بيان الكتب: في خطوة لافتة لدار الأهالي بدمشق، أنها كلّفت مجموعة من الباحثين المتميزين برؤيتهم النقدية والمنهجية لإصدار سلسلة لأعلام الثقافة العربية الإسلامية، وكان من هذه السلسلة كتاب الباحث المجتهد محمد جمال باروت،« الجاحظ مؤسس البيان العربي» سعى من خلاله إلى إعادة بناء سيرة الجاحظ التي تضاربت فيها الآراء، بمنهجية تحليلية جديدة، ركّزت على الإضاءة المتبادلة ما بين الشخصية وعصرها، ونعتقد أنها محاولة ضرورية لفهم الرجل من جهة، وفهم نتاجه الفكري أيضاً. يؤكّد الباحث في مطلع كتابه أن الجاحظ الذي عاش قرابة قرن كامل 755 ـ 866 م، هو قرن ازدهار الدولة العباسية، والقرن العظيم في الحضارة العربية الإسلامية، قرن التدوين الذي وضعت فيه الأسس الإبيستمولوجية، أو العلومية للعلوم العربية الإسلامية. وبالتالي فإن قراءة سيرة الجاحظ لابدّ وأن تنطلق من هذا القرن بالتحديد، ضمن منهجية ترتكز على علم النفس التاريخي؛ تلك المنهجية التي توحّد ما بين دراسة العقلية الفردية والعقلية الجماعية، سيما وأن الجاحظ لا تنحصر أهميته في وضعه لأسس البيان العربي فقط، وإنما تشكّل مؤلّفاته أغزر مصدر عن الحياة الاجتماعية والأخلاقية في عصره، فهو كاتب موسوعيّ، كتب في موضوعات واختصاصات شتّى، إلى حدّ أن الباحث شبّهه بـ أدباء النهضة الأوروبية وتحديداً من صور موسوعييها، فاشتهر بنزعته العقلانية الإنسية المعتزلية، والمقصود بالنزوع الإنسيّ هنا كما يوضّح الباحث المجهود الفكري الذي يبذله الأديب والمفكّر لرفع كرامة الكائن البشري وجعله جديراً وذا قيمة، سيما وأن إنسية الجاحظ، أنها في ذلك شأن الثقافة العربية الإسلامية، تعترف بقيمة الإنسان من دون نفي التعالي الإلهي، أي أنها تعترف بالاستقلالية الذاتية للعقل بقدر اعترافها بالرمزانية الدينية بوصفها بعداً روحياً. وإلى ذلك فإن الباحث يقسّم حياة الجاحظ إلى طورين رئيسين: الطور البِصري الذي يبدأ من ولادته حوالي 160 هـ، والطور البغدادي الذي يبدأ حوالي نهاية القرن الثاني الهجري، حيث انضم الجاحظ إلى سلطة المعتزلة حول الخليفة المأمون في بغداد. وفي البصرة الحاضرة التي تمصّرت القبائل العربية فيها وتحضّرت، كان ثمة مجتمع جديد ينشأ، مجتمع اندمج فيه العرب مع غيرهم من أبناء الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية الأخرى، لتتلبور النزعة المدنية البصرية كعصبية مدنية تقف على التضاد من البداوة القبلية، فانعكس ذلك على النتاج الثقافي العام الذي صدّرته هذه المدينة، وعلى نتاج الجاحظ بشكل خاص، فيذهب الباحث إلى توضيح هذا الأثر من خلال كتابه البخلاء الذي يعزّز حضور الطبقة التجارية والعقارية والمصرفية الناشئة وسلوكها الاقتصادي أمام عقلية البداوة الارستقراطية الكارهة لحياة الاقتصاد والتدبير والمشاريع، فكان كتاب «البخلاء» صدى حقيقياً للعقليتين المتنافستين، وهذا بدوره يعكس وعي الجاحظ الأخلاقي والاجتماعي، ونصرته لنواة المجتمع المرسمل القائمة على عقلية الادخار المعقلن «لقد كان الجاحظ الموسوعي والإنسيّ في بعض أبرز جوانبه ابناً للوعي النوعي في تلك الطبقة المرسملة الجديدة التي تكوّن وعيها بالرسملة كما يسردها الجاحظ ويحللها تحت اسم الاقتصاد أو البخل في بيئة بصرية تميزت بعقلنتها العامة». ويوضّح الباحث أن مصطلحي كرم وبخل هنا نسبيان، وهما لا شكّ متغيران من حال إلى حال، فالكرم يكون تبذيراً وإسرافاً في