في موعدها المعتاد السادسة من صباح كل يوم وقفت ام علي تطرق باب سيدتها بشدة حتى توقظها وهي تقسم ان تطلب منها مفتاحا للباب الخارجي لتدخل به بدلا من هذه المعاناه الصباحية كل يوم، ولم لا فهي خادمتها منذ اكثر من عشرين سنة ولا داعي لأن تعاملها معاملة الأغراب وابسط شيء هو ان يكون لديها مفتاح تفتح به باب الشقة من الخارج خاصة في مثل هكذا يوم، برودة لافحة وامطار توشك ان تسقط ورياح بدأ صفيرها يعوي من بعيد وانتبهت الى ان الباب انفتح أمامها دون ان تفتحه دلال هانم سيدتها، اذن كان الباب مفتوحا، ولكن كيف ان الساعة مبكرة جدا لان تترك سيدتها الباب مفتوحا هكذا، ترى ما لذي جرى ان سيدتها حريصة جدا ولا يمكن لها ان تقع في هذا الخطأ وتترك باب شقتها مفتوحا فهي احرص الناس الا تقع في مثل هذا الخطأ الفادح من وجهة نظرها دخلت ام علي تبحث عن مخدومتها وهي تنادي يا ست سنابل.. يا ست سنابل.. لكن صوتا لم يرد عليها فتوجست المرأة خيفة واندفعت نحو غرفة نوم سيدتها ودفعتها ثم صرخت بهستيريا شديدة حتى تجمع سكان العمارة في الغرفة التي كانت تقف فيها على رأس سيدتها وهي ميتة لا تنطق حرفا واشياء الغرفة واثاثها في حالة فوضى عارمة. تحقيقات سريعة لم تمض بضع دقائق حتى كانت الشرطة تنتشر في ارجاء الشقة التي قتلت صاحبتها او هكذا اعتقد الجيران الذين ابلغوا الشرطة ان ام علي قتلت سيدتها وكان من الطبيعي ان ينتظر الجميع تقرير الطبيب الشرعي المبدئي قبل ان يتم تقرير ان ما حدث جريمة خاصة ان الميتة لم يكن بها أي آثار عنف او مقاومة او خدوش او جروح حتى يعتبرها ضابط الشرطة قتيلة، ومع ذلك تحفظوا على الخادمة وكذلك بواب العمارة الذي بدأ مذهولا زائغ النظرات لحظة قيام الشرطة بتفتيش الشقة بحثا عن أية ادلة تقود الى فك رموز ما حدث وهل هو جريمة ام مجرد حادث وفاة. في تقريره المبدئي قال الطبيب الشرعي ان المجني عليها لا تبدو عليها آثار عنف أو مقاومة او حنق او غيرها من العلامات الظاهرة للجريمة المقرونة بالعنف وانه سيتم تحديد ذلك بعد اخذ عينات من لعابها ومن البول والبراز والدم لتحليلها لمعرفة سبب الوفاة، كما اثبت تقرير المعمل الجنائي ان المجني عليها فتحت الباب بنفسها بدليل عدم وجود آثار عنف على الباب الخارجي وهو ما يعني ان المجني عليها تعرف القاتل واطمأنت اليه وانه معتاد على زيارتها، وان هناك كوبين من الشاي وجدا في نفس المكان الذي وجدت فيه جثة القتيلة ملقاة على سريرها وهو ما يعني انها استضافت قاتلها وقدمت له الشاي وتم رفع الكوبين لتحديد البصمات عليهما. استدعى رئيس المباحث البواب وسأله عن القتيلة وعلاقته بها فقال انها أي السيدة دلال امرأة غامضة لا يعرف أحد على وجه الدقة علاقاتها وانها مشهورة بأن لها علاقة بالعالم السفلي وتحضير الجان والارواح وغيرها من أعمال الشعوذة وانها لا تستقبل زوارها الا في ساعات متأخرة من الليل حيث تخرج أصوات صاخبة من الشقة وبعدها يغادر هؤلاء الزوار الشقة. ـ وهل رأيت أحدا من هؤلاء الزوار..؟ ـ انهم دائما يغادرون في ساعات متأخرة أو قرب الفجر وفي معظم الأحوال اكون نائما.. ـ الم يحدث ان قابلت احدا منهم..؟ ـ نعم ذات مرة وهم أناس ذات أشكال غريبة.. ـ كيف..؟ استعاذ البواب بالله من الشيطان الرجيم وقال هذه السيدة كانت تتعامل مع الجن وتحضير الارواح ولذا فانني كنت اخاف منها.. ـ من اكثر من شاهدته يتردد عليها..؟ ـ شخص وجدته يتردد عليها هو ابن شقيقها حسام.. فهو دائما ما يزورها.. وتم استدعاء الخادمة ام علي.. ـ ما هي معلوماتك عن مخدومتك..؟ ـ سيدة فاضلة ولا علاقة لها بأحد.. ولكن كان هناك ضيوف كثيرون يزورونها كل ليلة ربما كانوا يأتون بعد مغادرتي لها، فانا اغادر شقتها في السابعة مساء.. ـ ألم تحك لك عن ضيوفها وزوارها.. ـ صمتت الخادمة وترددت قبل ان تقول لا.. حاول ضابط المباحث ان يجعل المرأة تخرج عن صمتها الا انها رفضت باصرار شديد فأمر بحبسها على ذمة التحقيق لحين جمع المزيد من المعلومات حول الحادث. بعد ساعتين من حبسها طلبت ام علي السماح لها بالخروج من الحبس واعلنت انها ستقول كل شيء بصراحة.. نظر ضباط المباحث لبعضهم البعض وكانت نظراتهم تعني ان الخادمة ربما ارادت ان تعترف بجريمتها بعد ان تم الضغط عليها وتخويفها بالحبس الا ان الخادمة فجرت مفاجأة عندما قالت ان سيدتها امرأة لها علاقة بالجن وتحضير الارواح وانها تدعي انها تختفي في عالمهم لعدة ايام كل شهر وانها متزوجة من أحد الجان ولها اطفال منه!! ـ وهل هي التي قالت لك هذا الكلام..؟ نعم يا سيدي.. ـ وهل اخبرت أحدا به..؟ لا يا سيدي فقد كنت اخافها.. ـ لماذا..؟ لانها كانت تعقد جلسات شبه يومية في ساعات متأخرة من الليل يحضرها اناس غرباء يسهرون وهم يصرخون ويدقون الدفوف والطبول حتى يصابوا بالاغماء.. ـ ومن هم هؤلاء الناس الذين كانوا يترددون عليها بكثرة..؟ ـ ابن شقيقها، وكذلك زوجها السابق رستم.. ـ هل كانت مطلقة..؟ ـ نعم.. ـ هل تعرفين سبب الطلاق..؟ ـ خلاف بين الجان وبعضهم عليها وعلى زوجها.. ـ هل انت امرأة مجنونة ما هذا الكلام.. هذا هو ما سمعته منها سواء اكانت هي او زوجها. استدعت الشرطة رستم زوج دلال ووجدته نائما مخدرا من أثر جرعات زائدة من الحشيش وغيره من المخدرات التي يستعملها هذا النوع من الناس وبعد افاقته تحدث وهو شبه نائم.. نعم كنت عندها بالأمس.. هل حدث شجار بينكما..؟ انا احبها ولا احب ان اتشاجر معها، ولكنها تحب أحد الجان وتعاشره.. ـ وكيف عرفت ذلك..؟ هي اعترفت لي.. كما اعترفت لي انها حامل منه وهل طلقتها بعد ما عرفت ذلك ام قبل ان تعرف..؟ طلقتها عندما قالت لي ان لها علاقة بأحد الجن.. ـ وانت أليست لك علاقة بهم..؟ هي التي ادعت على ذلك وارادت ان تدخلني تحت تأثيرها وتأثيرهم. ـ لماذا..؟ ـ حتى تستعيدني مرة اخرى.. ـ الم تقل انها متزوجة من الجان فلماذا تريدك انت. هذه امرأة مجنونة لقد عرضت علي الزواج من جنية. ـ وماذا قلت لها..؟ رفضت.. ـ وماذا فعلت هي..؟ ـ ارادت ان تسلط الجان علي.. ـ وماذا فعلت انت..؟ ـ هربت منها.. ـ ولكن الخادمة قالت انك كنت عندها ليلة قتلها كذلك زارها ابن شقيقها وكذلك البواب. ـ وكيف عرفت..؟ ـ لاني كنت هناك.. ـ هل تعتقد انها قتلت..؟ ـ نعم.. والذين قتلوها الجان. ـ وهل كانت تختفي عندهم أياما معينة في الشهر..؟ ـ كانت تختفي فعلا لكن لست اعرف اين تختفي بالضبط. ـ متى غادرت بيتها..؟ ـ الساعة العاشرة مساء.. ـ من كان معها حين غادرتها..؟ ابن شقيقها.. امر رئيس المباحث بالتحفظ على طليق المجني عليها والقبض على ابن شقيقها. ـ متى زرت عمتك آخر مرة..؟ ـ ازورها كل يوم. ـ ما سبب خلافها معك..؟ ـ ليس هناك اي خلاف. ـ متى نزلت من عندها ليلة الأمس..؟ ـ لم ازرها بالأمس. ـ كنت في طنطا وبيت ليلتي هناك. ـ عند من..؟ ـ عند عمتي الأخرى.. ـ هل صحيح ان المجني عليها كانت لها علاقة بالجن..؟ ـ نعم.. ـ رأيتها وهي تتحدث معهم.. ـ من الذي يزورها باستمرار..؟ ـ خادمتها والبواب وزوجها السابق. ـ من تعتقد ان يكون قد قتلها..؟ ـ زوجها السابق. ـ لماذا..؟ ـ لانه كان يخاف منها واذا ما أمرته بشيء لا يستطيع الاعتراض عليه. ـ وانت..؟ ـ كانت تحبني.. ـ هل كانت تعطيك أموالا..؟ ـ نعم. ـ هل تدخن او تشرب كحوليات..؟ ـ لا ادخن ولا علاقة لي بأية مشروبات غير الماء والشاي. ـ ولكن تحرياتنا تقول انك مدمن وانك اختلفت مع عمتك قبيل مقتلها بسبب رفضها اعطائك اموالا لشراء المخدرات. عمتي كانت مجنونة.. لقد طلبت مني ان تزوجني احدى الجنيات. ـ وهل رفضت..؟ ـ طبعا. ـ هل اعطتك أموال.. ـ لا. امر رئيس المباحث باحالة المتهم الى المختبر لأخذ عينات من دمه وبوله. جاءت تقارير المعمل الجنائي لتفيد وجود بصمات لكل من ابن شقيق المجني عليها وزوجها السابق وخادمتها، كما ثبت للشرطة ان ابن شقيقها وكذلك خادمتها لديهما مفتاح للشقة، وجاءت نتيجة التحاليل لتؤكد ان ابن شقيقها لديه نسبة عالية من المخدر في دمه وثبت انه لم يكن لدى اقربائه في طنطا.. أحال رئيس المباحث القضية للنيابة للتصرف، ترى ما سر هذه الجريمة ومن قتل دلال هل هم الجن ام ابن شقيقها ام خادمتها ام البواب؟. محمود عبد الكريم