ان المشروعات الوطنية في فرنسا والتي تعرف «بطرق جديدة للخرسانة» وبخرسانة عالية الاداء سمحت بالتعرف على انواع من الخرسانة ظهرت في بداية السبعينيات، وبانتشار استخدامها. وللاسف اذا كان استخدام هذه المواد يزداد في مجال الاعمال الهندسية فان سوق البناء والتشييد في فرنسا تتقدم ببطء لأن المكاسب المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن اداء هذه الانواع لا تبدو في الوقت الحالي انها تعوض الوقت الاضافي الذي يتطلبه اعدادها وكذلك بعض الاختبارات الفنية التي لاتزال مطروحة فيما يتعلق بمقاومتها للنار. ان الاتجاه الحالي الذي يؤكده ظهور خرسانة ذاتية التماسك، منذ اقل من خمسة اعوام، يبدو انه يهدف الى البحث عن مادة قادرة على توفير الوقت ـ حيث ان دقة تصميم المشروعات تزداد باستمرار ـ وتقديم جودة جمالية دائمة: هندسة معقدة، وجودة عالية للواجهة. خرسانة مطورة للصناعات النووية قامت شركة EGI التابعة لمجموعة ايفاج بانتاج الخرسانة BSI وتطويرها وفقاً لاحتياجات شركة الكهرباء الفرنسية وهي ثمرة الاتجاهات المختلفة لقسم البحوث والتنمية. ويقول مدير القسم الفني للأعمال الهندسية للمجموعة ان BSI هي نتاج ثلاثة محاور للبحوث: الخرسانات العالية الاداء، والخرسانات التي تحتوي على ألياف، والخرسانات الذاتية التماسك. وتم استخدامها عملياً لأول مرة عام 1997 في مشروع تجديد ابراج التبريد الاربعة في محطة كاتنوم النووية في شرق فرنسا. وتقع مباني المحطة في بيئة كيميائية قاسية (مثل مياه تبريد الدائرة التي تحتوي على ملوحة عالية وعلى القليل من الكلور) وبيئة مائية حرارية شديدة (مثل دورات تجميد، واذابة المياه، وشتاء قارس البرودة) مما ادى في الواقع التي تلف مبكر في شبك الترميمات وبالتالي تسبب في انهيارها. والنتيجة هي انخفاض اداء برج التبريد وبالتالي ضعف قدرة الوحدات. ومن هنا جاءت عملية الاصلاح والتجديد والتي تشمل خلق مجموعة ثانية من الكمرات الخرسانية تضاف الى المبنى الموجود. ولكن هذه العملية واجهتها عقبة هي ان التربة سيئة. وبمعنى اخر فانه كان من اللازم الحد بصورة صارمة من ضغوط أحمال زائدة خشية ضرورة تقوية الاساسات الموجودة. وهو خيار شبه مستحيل لانه كان سيؤدي الى وقف عمل المحطة لمدة طويلة والى خسائر فادحة. خصائص مميزة اختار اذن المسئولون عن شركة الكهرباء الفرنسية خرسانة (بي اس آي) التي تتميز موادها. بتماسكها ومقاومتها للضغط (150 ميجا باسكال بالنسبة BSI) وللجذب (حتى 10 ميجا باسكال). ان هذه الخاصية الاخيرة الناجمة اساساً من ادخال ألياف في تكوينها تترجم بأداء طيع يقترب من اداء الصلب. ان مجمل هذه الخصائص ادت الى قفزتين هامتين في مجال التكنولوجيا: الغاء حديد التسليح، وامكانية استخدام تسليح الخرسانة بواسطة خيوط لاصقة. وبعد مرور عدة شهور، استخدم الخرسانة المطورة لانجاز اول تقنية مزدوجة وذلك اثناء بناء برج التبريد في محطة سيفوكس النووية حيث استخدمت شركة الكهرباء الفرنسية لأول مرة خرسانة تحتوي على ألياف على اعلى مستوى من الاداء في بناء جديد، كما انه اول بناء بالخرسانة في الموقع بالنسبة لهذه المادة. وفي الواقع تم صب الكمرات الاربعة الرئيسية 2 X 6 متر (ومقطع مستعرض 250 X 550مم) في الموقع على شدات خشبية، على عكس ما جرى في الكمرات الرئيسية