أحيان كثيرة، وقد يكون فعل خير واجب، وكذلك حال البخل الذي قد يكون مرضاً شخصياً، وقد يكون اقتصاداً، وكلمة اقتصاد مصطلح مدني جديد استنبطه الجاحظ للتفريق ما بينه وبين البخل والدليل على ذلك قوله: «حسدتم للمقتصدين تدبيرهم ونماء أموالهم، ودوام نعمتهم، فالتمستم تهجينهم بهذا اللقب» أي لقب البخل. ومن هنا فإن كتاب البخلاء يعكس بهذا المستوى وعياً اجتماعياً مدنياً متطوّراً، بالإضافة إلى منهجيته السردية التخييلية الممتعة عبر إبراز المحاسن والمساوئ في تصوير البخل. وفي جانب آخر، سوف يتناول الباحث مفهوم الشعوبية الذي برز موضوعياً نتيجة للتوسّع الإسلامي في جغرافيا شديدة التنوّع والاختلاف في أعراقها ولغاتها وأصولها الثقافية الأمر الذي أدى إلى عملية تمازج كبيرة وخطيرة، نتجت عنها هذه الثقافة الخلاّقة، التي تجاوزت العصبية العربية الأموية المعروفة، وساوت بين الناس على أساس أن التفاضل في الاجتماع الإسلامي هو ما بين الأفراد، وليس بين الأمم، ولكن في الوقت نفسه سوف يستغل بعض الموالي هذه المساواتية لتحقير العرب، وخصوصاً بعدما تمكّنوا من احتلال مناصب رفيعة في شتى مناحي الحياة الإدارية والسياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية وإلى ذلك فإنه سوف يتوقّف مطوّلاً عند موقف الجاحظ من «الشعوبية» وهو الموقف الذي اشتهر به في كتبه ورسائله، ويعلل الباحث هذا الموقف بأنه لم يكن موقفاً من التنوّع الإثني الكبير في عصره، بقدر ما كان موقفاً محدداً من نزعة الأرستقراطية الفارسية ضدّ العرب ومطاعنها عليهم، ومن هنا فإنه لم يستبعد أن يكون موقف الجاحظ هذا استجابة لدوافع سياسية نتيجة لاستبعاد المعتصم العناصر الفارسية واعتماده على الأتراك. وهذا الموقف سوف يقود الباحث نحو إعادة قراءة هذه اللحظة التاريخية من حياة الجاحظ، ليبين لحظة اقترابه من السلطة المركزية ببغداد في عهد المأمون، وأثر هذا الاقتراب في كتاباته، فيميز بين الجاحظ ككاتب سياسيّ رسميّ، وبين الجاحظ الموسوعيّ، وعلى كلّ حال فإن الباحث يستفيض في توضيح الجوانب السياسية المعقّدة في تلك الفترة من حياة المأمون ومن تلاه، ودور الجاحظ السياسي فيها. أما عن دور الجاحظ في تأسيس علم البلاغة العربية، فإن الباحث يفرد القسم الثاني من الكتاب لدراسة ذلك من خلال كتابه المهم «البيان والتبيين» فيعتبر هذا الكتاب في بعض أبرز وجوهه من نوع عمل الإبيستمولوجيين أو العلوميين الكبار الذين استنبطوا أصول الثقافة العربية الإسلامية، ونظّموها في علوم النحو والكلام والفقه والبيان، ويتمحور عمل الجاحظ في هذا الكتاب على طريقة إنتاج «البيان» وبلورة مفهومه في إطار صناعة الكلام، أو فن القول المعروف بالفصاحة. ويلخّص الباحث نظرية الجاحظ البيانية في أنها تقوم جوهرياً على تخطّي البيان لفنّ الكتابة إلى فنّ القول أي الخطابة، ومدى توافر العناصر الأسلوبية فيها لإيصال الفكرة إلى السامع، وذلك جرياً على عادة اليونان في اعتبار أن البلاغة هي تعليم فنّ الخطابة بهدف الكشف ضمن الخطابات المتعددة عن الطرق القابلة للتعليم عبر وسائط الإيصال المختلفة وأول ما يستلزمه هذا الفنّ: سلامة اللفظ وفصاحته فميّز ما بين اللفظ الهجين الرديء، وبين اللفظ النبيه الشريف، ليغدو البيان فناً رفيعاً، ولكن في الوقت نفسه سيشير إلى نقطة مهمّة، ألا وهي إدراك الجاحظ لطبيعة اللغة التطوّرية الاجتماعية وانحسار المجال التداولي