بيان الكتب: «مارك مازوير»، مؤلف هذا الكتاب هو استاذ التاريخ في معهد «بيرك بيك» بلندن. وكان قد مارس مهنة التعليم في جامعتي «سوسيكس» و«براينستون». ويقوم المؤلف بشكل منتظم بتقديم «قراءات» للكتب ، في «مجلة لندن للكتب» وفي مجلة «تي. ال. اس» المختصة في هذا الميدان ايضا. له العديد من المؤلفات من بينها: «اليونان في ظل حكم هتلر: «تجربة الاحتلال 1941 ـ 1944» و«القارة السوداء» «اوروبا في القرن العشرين»... الخ. اهتم مؤلف هذا الكتاب بمنطقة البلقان واصدر عددا من الدراسات عنها. وهو يقدم في هذا العمل «البلقان» رؤيته للاسباب التاريخية والاقتصادية والسياسية التي جعلت ولاتزال تجعل من هذه المنطقة من اوروبا نقطة توتر شبه مستمر. ويبدو بوضوح منذ الفصل الاول في هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «اليابسة وقاطنوها» تأثر المؤرخ بمدرسة «الحوليات» او المدرسة الفرنسية الجديدة لقراءة التاريخ، حيث ان المؤلف اختار ان يضع في صدارة هذا الفصل جملة للمؤرخ الفرنسي، وأحد مؤسسي مدرسة الحوليات، فرناند بروديل، جاء فيها: «الجبال تأتي اولا». ان الدراسات الجيولوجية قد اظهرت اليات تشكل المناطق الجبلية في شمال حوض البحر المتوسط منذ ملايين السنوات، وحيث ان هذه الجبال لم تكن مجرد معطيات جيولوجية وجغرافية دائما ايضا لعبت دوراً في تاريخ البلدان بالمنطقة كلها، وهكذا يدرس المؤلف دور العوامل الطبيعية من جبال ووديان وغيرها كي يصل الى نتيجة مفادها ان الموقع الجغرافي لمنطقة البلقان جعلها تاريخياً «سهلة المنال» من جهتي الشرق والشمال. ان مثل هذا الرأي يشكل مقدمة لتبرير امتداد الامبراطورية العثمانية الى هذه المنطقة بقدر كبير من «السهولة» ومما شكل احد المعطيات الاساسية في التوجه المستقبلي لتاريخ البلقان. وكان الوجود البيزنطي ايضا معطى اخر فعل، ومازال يفعل، في تاريخ المنطقة. وكان تعبير «البلقان» يطلق قبل عدة قرون من الزمن على سلسلة الجبال التي يعبرها المسافرون من اوروبا الغربية الى القسطنطينية عبر وسط اوروبا. وكانت الجيوش الروسية قد زحفت نحو القسطنطينية عبر هذه المنطقة عام 1829 ثم كررت الامر في جولة اخرى عام 1877. وكانت عملية «عبور البلقان» في صميم الكثير من القصص الشعبية الخاصة بالحرب الروسية ـ التركية. وشيئاً فشيئاً اخذت المناطق التركية (العثمانية) في اوروبا تسمية «البلقان» حيث تحدث عدد من «المكتشفين» الفرنسيين عن «تركيا الاوروبية عام 1840». ومنذ نهايات القرن التاسع عشر بدأت المعالم «الجغرافية» للتواجد السكاني على اساس اثني وديني تتوضح اكثر فأكثر، كما بدأت «التمايزات السياسية على هذا الاساس» تبرز اكثر فأكثر. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق الاثار المباشرة التي كانت للثورة الفرنسية في تكوين البنى الاولى لبعض الحركات «الوطنية» التي رفعت منذ فترة بعيدة شعارات «المواطنة» بغض النظر عن الانتماءات الاثنية او العقائدية. وشهدت بعض التجارب تعميم استخدام منظومات ذات طبيعة «جمهورية» ولعبت اليونان في هذا السياق دوراً كبيراً حيث اصبحت اللغة اليونانية هي لغة «التعليم» و«الحكم» ايضا. ويشير المؤرخ البريطاني «و. ا. فريمان» بأن «جميع الارثوذكسيين في منطقة البلقان» كانوا يعتبرون انفسهم في عام 1877 بمثابة «يونانيين». ومع تضاؤل قوة الامبراطورية العثمانية التي كانت قد اصبحت منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بمثابة «الرجل المريض» الذي تتطلع القوى الغربية الصاعدة الى اقتسام ارثه كما حدث فعلا عند نهاية الحرب العالمية الاولى، تنامت النزعة القومية «السلافية» وذلك في منظور ملء الفراغ الذي قد يتركه الاتراك. وارتسم في الافق ضمن المعطيات الجديدة، منظور تقسيم النفوذ في المنطقة بين «الدولة اليونانية»، و«الفيدرالية السلافية في جنوب البلقان». ان مؤلف هذا الكتاب يؤكد في تحليلاته بأن «تركيا كانت في الموقع