يمر الزمن وتبلى الوجوه والاصوات، ويفقد الكثيرون نجوميتهم ليتحولوا الى ذكرى او يجاري بعضهم السوق فينسى الهدف ويضيع منه الطريق. وحده محمد منير لم يضل الطريق، فمنذ البداية وعينه مصوبة نحو الشارع والناس في الطبقات الشعبية يبحث عما يؤلمهم ليغنيه ويحاول ادخال الفرحة الى قلوبهم بأغان اخرى، فاصبح بمرور الزمن الممثل الرسمي للوجدان الشعبي. كان مهموماً بالبحث عن الاغنية الجيدة والشكل الموسيقي المتطور الذي يقدمها به، غير عابئ بسوق الكاسيت وصراع التوزيع، يقدم ما يرى انه اضافة الى مشواره الفني ولا يلقي بالاً لرغبات المنتجين، ومع كل هذا لا يجيد تسويق نفسه اعلامياً فهو يعمل ويعمل من اجل هدفه ولا يسارع من اجل المال لأنه يعتبره وسيلة لتقديم الجديد والمتطور من الاغاني وليس غاية لتوفير سبل عيش افضل، فهو دائماً مديون ويعيش مثلما يعيش الناس البسطاء. في البومه الاخير الذي تربع به على قمة مبيعات الكاسيت في صيف 2001 داخل مصر حقق ارقام توزيع عالية في باقي البلدان العربية، يؤكد محمد منير بصمته في عالم الاغنية ويصر على ان الموسيقى والغناء هما نقطة الالتقاء الشعبي والتحقق الذاتي في عالم مليء بالاحباطات والمساوئ. ففي (انا قلبي مساكن شعبية) وهو اسم الالبوم يؤكد على عالميته المنبثقة من تعلقه بالتراث الموسيقي لمنطقة جنوب مصر وشمال السودان مستلهماً الفلكلور الموسيقي ويعطيه من روحه ورؤيته. في الوجه الاول للألبوم يفتتح منير باغنية (سوياسو) وهو مستمدة من الفلكلور الاسواني اطلقها الشعب هناك ابان الغزو الانجليزي للبلاد ولكن قامت الشاعرة كوثر مصطفى بكتابة كلمات جديدة على اللحن الاصلي الذي يعتمد الايقاع الشرقي (الطبلة البلدي) كأساس في اللحن تصاحبها آلات اخرى كخط ثان وخلفية موسيقية.. وكلماتها بسيطة تعبر عن الاسلوب الريفي في الغناء حيث تقول: سو ياسو حبيبي حبسوه / حبيبي عايزله سكر/ منين اجيب له سكر/ باب الحكومة مسكر / حبسوني وحبسوه ويغني ايضاً «كوبليهين» من اغنية (حكايتي مع الزمان) التي غنتها المطربة وردة من كلمات الشاعر الغنائي محمد حمزة وتلحين بليغ حمدي ولكن بتوزيع جديد للألماني رومان بولكا حيث يستخدم الساكسفون كأساس لتأدية اللحن، يصحبه الدرامز كايقاع في المقدمة بينما يصعب غناء منير آلة العود في حالة صمت لبقية الآلات الموسيقية، بعدها يمتزج الساكسفون بالدرامز بالعود في غناء منير مقدمين الخطوط الثلاثة للتوزيع الموسيقي (ميلودي، هارموني، ماونتر بوينت).. وكان استخدام العود في تقديم اللحن الاساس (ميلودي) موفقاً بشدة حيث اضفى جواً من الحزن اصل معاني الاغنية. وفي الوجه الاول للشريط هناك اغنيتان للشاعر الغنائى بهاء الدين محمد الذي يعيد بكلمات اغانيه عصر الرومانسية وان كانت اغنية (بتبعديني) جيدة وهي من تلحين وليد سعد، فاغنية (لما النسيم) تعد اضافة بالغة الاهمية لمشوار محمد منير الفني بوجه خاص ولعالم الاغنية العربية بشكل عام. فكلمات