لبعض مفرداتها، وبالتالي فإنه رغم إدراكه أن كلام الأعراب هو الأفصح والأنقى، إلاّ أنه في بعض المواضع لم يعتبر الأعرابي قدوة إلاّ في مجال سلامة الدال اللغوي وفصاحته وهذا يعني بالضرورة أن الجاحظ كان يقف إلى جانب تطوّر اللغة في الوسط المدني الناشئ وحاجته إلى مصطلحات وأسماء معان جديدة. ومن جانب معاكس سيؤكّد الباحث على أن ثمة عوامل إيديولوجية أيضاً تقف وراء إنجاز «البيان والتبيين»، حيث شكّل التحدّي الشعوبي أحد العوامل الأساسية في أزمة البيان العربي في مجتمع متنوّع إثنياً وثقافياً ولغوياً. والجاحظ كما أشرنا كان وقف إلى صفّ المأمون مع الفريق المعتزلي الذي كان ينتمي إليه، وبالتالي فإن «البيان والتبيين» الذي كُتب بعد أربعة عقود، إنما كان يعبّر عن لحظة المجابهة هذه، بدليل أنه أفرد مساحات واسعة من كتابه، وخصوصاً لدى تناوله مطاعن الشعوبية للبيان العربي التي ذهبت باتجاه السلوكات المتبعة خلال الخطبة، وذلك بأخذ المخصرة «العصا أو ما يشبه السوط» عند مناقلة الكلام، ومساجلة الخصوم بالموزون والمقفّى، والمنثور الذي لم يقف، وبالإرجاز عند المتح، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة وسيعتبر الباحث أن هذه المطاعن تتمحور بشكل أساسي على «البيان بالإشارة» وهو العنصر البياني الذي يرتبط بالنظام الرمزي السيميولوجي للخطابة العربية، أي أن هذه المطاعن إنما كانت نوعاً من المطاعن على النظام الرمزي بدليل قول الجاحظ: «ولو علم القوم (الشعوبية) أخلاق كلّ ملّة، وزيّ أهل كلّ لغة، وعللهم في ذلك، واحتجاجهم له، لقلّ شغبهم، وكفونا مؤونتهم، وهذه الرهبان تتخذ العصي من غير سقم ولا نقصان في جارحة، ولابدّ للجاثليق من قناع ومن مظلّة.. وبالناس حفظك الله أعظم الحاجة إلى أن يكون لكلّ جنس منهم سيما، ولكلّ صنف منهم حيلة وسمة يتعارفون بها فعند العرب العمّة وأخذ المخصرة من السيما». فالنظام الرمزي للخطابة العربية هو إذن جزء من «السيما» التي توجد مثيلاتها في ثقافات مختلفة، وليست تعبيراً عن تفاوت معياريّ ثقافي ما بين ثقافة أعلى وثقافة أدنى كما وضّح الباحث، ولكنه في الوقت نفسه وبكثير من الموضوعية، سيشير إلى نزعة التركّز الإثنية التي تنامت لدى الجاحظ وشكّلت بما يشبه الانحراف عن فهمه «الرمزي» للثقافات أو ما سمّاه بـ «السيما» الذي هو المدخل الإنسي لفهم الثقافات في المجتمعات المتنوّعة ثقافياً وإثنياً، وسوف تدعوه موضوعيته هذه إلى تبيان أثر نزعة التركّز هذه في المفاضلة بين البسيط والمعقّد والانتصار للبسيط، أو الانتصار لطبع البداهة والفطرة على طبع التفكّر، الأمر الذي أوقعه بكلّ بساطة في العصبية، أي في عملية تركّز إثني تتمحور حول ذاتها. وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى أن الباحث سيعتبر كتاب «البيان والتبيين» قد أثّر كثيراً على تطوّر البلاغة العربية، ولم يخطئ العرب حينما اعتبروا أن الجاحظ مؤسس هذا العلم، وأنه لا يمكن اختصار الجاحظ الموسوعي إلى موضوعاته ومواده، بل إلى ما وراءها، ويتطلّب ذلك منهجية حديثة فعّلة تعيد قراءة تراث هذا الإنسي العقلاني العظيم، وتجعله قابلاً للاكتشاف والترهين في ثقافتنا المعاصرة. هذا وقد ضمّ الكتاب في قسمه الأخير ملاحق انتقيت من «البيان والتبيين» في ضوء تمثيل كلّ منها للجوانب الأساسية التي تطرّق إليها الباحث.. إنه كتاب مهمّ وجدير بأن يكون مرجعاً مهمّاً في كلّ بيت ومدرسة.