بيان الكتب: ـ جاك ماذا تفعل في النهار؟ ـ انتظـر الليـل! جاك صاحب هذه الاجابة هو جاك بريل المغني البلجيكي الاصل واحد اشهر فناني القرن العشرين اذا لم يكن اشهرهم، اما السائل فهو بول روبير توما مؤلف هذا الكتاب: الطبيب،، الذي عاش في تاهيتي خلال عقد السبعينيات في القرن الماضي «العشرين» وتعرف هناك على جاك بريل لتربط بينهما صداقة وثيقة سبق لمؤلف هذا الكتاب ان تنشر عدة كتب في الطب وخاصة في ميدان التغذية الصحيحة ومحاربة السمنة وكتاب بعنوان «بورا بورا، اجمل جزيرة في العالم». يقول بول ـ روبير توما عن الامسيات التي كانت تجمعه مع جاك بريل في جزيرة تاهيتي حيث كان بريل قد تعود ان يحل ضيفاً على صديقه خلال اقاماته الطويلة في الجزيرة: ساد بيننا مع مرور الامسيات نوعاً من الطقوس اذا ماكنا نصبح وحدنا، جاك بريل وانا حتى نبدأ احاديثنا حول طاولة صغيرة حيث كان جاك يحرص على سماع الموسيقى ونتطرق الى شتى المواضيع دون اي برنامج مسبق. ان تلك الاحاديث الليلية تشكل المادة الاساسية لهذا الكتاب وترتسم من خلالها صورة فيها الكثير من الجدة لذلك الفنان الكبير الذي شكل ظاهرة في عصره اذ يبدو مزيجاً من التمرد والاثارة والحياء وحرية الفكر وحب الحياة. ان بريل يتحدث هنا عن اشياء الحياة الصغيرة والكبيرة، عن الطب والمطبخ والموسيقى والنساء.. ولكن ايضا عن الموت وانما دون تسميته. السمة الاساسية التي يؤكد عليها بريل في احاديثه المسائية مع صديقه مولف هذا الكتاب انما تتمثل في حبه للحياة دون الاهتمام بما سيقال عنه بعد موته، وينقل عنه «بول ـ روبير توما» قوله ذات يوم في تاهيتي خلال عام 1976 ما يلي: انكم لن تقولوا شيئا عن حياتي طالما انا حي! لكن عندما اموت قد يكون لي موطيء قدم صغير في التاريخ وعندها تستطيعون قول كل شيء تريدونه فحقيقة التاريخ تستحق ان تروى. لقد مرت سنوات طويلة على رحيل جاك بريل وليس مجرد صدفة ان تكون عملية استطلاع للرأي العام قد اجرت قبل فترة وجيزة اظهرت بأنه اكثر الذين كان لهم اثراً في القرن الذي عاشوا فيه ـ القرن العشرين ـ وبأن اغنيته الشهيرة لا تتركيني قد اختيرت بنسختيها الفرنسية والانجليزية «اغنية القرن» لقد غنى جاك بريل له ولنا ولقوة الضعف الحياة الانسانية بكل ما فيها من رقة وتمرد. اذا كان جاك بريل ينتمي الى بلجيكا كما تدل قيود الاحوال المدنية فإن «بلده الحقيقي هو رحيله المستمر». وكان بريل كما يقدمه مؤلف هذا الكتاب عاشقا لليل ومأخوذا بسحره وعنوان هذا العمل يدل على ذلك. لكنه كان يمضي نهاره ايضا في ممارسة العديد من النشاطات وعلى رأسها هواية قيادة الطائرة وايضا في قضاء حاجات الحياة اليومية كالاهتمام بشراء مواد قوائم الطعام وخاصة شراء الكتب التي كان يحبها كثيراً ويمضي ساعات طويلة في القراءة وفي المساء كان يغير ايقاع حياته بل وكلامه اذا لم يكن يعرف كبت انفعالاته وافكاره وانما يستمتع ايضا بما يقوله الآخرون ويناقشه. ان الصورة التي يرسمها مؤلف هذا الكتاب لـ«جاك بريل» تتجاوز كثيراً حدود المغني لتعرف معالمها من عالم الفن