الجغرافي الافضل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في اوروبا ـ البلقان.. لكن ايامها كانت قد اصبحت معدودة اعتباراً من عام 1880».. كما يرى بأن الملامح الاولى لقيام بعض الدول في المنطقة مثل اليونان وبلغاريا وصربيا ورومانيا والجبل الاسود كانت قد بدأت بالتشكل شيئاً فشيئا خلال القرن التاسع عشر وبدت بمثابة «الدول» المرشحة لخلافة الوجود العثماني في اوروبا. وشاع منذ بداية جولات المفاوضات الدبلوماسية خلال العقدين الاخيرين من القرن التاسع عشر والعقد الاول من القرن العشرين استخدام تعبير «البلقان» في كتابات الصحفيين و«الرحالة» الغربيين الذي ازداد ايقاع زياراتهم للمنطقة. وكان قيام «حرب البلقان الاولى عام 1912» بمثابة الايذان الفعلي لنهاية الوجود التركي فيها ونهاية «الدور التركي في اوروبا». وبالوقت نفسه اخذ تعبير «المسألة الشرقية» مضموناً ودلالات جديدة، كما أخذت مناطق التواجد التركي السابق في المنطقة تسمية «شبه جزيرة البلقان» او «البلقان» فقط. وعلى قاعدة المسار التاريخي المضطرب الذي عرفته هذه المنطقة من العالم خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بشكل خاص اصبح تعبير البلقان ذا «وقع سلبي» ومرادف، الى هذه الدرجة او تلك، للعنف، البدائية والتخلف وبأنه يدل على بؤرة التوتر الحقيقية في اوروبا. وقد جاءت الوقائع التي شهدها القرن العشرون وخاصة الحربين الكونيتين الاولى والثانية كي تؤكد مثل هذه المقولة، اذ ان الشرارة الاولى فيهما انطلقت فعليا من منطقة البلقان.. مهما كانت القوى الحقيقية التي «أشعلت» تلك الشرارة. ويبحث المؤلف في احد فصول هذا الكتاب في الآليات التي أدت منذ بدايات القرن العشرين الى تنامي ظواهر الارهاب والعنف كما دلت الممارسات التي شهدتها كل من مقدونيا وصربيا مما ادى الى بروز ظاهرة اخرى تمثلت في نزوح اللاجئين بأعداد كبيرة عن ديارهم وحيث يقدم المؤلف رقم مليوني نسمة كعدد اولئك الذين اخذوا طريق النزوح عن ديارهم في عام 1922 حيث كانت المانيا وايطاليا تمثلان الوجهتين الرئيسيتين للاجئين منذ تلك الفترة. كما ان منطقة البلقان اصبحت في منطقة ما بين الحربين العالميتين احدى «بؤر الفساد والجريمة» الاكثر شهرة في العالم. ومن هنا يتم فهم السبب الذي دعا الروائية الشهيرة «اجاثا كريستي» تختار بعض ابطال رواياتها البوليسية من الذين ينتمون الى اصول «بلقانية» مثل روايتها «سر المداخن» التي نشرتها عام 1925. وغدت منطقة البلقان في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما ساد من اجواء الحرب الباردة احد المناطق التي اولاها الغربيون، وعلى رأسهم الامريكيون، اهتماما خاصا وذلك على اساس انها تشكل الحد الفاصل بين اليونان واوروبا الغربية من جهة وبلدان الكتلة الشيوعية الاوروبية الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي ـ السابق. لقد كانت البلقان بمثابة الحد الفاصل، بل و«الحاجز» الذي يصعب اختراقه وخاصة بالنسبة للحالة الالبانية. في الفصل الاخير من هذا الكتاب الذي يحمل عنوان: «بناء الدول ـ الامم» يحلل مؤلف هذا الكتاب الاسباب التي ادت الى انفجار حالة العنف من جديد اثر انهيار المنظومة الشيوعية وحيث ان البحث عن انشاء «دول ـ امم» مثل الى حد كبير عودة الى تاريخ القرن التاسع عشر وذلك في وقت بدا فيه مفهوم «الدولة ـ الامة» نفسه مطروحاً للنقاش في اطار «العولمة» والنظام الدولي الجديد. كما ان المؤلف يرى في المسار التطوري الذي تشهده اوروبا الغربية ـ بما في ذلك اليونان ـ نحو اقامة الاتحاد الاوروبي الذي اصبح حقيقة واقعة يشكل، هو الاخر، تحدياً جدياً امام «الافكار القديمة» لاسيما وان «تبدلات اقتصادية ـ اجتماعية» كبيرة تشهدها مجتمعات المنطقة ولابد من ان يكون لها تأثيرها على «السياسات والتوجهات المحلية». كتاب يلقي اضواء جديدة على تاريخ البلقان.. وآفاق مساراته المستقبلية على ضوء الماضي.