بيان الكتب: «لوري جاريت» مؤلفة هذا الكتاب هي صحفية أمريكية متخصصة في الكتابة بمجال الشئون الصحية والعلمية، ولها الكثير من المساهمات في العديد من الصحف والدوريات العلمية والطبية المتخصصة، وتعتبر الصحفية الوحيدة التي حصلت، على أكبر أربع جوائز في ميدان الصحافة الأمريكية، أي جائزة بوليتزر، وجائزة جورج فوستر، وجائزة جورج بولك، إلى جانب تكريمها ثلاث مرات من قبل نادي الصحافة الأمريكي، وكانت مجلة «نيويورك تايمز» للكتب قد اعتبرت كتابها «الوباء القادم» بمثابة أحد أفضل الأعمال خلال عام 1994، كما وجد هذا الكتاب مكانه في قائمة الكتب الاكثر انتشاراً في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 1995. يتناول هذا الكتاب «خيانة الأمانة» أحد أبرز القضايا المثارة حالياً في معظم أرجاء العالم، أي قضية «الصحة العامة» وذلك على قاعدة التساؤل عما إذا كانت النظم الصحية المطبقة على الصعيد الحكومي تشكل أحد الأسباب المؤدية إلى تفاقم الأوضاع الصحية في بلادها. ويعتبر هذا العمل الجديد لـ «لوري جاريت» بمثابة استكمال واستمرارية لما كانت قد عالجته في كتابها السابق «الطاعون القادم» والذي تحدثت فيه عن الأمراض الخطيرة التي تهدد البشرية في العهد الحديث وثورة التكنولوجيا المعلوماتية وحيث كانت قد كرست اهتماماً خاصاً لمعالجة موضوع مرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز» وقد طالبها العديدون بعد النجاح الكبير الذي عرفه كتابها «الطاعون القادم» بالاستمرار في البحث بهذا الميدان بقصد المساهمة في إمكانية ايجاد حلول للمسألة الجوهرية المتعلقة بصحة الانسان، ومن هنا شرعت في بذل الجهود لمحاولة فهم معنى «الصحة العامة» ووسائل تحقيقها والأهداف التي يسعى إليها واضعو سياساتها ومدى فشلهم أو نجاحهم. وإذا كانت المؤلفة قد انطلقت في تحليلاتها من المحيط الذي تعيش فيه أي مدينة نيويورك، والذي انصب عليه اهتمامها المباشر، فإنها وسّعت مجال اهتمامها باتجاه بلدان أخرى مثل الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الغربية والشرقية والقارة الأفريقية وشبه القارة الهندية، وحيث قامت برحلة «ميدانية» استكشافية استغرقت عدة أشهر. وتناقش «لوري جاريت» في سياق بحثها الأولويات التي تبنتها بعض البلدان حيث تبين لها بأنه في الكثير من الحالات يتم البحث عن تحقيق تقدم اقتصادي أو تفوق عسكري على قاعدة إهمال الشئون المتعلقة بالصحة العامة، وتضرب المثال على ذلك في الحالة الهندية حيث تحرص الحكومة على الاغداق بسخاء على إنتاج السلاح النووي والأعتدة الحربية المختلفة، مما يؤدي إلى حرمان ملايين المواطنين من الرعاية الصحية الضرورية، هذا إلى درجة ان هذا البلد العريق لا يزال يفتقر في ختام القرن العشرين على بنية أساسية حقيقية للصحة العامة. وتورد المؤلفة في هذا السياق حقائق رهيبة حيث تقول ان اكثر من مئتي مليون هندي كانوا يأوون إلى فراشهم عام 1997 وهم يعانون من الجوع، أي ما يعني اعتلال صحتهم بسبب سوء التغذية، وبنفس الوضع بالنسبة إلى 164 مليون صيني و 25 مليون باكستاني و 15 مليون برازيلي وما يزيد على