العميق وفلسفة الحياة، كان شاهداً على العالم الذي يعيش فيه ومحامي اتهام ايضا له، لقد حلم جاك بريل دائما ان يكون جراحاً لكنه كان يردد باستمرار ان لست سوى مجرد مغني. هذا الكتاب هو في الواقع مسيرة حياة «مزدوجة» لجاك بريل ولكن للمؤلف ايضا الذي يكرس عددا من الصفحات للحديث عن تلك السنوات التي عاشها في منطقة الاوراس بالجزائر حيث كان قد ولد وعاش سنوات طفولته ومراهقته الاولى حتى سن السابعة عشرة لقد انتقل بعد حصول الجزائر على استقلالها للعيش في فرنسا لدراسة الطب وحيث اسمعه احد اصدقائه اغنية لـ «جاك بريل» للمرة الاولى وكانت الصدمة: اذا لم اكن اتصور بأنه يمكن لاغنيته ان تثير هذا القدر من الاضطراب والانفعال الداخلي وان مغنيا يمكن ان ينقل هذه الشحنة من الحياة والعواطف، كان اللقاء عاصفاً واخذ طالب الطب بول روبير توما يبحث عن اقتناء كل ما يتعلق بجاك بريل من اسطوانات وصور ومقابلات صحفية.. الخ. بل وقرر الغناء حيث اصبح يتردد على الغابات المحيطة بمكان اقامته للدراسة في منطقة «الفوج» الفرنسية الجبلية في «متحف قوة صوته». لقد فهمت يومها بأن الاغنية الكلمة يمكنها ان تحمل قدراً كبيراً من الطاقة والرغبة والحياة، يقول المؤلف ويضيف في موقع آخر لقد نقل بريل لي فيروسا لم اشف منه ابداً. وكان اللقاء الاول الحقيقي بين المؤلف والمغني في احد المطاعم بعد ان كان طالب الطب قد قدم له ذات يوم بعض النصوص كمشاريع لاغنيات اثارت اهتمام بريل الذي قال له في نهاية اللقاء: «عندما كنت شاباً كنت اريد ان اصبح جراحاً، ان مهنتك رائعة.. اما انا فلا افعل سوى تسلية الآخرين. لكن لا تتوقف عن الكتابة اذا انها مفيدة لا ان الكتابة تشكل املاً للانسان يا من يفهم نفسه اكثر. وعندما تحس بالتعب خذ ورقة او ردد اغنية وهكذا تستيقظ وتنتعش. وكان اللقاء الثاني الذي قررته الصدفة في احد مطاعم جزيرة جوادلوب حيث كان المؤلف قد اصبح طبيبا وكان بريل قد جاء لإمضاء بعض الوقت كعادته بادر بريل بالقول: اعتقد اننا كنا قد تعارفنا من قبل وانضم الطبيب المؤلف الى طاولة المغني بعد العشاء لاستكمال الحديث وعندما اخبره الطبيب بأنه بصدد القيام بجولة حول العالم اكتفى بريل بالقول: اننا تائهان متشردان، وبعد ثلاث سنوات وبعد ان كان الطبيب بول روبير توما فتح عيادة في جزيرة تاهيتي وجد امامه ذات يوم جاك بريل الذي كان برفقته مادلي رفيقة عمره لسنوات جرى الحديث طويلاً حول الأوضاع الصحية السائدة حيث كانت قد أصبحت المكان المفضل لإقامة جاك بريل بل غدت بمثابة بلاده وبالتالي يثير أي شيء يتعلق بها اهتمامه وكان الموعد في اليوم التالي لتناول الطعام على مائدة الطبيب، وحيث تحدث بريل طويلاً يومها عن «المطبخ» و«الصداقة» و «الليل» وقال: «ان المطبخ بمثابة مختبر للحنان». كان «جاك بريل» يخشى النهار لأن الآخرين يحاصرونك كثيراً بوجودهم الضاغط أحياناً أما الليل فهو عالم آخر يتنفس باسترخاء حيث تأخذ الموسيقى والكلمات ألوانها الحقيقية وحتى البشر يتغيرون وتتكاثر الأحلام في عيونهم وقلوبهم ثم انهم يمتلكون