الاغنية تعبر عن الاحساس بالحب ليس مجرد حب عاشق لعشيقته ولكنه حب اكثر شمولية، فالاغنية كما فهمتها وطنية تعبر عن عشق الوطن ولكن بطريقة تبعد عن الهتافات والشعارات والكلمات المباشرة المستهلكة التي لم تعد تهزنا او توقظ داخلنا حب الوطن بالفعل. كما ان حسن ابو السعود قدم لحناً هادئاً مليئاً بالشجن ومفعماً بالرومانسية، بل ويعمد توصيل الكلمات المليئة بالرهافة والاحساس الى القلب مباشرة باستخدام للعود مع الآلات الوترية الممتزجة بايقاع هادئ معبر.. حتى عندما يعبر عن الصراخ والآهات في الاغنية، يقدمها باسلوب يحول الصراخ الى فعل رومانسي يخرج من اعماق النفس ومن بين اركان القلب. وكلمات الاغنية تقول (لما النسيم بيعدي بين شعرك حبيبتي بأسمعه بيقول آهات.. وعطورك الهادية اللي دايبة فيك كل ما تلمسك بتقول آهات.. عايزاني ليه لما تقوليلي باعشقك ما اصرخش وأملا الكون آهات». ويعيد منير ايضاً غناء (شيء من بعيد ناداني) التي غنتها شادية في فيلم (النداهة) الذي لعبت بطولته ماجدة مع ايهاب نافع وشكري سرحان والمأخوذ عن رواية (يوسف ادريس)، ولكنه يغنيها ايضاً بتوزيع جديد لرومان بولكا.. وقد علق محمد منير على هجوم البعض عليه لاعادته اغاني لكبار المطربين خاصة بعد غنائه (لأنا باعشق البحر) لنجاه وهاني شنودة، قائلا (انا مثل كل الناس تربيت على هذه الاغاني وتأصلت في وجداني واحب غناءها مثلما يفعل الجميع لذلك لا ارى مانعاً في ان اغنيها في البوماتي بصيغ جديدة). وتأتي الاغنية التي يحمل الالبوم اسمها وهي (انا قلبي مساكن شعبية) في الوجه الثاني للشاعر السوداني محجوب شريف والمطرب السوداني محمد وردي، وهي اغنية ثورية تأخذ الطابع الشعبي ايضاً واللحن المستخدم فيها يأخذ الطابع السوداني المشهور، وبغناء منير لهذه الاغنية مثلما اعتاد ان يفعل في البوماته السابقة، حيث دائماً ما يغني للفنانين السودانيين، يؤكد على النبض المصري السوداني الواحد فيهما بلد واحد تفضلهما حدود وهمية استعمارية، فهو يغني اغنية سودانية عبرت عن النبض الشعبي المصري ليسمعها شعب النيل الذي تكونه عناصر واحدة وكلمات الاغنية هي (الشعب حبيبي وشرياني اهداني بطاقة شخصية، الاسم الكامل انسان، الشعب الطيب ولديا، المهنة باناضل باتعلم، تلميذ في مدرسة شعبية، المدرسة فاتحة على الشارع، الشارع فاتح في قلبي، انا قلبي مساكن شعبية). بعد ذلك تأتي اغنية (عينك) التي يتعاون فيها مع الموسيقي الجزائري حميد بارودي، وكعادته يتمرد على الواقع بأغنية مغايرة في كل البوم وهذه المرة يقدم من كلمات كوثر مصطفى اغنية (اخرج من البيان الحر الضيقة، الكون صابح جميل والدنيا مروقة) والتي يلحنها حسين الامام على نمط موسيقى الجاز، ثم يؤكد منير وفاءه لأستاذه احمد منيب بغناء (في دايرة الراحلة) من كلمات ياسر ابو النصر، ليختم الالبوم باغنية النواحي وهي ايضاً اغنية شعبية تعتمد في تلحينها على الايقاع الريفي المصري. امنية طلعت