والثانوية في محطة كاتنوم والتي كانت قد صنعت مسبقاً في الورشة. كان امداد الخرسانة يتم مباشرة من محطة الخرسانة المخلوطة الجاهزة للاستعمال حيث كان يتم ارسال BSI ـ الناجم عن عملية صناعية بضمان شهادة الجودة ـ في شيكارات كبيرة (وهو عبارة عن خليط مسبق جاف لمختلف المكونات). واجهات جميلة بعد نجاح هذا البناء بدأت وزارة النقل الفرنسية وخاصة ادارة الطرق استخدام الخرسانة الجديدة لبناء طريقين علويين من الطرق السريعة بالقرب من مدينة فالنس ان نتائج هذا المشروع المبتكر التي سوف تسمح بالتصديق على الفوائد التكنولوجية والاقتصادية لهذا النوع من الخرسانة (مثل تخفيف وزن الهيكل، وتقليل ملحوظ في كمية العمل في الموقع في عملية البناء، والغاء حديد التسليح) سوف تساعد في صياغة التوصيات المستقبلية للتصميم، ولا تأخذ هذه التوصيات في اعتبارها مستوى الاداء الحقيقي للخرسانة التي تحتوي على الياف على اعلى مستوى من الاداء. اما بالنسبة لامكانيات تطوير الخرسانة في المستقبل فيمكن ان تكون هذه الامكانيات غاية في الابداع. ان خصائص تماسكه الذاتي وادائه الميكانيكي تسمح في الواقع بالصناعة المسبقة للافتات هندسية معمارية يمكنها ان تنافس مثيلاتها المصنوعة من الحجارة وذلك دون الالتزام بالمقاسات والتصميمات التي تفرضها هذه الاخيرة بما ان BSI سوف يسمح بانجاز وحدات كبيرة الحجم يمكن حملها باليد (10 X 20 متر مربع) وسمكها من 15 الى 30 مم. وبالنسبة لمعالجة السطح قامت شركة ايفاج باستخدام الامكانيات التي تقدمها كل انواع الشدات (من مادة PVC او من الخشب او من الالمنيوم)، ان سيولة الخليط الفائقة تسمح بترميم اقل بروز بمنتهى الدقة. ان تجارب الصب التي تمت على ألواح زجاجية مثلاً سمحت في النهاية بالحصول على زجاج خرساني في حين ان وضع اوراق مفروكة في قاع قلب الاسمنت اعطت واجهات جديدة مذهلة. خرسانة الالفية الثالثة تعتبر خرسانة (BSI) الخرسانة الوحيدة التي تحتوي على الياف ذات اداء عال وتصب في الموقع، كما تتميز بأداء طيع يسمح بعدم اللجوء الى استخدام الحديد المسلح. وتجدر الاشارة الى ان غياب الذبذبات الناجمة عن خرطوم فرش المخلطة يسهل عملية استخدامها في حين ان سهولتها الفائقة تضمن الحصول في النهاية على واجهة جدارية مميزة وجميلة للغاية. وتجدر الاشارة الى ان التجارب التي اجريت على الخرسانة الجديدة قد اظهرت مقاومتها للنيران وان اختبارات الايزو التي اجريت في معمل جامعة جاند ببلجيكا اظهرت مقاومة ممتازة خلال 90 دقيقة في درجات حرارة اعلى من الف درجة مئوية. ومن الجدير بالذكر ان هذه المادة، التي تدخل في فئة الخرسانات ذات اعلى مستوى اداء، قد تعرضت لنفس الاختبارات الخاصة بمقاومة النار، مثلها مثل الخرسانة التقليدية ذات الاداء العالي، وذلك للتعرف على ادائها فيما يتعلق بالتمسك. وفي الواقع ان غياب خاصيتي المسامية واللانفاذية للقالب يمكن ان يحدث تشققا في الخرسانة عند تعرضها لحرارة شديدة في حالة اندلاع حريق. لقد تم الحصول على هذه النتيجة المبشرة بالخير عند استخدام الياف بولي بروبيلين ـ معاير سرية للغاية ـ في مكونات هذه الخرسانة. وعندما تبدأ هذه الالياف في الذوبان عند 150 درجة مئوية فانها تحدث فراغات دقيقة جداً في سمك الشعيرة مما يخلق شبكة تسمح بمرور بخار الماء المنبعث عنها.