قدراً أكبر من الشجاعة للتغلب على مخاوفهم انهم يبدون أكثر إخلاصاً. الانسان، واضح في الليل ثم هناك النوم .. الهرب إلى النوم، وهكذا قال بريل في حديثه ذات مساء مع صديقه المؤلف، ثم أضاف: ان الليل رطب وطري كجلد امرأة وكيد صديق وكطائرة تقلك نحو عالم لا نهائي. انها لحظة سحرية ينبغي عدم تركها تتسلل بين الأصابع، الليل هو جزء من جوهر الحياة، ان مثل هذه الأقوال ـ القصائد حول الليل تتكرر عشرات المرات في الأحاديث المتبادلة مع مؤلف هذا الكتاب، وفي الأماسي الطويلة التي أمضياها معا تحت سماء تاهيتي الصافية وقمرها المتلألئ ومن أكثر الكلمات التي كانت تتردد على شفاه بريل حول الليل الجملة التالية التي تتكرر بصيغ مختلفة والقائلة: «النهار هو قناة صغيرة، أما الليل فهو ساقية كبيرة، في النهار ننتظر أما في الليل فننفعل» وكان يطيب دائماً لجاك بريل ان يجد ويسوق مرجعياته عن الليل لدى كبار الكتاب والمبدعين من أمثال الشاعر الكبير «فيكتور هوجو» الذي قال ان الانسان يبحث فيه ـ أي الليل عن أجنحة» أو «بيير لوتي» الذي تحدث طويلاً عن «قبلات الليل» والشاعر لامارتين و «أرواحه» التي «تبارك الليل» كما ان رواية «الطيران الليلي» للكاتب الطيار «انطوان دوسانت اكزوبوري» مؤلف رواية «الأمير الصغير» أيضاً أحد أهم الأعمال الأدبية التي تدغدغ أحلام جاك بريل، وضمن هذا الاطار أيضاً نظر إلى موسيقى العازف الكبير «شوبان» على انها تنتمي بالأحرى إلى الليل. وإذا كان «بريل» قد أحب الليل فإنه أعرب دائماً عن إعجابه بالقمر الذي وصفه الشاعر اليوناني القديم «ايشيل» بالقول «القمر هو عيون الليل» كما أعرب عن اعجابه بـ «سماء الليل» التي تزينها الاف المنظومات من النجوم، وذلك على عكس سماء النهار ذات الزرقة الفارغة الباهتة، بل وتحدث بريل وذات مرة عن «حماقة» زهور دوار الشمس، لأنها تبالغ في تبعيتها لأشعة الشمس، الأشياء أيضاً لها «حماقاتها» وليس البشر فقط، كما يرى بريل ان الحماقات تعني بالنسبة له «غياب القلق الانساني» و «نقص الرغبة» والعيش وراء مقولات عامة ـ كليشيهات ـ متداولة عامة. المهم بالنسبة له ان يعتقد الانسان فعلاً بما يقوله: وهو قال ما «يناقضه» بعد فترة بناء على اعتقاد آخر. وعن الموسيقى التي عاشت باستمرار في دمه يقول بريل بأن أفضل جو لها هو «صمت» الليل إذ ينبغي على الصمت ان ينصت للموسيقى، كما على الموسيقى ان تعرف كيف تصغي للصمت» كما كان يردد باستمرار وكان يرى أيضاً الصمت يردد أغنيته الخاصة بين الموسيقى والكلمات وبالتالي ينبغي لكل جملة ان تكون بمثابة حركة انسيابية فوق بحر من الصمت، ولعله من غير المبالغة القول بأن الاغنيات التي كتبها جاك بريل والبالغة حوالي مئتي أغنية كانت كلها بمثابة «حديث مستمر بين الانتظار والصمت. ـ جاك ماذا تفعل في النهار؟ ـ أنتظر الليل. هذا ما جاء في حديث بين جاك بريل ومؤلف هذا الكتاب ـ الذكريات عن صاحب أغنية القرن «لا تتركيني» ne me quitte pas او If you go away بالفرنسية والانجليزية. «الحياة موت معلن» قال ذات يوم جاك بريل.