يطمح جوناثان لوفيل الى ان يكون صاحب مزرعة، ولكنه ليس لديه اي اهتمام بالبقر او الخيول او الدجاج ولا يملك حذاء الكاوبوي او قبعته الكبيرة، وبالتالي فان حلم حياته هو ان يصبح مرب للاسماك في البحار او ان يثبت على الاقل ان تربية السمك في مكان مفتوح لها مستقبل تجاري وللأسف، فان لوفيل، شأن العدد القليل من علماء الاحياء الذين يشاركونه حماسته لتربية الاسماك في نطاق حر، وجد نفسه يناضل لكي يؤخذ على محمل الجد. وعلى الرغم من اجهزة الرادار والشباك الممتازة التي بحوزتهم، الا ان صيادي هذه الايام ليسوا اكثر من جامعي طرائد متطورين، وعندما تصبح عملية جمع الطرائد ممارسة صناعية، فانك تكون في عالم حافل بالمشكلات، تقدم مزارع السمك طريقة اكثر انضباطا للعمل فكل ما عليك هو ان ترمي بقليل من الطعام المركز في البرك، ثم تمسك بقدر ما تريد من السلمون او اي نوع آخر يطلبه السوق. وتماما مثل مزارع التصنيع البحرية، وفي الواقع انها تشبهها تماما حتى انها تأتي بالمساويء نفسها وهي المرض والتلوث والامتعاض الشعبي من منتج يفتقر لمذاق وقوام نظيره البري. الجانب الذكي في تربية السمك في مناطق مفتوحة هو انها تجمع فضائل الطريقتين التقليديتين وتتجنب مساوئهم، وقبل ان تبدأ بالقلق حيال الكيفية التي سيقوم بها الكاوبوي المائي هذا بتجميع السمك وادخاله الحظائر، فان لدى لوفيل بديل ماكر. فعلى الرغم من اسماكه تجوب البحر بحرية طوال معظم حياتها، الا انها سيتم تدريبها على القدوم الى «المنزل» استجابة لصوت معين. وعندما يحين موعد صيدها لن تكون هناك حاجة لملاحقتها بالقوارب والشباك، فكل ماهو مطلوب هو ان تطلق صوتا مناسبا، وستأتي اليك سابحة من تلقاء نفسها. كان لوفيل نفسه يعمل صيادا على قاربه الخاص في كورنوول، قبل ان يتخلى عن هذه المهنة بحثا عن شيء افضل. وقد اصبح مهتما بنظام يدعى التربية الصوتية في مزرعة مائية او اختصارا «آريا» ويمكن عرض تطبيق مبدأ «آريا» في حوض سمك متواضع وهناك العديد من امثال هذا الحوض في مختبر لوفيل بمعهد الدراسات البحرية في جامعة بلايماوث. وفي طرف كل حوض، توجد حجرة مستقلة مزودة بسماعة تحت الماء موصولة بجهاز كمبيوتر. وبنقرة على فأرة الكمبيوتر يتغير سلوك الاسماك الـ 15 اللاتي يسبحن ببطء جيئة وذهابا في الطرف الآخر من الحوض بشكل مفاجيء وتقوم بتشكيل فوج يسبح عمدا نحو الحجرة مباشرة الى مصدر الصوت الذي يحمل مزايا صوت المناداة للتزاوج لدى سمك القد. وسرعان ما يتبين سبب حماسها الذي لا علاقة له بالطبيعة الغزلية للصوت. وحالما يدخل السمك الى الحجرة، تقوم نقرة اخرى على الفأرة بفتح باب سحري لاطلاق الغذاء، وعندما لا يتبقى شيء من الغذاء، يعود السمك الى تسكعه في الماء. وما اجراه لوفيل هو تجربة اشراط كلاسيكية، حيث يصبح مصدر صوت معين مرتبطا بوجود الغذاء. كانت تجاربه الاولى على سمك البوري، ومنذ ذلك الحين اثبت نجاح هذه الطريقة مع انواع اخرى من السمك مثل ذئب البحر والشبوط والسمك الذهبي، ويقول لوفيل: «بوجبتين يوميا، يمكنك ان تدرب سمكة علي الاستجابة لصوت مافي غضون اسبوعين فقط، ويمكنها ان تتذكر ذلك الصوت لمدة اربعة اشهر على الاقل، او ربما اكثر». والسؤال هنا هو: هل يمكن تطوير اسلوب الاشراط الصوتي بحيث يصبح بديلا واقعيا لطرق الصيد الاخرى؟ الحقيقة هي ان لوفيل ليس عالم الأحياء الاول الذي اتجه لتجربة اسلوب «آريا» او الذي اكتشف ان التقدم بطيء على هذا الصعيد، فهناك عالم نرويجي يدعى جينز بالشين يعمل في جامعة العلوم والتكنولوجيا النرويجية في تروندهايم ويعكف على دراسة اسلوب الاشراط الصوتي منذ 30 عاما، ويقول بالشين ان حمل الناس على تبني المباديء يستغرق وقتا طويلا. وخارج نطاق الاحواض، كان التقدم مشجعا. ففي عام 1980، قامت مجموعة علماء يابانيين بتدريب سمك الابراميس (من فصيلة الشبوط) على القدوم الى محطة تغذية لدى استدعائه وباجراء تجاربهم في بحر داخلي، استطاعوا ان يصيدوا من جديد اعدادا هائلة من اسماكهم بعد خمسة اشهر من الحرية. وبالعمل بعد 20 عاما تقريبا مع سمك القد في زقاق بحري آيسلندي، استخدمت مجموعة اخرى من العلماء نظاما يقوم على الاشراط الصوتي على مدار 17 شهرا. وقد استعاد السمك سلوكه الاشراطي بعد ثمانية أشهر من آخر عملية اطعام. لقد دفعت العديد من هذه التجارب الى الخروج باستنتاجات متفائلة حول امكانيات اسلوب «آريا» ولكن اي منها لم يفرخ مشروعا تجاريا. لا تزال النرويج رائدة في مجال التجارب الميدانية فقد كان بالشين من اوائل الباحثين الذين اجروا تجارب على الاشراط كوسيلة للتحكم بسلوك السمك. وعلى الرغم من الصعوبات المصاحبة لهذا المشروع، الا ان بالستين يبقى متفائلا. ويعلن قائلا: لا شك لدي بأن استخدام الاشراط الصوتي هو امر قابل للتطبيق تجاريا. وكدليل على ذلك، يشير بالشن الى طريقة لاستغلال الاسلوب هذا لاعادة الامساك بالاسماك المخزنة. ويقول بهذا الصدد: موسم صيد السمك الرئيسي يكون في اكتوبر، ويتم صيد كميات كبيرة تفوق الطاقة الاستيعابية لصناعة التجميد، وبالتالي، فان بالامكان تخزينها حية عن طريق اغلاق خليج بسياج كهربائي ومن ثم اعادة اصطياد السمك باستخدام اسلوب الاشراط الصوتي. ضرار عمير