ثلث مجمل سكان القارة الأفريقية السوداء، وتستشهد المؤلفة على سوء الأحوال الصحية في الهند بانتشار أحد أمراض الحميات عام 1994، مما أثار ذعراً كبيراً بين أوساط السكان اثر انتشار ذلك المرض بسرعة مخيفة مما دفع معظم الأطباء إلى الهرب خارج المناطق الموبوءة تاركين عياداتهم الخاصة بحثاً عن النجاة بأنفسهم، في حين واجه المرضى مصيرهم المحتوم. ومع انتشار الشائعات مثل النار في الهشيم عن وجود وباء قاتل بادر معظم افراد الطبقات الوسطى التي تمتلك امكانيات مادية متواضعة بالفرار أيضاً، وشملت موجة الفرار أيضاً أعداداً من العمال المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية كبنجلاديش ونيبال وهم يحملون معهم جراثيم المرض، وبدت الحكومات المعنية وكأنها لا تمتلك أية خطط فعلية للتصدي لذلك الوباء أو أية خطط استراتيجية لمواجهة أمراض من هذا النوع، ومما زاد الطين بلة ان وزير الصحة الهندي آنذاك لم يكن سوى رجل أعمال سبق ان وجهت له اتهامات مالية، أمام ذلك الوضع شهد العالم تحركاً طفيفاً، وبدأت منظمة الصحة العالمية بذل الجهود في محاولة للتدخل بقصد انقاذ ما يمكن انقاذه، وطالبت الحكومة الهندية بإجراء تحسينات جذرية على نظامها الصحي، وبناها الصحية الأساسية على مستوى إنتاج الدواء بشكل خاص مع القيام بدراسات جادة لمعرفة أسباب الأمراض الخطيرة التي تتعرض لها شبه القارة الهندية. لقد انتهت الأزمة الهندية الصحية الخطيرة تلك بعد قدر كبير من المعاناة والخسائر الفادحة، وكان الدرس الأساسي الذي نجم عن ذلك يتمثل في إثبات ان سوء التغذية ونقص الامكانات الطبية والقلق والارتباك المترتبين على الشائعات ـ حتى في الأوساط الطبية ذاتها ـ هي بمثابة عوامل تؤدي إلى انعدام القدرة للسيطرة على الأوبئة التي ربما يكون علاجها أبسط مما يتصوره الكثيرون. ومن الهند «تنتقل» المؤلفة إلى الكونغو حيث ترى ان الخلل الكبير في النظام الصحي يعود إلى الفساد، حيث إن هذه البلاد وبعد ان عرفت العديد من الأمراض وعايشت مختلف أشكال الموت في ظل دكتاتورها السابق موبوتو تجد نفسها مرة أخرى في مواجهة أوبئة جديدة تقضي في غضون ساعات قليلة على أعداد كبيرة من الشباب والأطفال إلى درجة اعتقاد البعض بأن هذا النوع من الأمراض تتسبب فيه أعمال السحر في حين يرى عدد آخر من الأفارقة عقاباً من السماء بسبب الخطايا التي يرتكبها البشر، وتستعرض المؤلفة في هذا السياق تاريخ الكونغو تحت الاحتلال البلجيكي ثم بعد الاستقلال وبروز زعيم وطني هو باتريس لومومبا تم اغتياله بمؤامرة شاركت فيها المخابرات الأمريكية كي يتولى موبوتو السلطة بعده. وقد قام هذا الدكتاتور بنهب ثروات البلاد حتى ان حجم ثروته الشخصية تساوى مع حجم الديون الخارجية للبلاد أي ما يوازي 5 مليارات دولار. وكانت الكونغو قد شهدت عام 1995 وباءً كبيراً بعد 19 عاماً من تبني مشروع نظام صحي ظل حبراً على ورق، وفي سياق أزمة مالية متفاقمة بسبب نهب البلاد وأدى سوء الأحوال الصحية إلى إغلاق أهم مراكز البحث المختص بمرض فقدان المناعة المكتسبة «الايدز» في أفريقيا منذ عام 1991 ولم يتلق العاملون في المؤسسات