «سياق اقتصادي دولي معدل» تقول المؤلفة: «لقد تم تشجيع نوع من التعاون الاقتصادي الاقليمي ليس لأن الاطراف المعنية كانت تريد بناء شرق اوسط جديد وإنما بالأحرى لانها كانت ترى بذلك وسيلة لزيادة قيمة المنطقة في الاقتصاد العالمي وفي استثمارات القطاع الخاص». تجدر الاشارة الى ان مؤلفة هذا الكتاب كرست اكثر من مئة صفحة في آخره لنشر عدد من الوثائق الخاصة بمفاوضات السلام خلال فترة 1991 ـ 1996 مثل «بيان الدار البيضاء لقمة الشرق الاوسط وشمال افريقيا الاقتصادية» عام 1994 وبيان عمان لنفس القمة عام 1995 ثم بيان القاهرة لعام 1996 و«بيان البحرين» عام 1994 حول «البيئة» و«نص معاهدة السلام بين الاردن واسرائيل» عام 1994... الخ. كتاب عن تاريخ خمس سنوات من المفاوضات في مسيرة للسلام بدأت في مؤتمر مدريد عام 1991 ثم تلكأت وتوقفت واقعيا.. لأن الدولة العبرية تريد ان تصيغ شرقا اوسط على قياسها ولخدمة مخططاتها... هذا ما يبدو من تحليلات هذا الكتاب ولكن بتعابير اخرى.