.. و«صاحبة الجلالة».. ذات الحول والطول.. والسلطان والصولجان.. والملك الواسع الشاسع الممتد بامتداد مساحة الكرة الارضية، هي «الصحافة»،.. الملكة غير المتوجة على عرش الرأي العام في كل مكان وزمان..! صاحبة الجلالة الصحافة.. أطلقوا عليها اسم «السلطة الرابعة»، وهي لو أرادت لكانت السلطة الاولى، ولكنها.. بفضل همة نفر من رجال بلاطها، و«شطارة» عدد من ابنائها.. و«هيافة» بعض أفراد حاشيتها.. لم تستطع الاحتفاظ بموقعها كسلطة رابعة.. فراحت تتراجع وتتراجع.. وتتنازل وتتنازل، حتى قنعت اخيراً ـ باستثناء القليل منها ـ بمقعدها المريح على أبواب باقي السلطات، في انتظار الاوامر.. والتعليمات.. والعطايا والهبات..، حرصاً على البقاء.. وخوفاً من التفنيش وقرارات الاستغناء..! .. صاحبة الجلالة الصحافة.. كانت ذات يوم ملكة.. لها وقار الملكات.. ومهابة لابسات التيجان، ولانها كانت في عصرها الزاهر «شبعانة».. واثقة من نفسها ومن أصولها الملكية، كانت سطورها اوامر.. وتوجيهاتها تترجم الى قرارات.. وإشارة سخط منها كافية لوضع من تغضب عليه في موقع الـ «باي باي»..! ثم كان ان دارت الايام.. وبدأ عرش صاحبة الجلالة يهتز، بعد ان بدأ «اللعب على المكشوف» وعلى غير المكشوف يدور في بلاطها، وبعد ان نجح الحاقدون عليها وعلى عرشها «الذي طالما زلزل وجودهم وكشف اسرارهم» في اثارة صراع المصالح والمكاسب بين أفراد بلاطها، فانشغلوا بصراعاتهم وبقضاياهم الصغيرة عن صراعهم مع الفساد.. والانحراف.. والاحتلال.. ومع الهيمنة والعولمة..، وكان أن دارت ايام صاحبة الجلالة، وانهار سلطانها.. وسقط صولجانها، فاصبحت ذات يوم لتجد نفسها بلا تاج وبلا عرش، واذا بكلامها يطلق عليه «كلام جرايد».. وإذا بثوبها الملكي تلف فيه المأكولات.. ويفرش على الرفوف وموائد الطعام.. وسبحان مغير الأحوال..! .. صاحبة الجلالة «سابقا» اصبحت «دلالة».. وأصبحت «غسالة».. وأصبحت «طبالة».. وأحيانا «رقاصة»..! ـ صاحبة الجلالة «الدلالة».. أصبح من مهامها الجديدة تسويق «المنتجات» الحكومية.. و«الترويج» للقرارات والقوانين سيئة السمعة، وتوصيل المفاهيم المشبوهة الى المنازل في عبوات تحريرية..! ـ صاحبة الجلالة «الغسالة»، تولت مقاليد «الغسل» محاولة قدر الامكان ازالة «البقع» من ملابس السلطة.. او مداراتها على الأقل، باستخدام المنظفات التحريرية والمقالات التي تجعل «الأمور» اكثر بياضا ثم «نشر» كل ذلك على صفحاتها، الى جانب «نشر» غسيل معارضيها الـ «...» اولا بأول..! ـ صاحبة الجلالة «الطبالة».. لبت طلب هواة «الطبل والزمر» المتزايد.. وحاجة السلطة الشديدة الى «طبالين» مدربين يتولون مهمة التطبيل لكل ما هو حكومي.. والتزمير لكل ما هو رسمي، فبرز في بلاط صاحبة الجلالة وداخل العديد من الصحف قسم خاص للطبل والزمر لحساب السلطة، فكل ما تقوله السلطة مهم