الطبية رواتبهم مما دفعهم إلى بيع المعدات الطبية العامة لتأمين إعالة أسرهم، ولم يكن الوباء المذكور خطيراً إلى درجة قتله آلاف المواطنين لولا وجود حالة متقدمة من التردي الصحي وانعدام أبسط الامكانات الطبية في ظل الفساد وعمليات الاختلاس الجارية، أما تدخل المنظمات الدولية فقد جاء متأخراً وقد كان على رأسها الصليب الأحمر، ومنظمة «أطباء بلا حدود» لكن العمل الأول الذي قامت به هذه المنظمات كان إعداد الحفر الجماعية لدفن الضحايا بسرعة حتى لا يزداد انتشار الوباء، وفي الواقع استهلكت المنظمات المعنية كل ما لديها من عقاقير وأمصال بسرعة كبيرة وكانت تحتاج أيضاً لما هو أبسط، أي الماء النقي والمطهرات والقفازات الطبية، باختصار كان الفساد وسرقة الأموال العامة والإهمال في صميم استفحال الأوبئة في الكونغو ووقوع آلاف الضحايا. ومن أعماق القارة الافريقية تنتقل المؤلفة لمعالجة حالة الاتحاد السوفييتي السابق حيث تعلن دون أي تردد بأن نظامه الصحي كان أهم المفاخر التي يمكنه الاعتزاز بها إذ ومن خلال سلسلة من الخطط الخمسية المتتالية، استطاع السوفييت والدول التي كانت تدور في فلكه في أوروبا الشرقية من تحقيق النصر تلو النصر على العديد من الأمراض واستطاعت روسيا ان ترفع معدل متوسط العمر المتوقع من 38 سنة للرجال في فترة ما قبل الثورة البلشفية عام 1917 إلى 65 سنة، كما انخفض معدل وفيات الأطفال من 250 في الألف إلى 20 في الألف عام 1970، كما كان الاتحاد السوفييتي يمتلك أكبر عدد من المستشفيات في العالم، والأطباء أيضاً بالنسبة لمجموع عدد السكان، لذلك أصيب الكثيرون بالصدمة عندما ظهرت فجأة عدة أوبئة في بلدان العالم الشيوعي السابق بعد عام واحد من انهيار الاتحاد السوفييتي، لقد انتشرت أمراض الكوليرا والتيفوئيد وشلل الأطفال وكثرت حالات الاصابة بفيروس «الايدز» كذلك تكاثرت حالات ادمان المخدرات وتعاطي الكحول، وارتفعت نسبة المنتحرين، بنفس الوقت تراجعت معدلات متوسط العمر المتوقع بشكل ملحوظ بحيث يمكن القول بأن النظام الصحي اصبح يعاني حالة من الفوضى لا تتناسب مع الشهرة التي كان النظام السابق يتمتع بها. النتيجة المباشرة لهذا الوضع تمثلت في واقع ان توقعات العلماء السوفييت لم تعد قابلة للتحقيق، إذ بعد ان كانت التقديرات تشير إلى ان عدد السكان في روسيا وحدها سيصل عام 2000 إلى 160 مليون نسمة فإن التطورات الأخيرة تشير إلى ان هذا العدد سيتراوح في عام 2010 بين 126 مليوناً و 140 مليون نسمة فقط، واعتبر العديد من الاكاديميين الروس بأن مثل هذا التدهور يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي للبلاد، وأرجع البعض أسباب هذا التراجع الملموس في الخدمات الصحية إلى ارتفاع أجور الأطباء وعدم حصول المراكز الطبية على الأموال المخصصة لها من قبل الحكومات، هذا في الوقت الذي يتضاءل فيه دخل الفرد. وتشير الاحصائيات في عام 1995 إلى ان حوالي ثلث سكان روسيا يعيشون في مستوى دون «عتبة» الفقر، ان الحكومة الروسية كانت قد حصلت على العديد من المساعدات والقروض من مصادر عديدة حكومية أو مؤسسات مالية دولية وكان من المفروض ان