تحتل ايطاليا موقع الصدارة في باريس منذ مطلع الربيع الماضي بفضل «موسم ايطالي» حافل، بشكل خاص على الصعيد الفني، وخاصة السينمائي والموسيقي. ولقد نجح هذا الموسم في التعريف بنواح لا يعرفها الفرنسيون من هذه الثقافة التي يحبونها فعلاً. وكان في صميم هذا الموسم الذي اثار اهتمام خمسة متاحف بشكل متتال او متزامن، المعرض الرائع تحت عنوان «مناظر من ايطاليا» (1780 ـ 1830) الذي يقدمه جران باليه قبل الانتقال الى مانتو، ويطاول فترة نصف قرن من الرسم الايطالي في الهواء الطلق، احياها رسامون قدموا من مختلف انحاء اوروبا الى الضوء الايطالي. في الوقت نفسه، قدم متحف اللوفر معرض «قرن من الرسم في بولونيا» (المدينة التي عرفت بين عامي 1480 و 1580 نشاطاً ثقافياً حافلاً) ونظم سلسلة من ندوات وزيارات ذات موضوعات عن الرسم الايطالي، كما عرض في الاوديتوريوم مجمل اعمال روبرتو روسايني اي حوالي 80 شريطاً انجزت للسينما وللتلفزة. وظهرت المدرسة الايطالية في معرض تمحور حول المناظر الطبيعية وحول روائع متحف كوندي في شاتو شانتيي. يحوي هذا المتحف الرائع المجموعات الشهيرة من لوحات ورسوم وكتب اهداها دوق او مال، بن الملك لويس فيليب، لمعهد فرنسا، مشترطاً عدم اعارتها للخارج. اما متحف الاورسي فيقدم صورة مختلفة عن ايطاليا الحديثة عبر معارض ثلاثة وعدداً من حفلات الموسيقى الايطالية. نظم المعرض الاول بالتعاون مع جاليريا ناسيونالي دارتي مودرنا في روما الذي يقدم «الفن الايطالي على محك الحداثة» من 1880 الى 1910 ـ وهي مرحلة شبه مجهولة عن الفن الايطالي وعويصة الفهم في عظمتها. نتعرف من بين هذه اللوحات على الرسم «الاجتماعي» لرسامي (الفن للانسانية) وعلى نحوت مداردو روسو الشمعية الذي عاش في فرنسا حوالي عشرين عاماً واراد الا ننظر الا من جهة واحدة الى لوحاته «مانعاً الدوران حولها». عبر له رودان عام 1894 عن «افتتانه» بها. والمعرض الثاني المكرس لكارلو بوجاتي، والد النحات رامبرانت بوجاتي وصانع السيارات انور، يظهر التنوع في العمل الفني والصناعي لهذا الرائد في مجال التصميم الحديث. فضلاً عن كونه مصمم ديكور ورساماً وصانع اثاث ومصمم مجوهرات ومخترع آلات متنوعة من بينها دراجة هوائية للمسابقات، يسعى دوماً وراء المنحى الاصفى. اما عروس المعرض فهو مقعد صالون صنع بشكل لولبي. ويتمحور المعرض الثالث حول الكاتب والفيلسوف جابريل دانونزيو، والشاعر والكاتب المسرحي، المتأنق والفنان، المنفي في فرنسا ومن ابطال الحرب العالمية الأولى. متحف جاكمار ـ اندريه الذي يمتلكه معهد فرنسا، استهل الموسم الايطالي منذ الخريف الماضي بمعرض رائع عن الرسم البدائي الايطالي من مجموعته الغنية، اي حوالي 47 لوحة غير معروضة في معظمها من بينها 25 لوحة رممها خصيصاً للمناسبة مركز متاحف فرنسا للبحث والترميم. وقد ادى النجاح الباهر لهذا المعرض الى اطالة فترته فتوافق مع معارض الربيع والصيف. نقفز ثلاثة قرون الى الوراء للاستمتاع بمعرض الموسم الرائع: «مناظر من ايطاليا». وخلافاً للأفكار السائدة يقول فانسان بوماريد، احد مفوضي المعرض «ليس الانطباعيون هم الذين اخترعوا تقنية رسم المناظر، وتؤكد هذا التصريح رؤية 195 عملاً (على قماش او ورق) لـ 80 رساماً قدموا من مختلف انحاء اوروبا لنصب ركيزتهم امام 115 موقع ايطالي مثير. فليس هناك اي شبه «برحلة ايطاليا» التقليدية التي كان يقوم بها فنانون لدراسة الصروح والآثار القديمة لوضعها فيما بعد في لوحات كبرى تاريخية او دينية، او للتشبع في الكنائس والمتاحف من اعمال معلمي النهضة، انما هي «دورة ايطاليا الكبيرة»، مع كرسي قابل للطي وعلبة الوان تحت الابط، للرسامين «الجوالين» حسب تعبير بيير هنري دو فالنسيان صاحب شعرية اللوحات الصغيرة لسطوح روما. في الواقع، يوجد احترام تام لقواعد الرسم الاكاديمي (التي تخلى عنها الانطباعيون)، كم كان «رسامو الهواء الطلق «يواصلون في محترفاتهم «الدراسات» التي كانوا يرسمونها. لكن الطبيعة بحد ذاتها هي ما كانوا يريدون الامساك به، لذاتها، ومع ضوئها وجمالها، ليس لاستخدامها كديكور لمسارح دينية او اسطورية. كان الرسامون الانجليز اول من بادر في الدور الكبير في رحلة تمهيدية لاعدادهم مدخلين الى ايطاليا استعمال الرسم المائي الذي بدا لهم مناسباً تماماً للعمل في الهواء الطلق والذي برعوا فيه يمثل المعرض مناسبة للزائر للتعرف على رسامين شبه مجهولين في فرنسا مثل فرنسيس تاون، هاوي «الاماكن الرومانسية مثل «الجدار القديم في روما خلف فيلا ورتيشي» (مقر اكاديمية فرنسا في روما ومقر اقامة الفائزين بجائزة روما)، او جي. ار. كوزنس وتوما دجونس المعجب بنابولي والذي فضل الرسم الزيتي على المائي. ومن ثم تبعتهم اوروبا بكاملها، فمن فرنسا ام العديد مثل كورو وحراني وحوالي خمسة عشر رساماً لم يبلغوا المجد، المان وروس واسكندناف ـ مجهولون تماماً مثل الدانمركي كريستوفر ويلهلم اكرسبرج الذي هتف عندما وصل الى ايطاليا من المستحيل عدم رسم الطبيعة. تضيء جدران غران باليه مناظر ساحرة لأماكن رائعة لم تمس، مثل ريف روما وبحيرات بركانية ومغاور وميادين بومبي واشجار سرو وسماوات عاصفة وفيلات وحدائق احلام وغروب شمس على هضاب وسطوح. تتملكنا الدهشة عندمانعرف ان دراسات مثل سلسلة لوي جوفييه عن فالومبروسا في توسكانيا لم تكن تعتبر في ذلك العصر اعمالاً فنية. وعليه لم تعرض ولم تبع!