وعظيم ويصب في مصلحة الشعب، وكل ما تتخذه السلطة من قرارات وما تصدر من قوانين «حتى ولو كان قانون الطواريء» هي قرارات وقوانين صائبة تؤكد حرص السلطة على سعادة ورفاهية المواطنين، وكل خطاب للرئيس مهم وخطير.. مع التأكيد على ردود الفعل العالمية الواسعة المرحبة والمؤيدة والمصفقة لكل حرف في خطاب صاحب الفخامة، الذي تفضل وأنعم على نفسه بهذه الفخامة بمجرد جلوسه على كرسي الرئاسة، بصرف النظر عن شرعية ودستورية هذا الجلوس..! ـ صاحبة الجلالة.. أصبحت ـ تحت تأثير الطبل والزمر الدائرين ـ «رقاصة» أيضا، وفي سالف العصر والأوان.. أيام حكاوى «الف ليلة وليلة»، كان ملك الزمان والمكان كلما استخفه الطرب لامر ما.. صفق طالبا الراقصات والمغنيات لادخال البهجة على نفسه.. باعتباره ايضا ممثلا للشعب، واليوم.. وفي عصر صاحبة الجلالة الصحافة، يصفق الحاكم فيندفع عشرات الصحفيين بملابس الرقص الشرقي للرقص على صفحات جرائدهم ومجلاتهم.. يرقصون للحاكم.. وللنظام.. وللحكومة، اي حاكم.. وأي نظام.. وأي حكومة!! .. في بلاط صاحبة الجلالة كثيرون جعلوا هوايتهم «مسح» هذا «البلاط».. ومسح اي بلاط اخر يطلب منهم مسحه، بل انهم في كثير من الأحيان متطوعون للمسح.. مسح «البلاط».. او «مسح» الجوخ، اذا كان ذلك يمنحهم الامان على كراسيهم.. وعلى مكتسباتهم التي حصلوا عليها بالجهد والعرق، فالتنافس على «المسح» شديد ومحموم.. ويتطلب الكثير من هذا الجهد وذلك العرق، في زمن كثر فيه «المساحون».. والساعون للمسح اذا سنحت لهم الفرصة..! هناك اصطلاح يطلق على الصحف العاملة على الساحة، هو اسم «الصحف السيارة»، وحديثا تحول هذا المصطلح الى واقع حقيقي، فالصحيفة اصبحت فعلا «سيارة»، وتحول بلاط صاحبة الجلالة الى موقف لسيارات الاجرة، من يدفع يركب وينطلق بصحيفته اليومية او الاسبوعية، ومن لا يستطيع الدفع فلا مكان له الا تحت عجلات «السيارة»..! .. زمان.. عندما كانت «صاحبة الجلالة» صاحبة جلالة، وعندما كانت «السلطة الرابعة» تنافس باقي السلطات وتخيفها، كانت هناك اقلام تكفي سطور من كتاباتها لاقالة حكومة او للاطاحة بوزير، وكان الصحفي «بعبع» المسئولين، يهبون لاستقباله، ويتطوعون لمده بالأخبار والتصريحات، ويعتبرون نشر حديث او لقاء لهم معه حدثاً كبيراً يحتفلون بذكراه كل عام، كانت بطاقته الصحفية تفتح له الأبواب وترفع له الأيدي بالتحية والسلام..! واليوم.. وبعد ان انهار بلاط صاحبة الجلالة على أيدي تجار الانفتاح الصحفي.. وشركات توظيف الأقلام، اصبح الصحفي يعتبر لقاءه مع ساعي الوزير نصراً صحفياً كبيراً يبرز بالمانشتات والعناوين العريضة، وأصبح ابرازه لبطاقته الصحفية في اي مناسبة عامة كافياً لضربه وتحطيم كاميرته.. او الاكتفاء بطرده في احسن الاحوال، واصبح تسمية الصحافة بـ «صاحبة الجلالة» نكتة قديمة.. وسخيفة ايضاً..!!