يؤدي ذلك إلى اصلاح بعض القصور في عدد من المجالات ومن بينها، بل وعلى رأسها مجال الصحة العامة والخدمات الطبية، لكن معظم هذه الأموال ذهبت إلى حسابات خاصة تشير المؤلفة في مقدمة هذه الحسابات إلى الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين وبطانته، وتشير احصائيات إلى ان 50% من نزلاء السجون الروسية مصابون بداء السل الذي يفترض ان يكون على وشك الاختفاء من خريطة الأمراض في العالم. وتربط المؤلفة في نهاية تحليلها للحالة الروسية بين النجاح أو الفشل في ميدان الصحة العامة وبين الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة، هنا يجري الحديث أيضاً عن الفساد وغياب القانون وعدم توفر المتخصصين الذين غادر معظمهم البلاد. ولم تغفل «لوري جاريت» الحديث عن النظام الصحي في بلادها، الولايات المتحدة الأمريكية وترى بأن مطلع القرن الحادي والعشرين قد شهد انحداراً كبيراً في مستوى كفاءة هذا النظام الذي يذهب البعض إلى حد إنكار وجوده أصلاً، وما يدعو للدهشة ان يجد المرء في نهاية عقد التسعينيات الماضي وما عرفته من ازدهار في الوضع الاقتصادي الأمريكي، ان عددا من المشاكل والأزمات موجودة أيضاً في النظام الصحي للولايات المتحدة الأمريكية، فبعد ان كانت البلاد هي الرائدة في العالم خلال عقد الثمانينيات، بمجال الصحة العامة والاهتمام بها أصبحت في التسعينيات لا تعير الجوانب الأساسية للصحة العامة الاهتمام المطلوب. وكانت المستشفيات الأمريكية، كما يبدو من خلال عرض المؤلفة لتاريخيتها، في بداياتها معبراً يؤدي إلى وفاة العديد من نزلائها، بل كان من النادر ان يخرج منها مريض في حالة أفضل من الحالة التي كان قد دخل فيها، لكن أواخر القرن التاسع عشر شهدت تحسناً ملموساً على صعيد الخدمات الصحية أدى إلى تراجع واضح في معدل الوفيات، وبعد مرور قرن من الزمان تدهور المستوى مرة أخرى وأصبحت المستشفيات الأمريكية بأغلبيتها بمثابة المكان الذي تتفاقم فيه معاناة المرضى الذين يدخلونها وقد يصابون في أروقتها بأمراض جديدة وتثبت احصائيات عام 1997 أي نسبة 10% من المرضى الذين قضوا أكثر من ليلة واحدة بأحد المستشفيات الأمريكية قد أصيبوا بأمراض أخرى غير تلك التي كانوا قد دخلوا لعلاجها بسبب التلوث أو انتقال العدوى لهم من التجهيزات والمعدات أو ربما عن طريق القائمين على علاجهم. وتستطرد المؤلفة في تحليلاتها حيث تتعرض للوضع الصحي في مدينة نيويورك التي تنفرد، ولسبب غير معروف بوجود أكبر معدل للوفيات فيها بالقياس إلى سائر المناطق الأمريكية الأخرى، ولعل هذا يعود إلى واقع ان ربع السكان يعيشون تحت خط الفقر وان ما يزيد على 1.3 مليون نسمة من سكانها لا يتمتعون بأي تأمين صحي. ان العالم يقف اليوم «مشدوهاً» أمام قوة الولايات المتحدة الأمريكية وعظمتها ولكنه لا يستطيع ان يفهم كيف ان هذا البلد القوي غير قادر حتى الآن على انشاء نظام صحي سليم يجعل المستشفيات الأمريكية أكثر فاعلية بحيث يخرج المرضى منها أكثر صحة بعيداً عن أية امكانية للاصابة بأمراض أخرى. «الصحة العامة في الميزان» و «كتاب عظيم» كما وصفته الـ «واشنطن بوست».