الماضي هذا المعنى الذي يحمل الكثير بالنسبة لتقدم الشعوب. هناك من يتعامل معه بمنظور الارتكان اليه، وعدم مغادرته الى الحد الذي يتم فيه التحرك بمفهوم استدعاء كل تفاصيله والرغبة في تطبيقها حرفيا في الحاضر، وعلى النقيض من هذا هناك من يطلق الماضي طلاقا بائنا، ويدعو الى التوبة عنه، وكأنه عار يجب التملص ، منه، وبين هذين الفريقين هناك من ينظر الى الماضي بمنظور أنه حلقة يضاف اليها حلقات الحاضر والمستقبل، وانه لا يمكن أن توجد علاقة صحية بالحاضر في غيبة علاقة سوية بالماضي، ويقف في طليعة هؤلاء الناقد والمثقف المصري الرفيع الدكتور جابر عصفور الذي يشغل ايضا رئاسة المجلس الأعلى للثقافة. في سياق هذه الرؤية الفكرية، يقدم الدكتور جابر عصفور أحدث مؤلفاته استعادة الماضي.. دراسات في شعر النهضة.. ويقول في مقدمة الكتاب: لا يمكن أن توجد علاقة صحية بالحاضر في غيبة علاقة سوية بالماضي، وبالقدر نفسه لا يمكن أن تنطوى العلاقة بالحاضر على وعود ايجابية الا اذا كانت هذه العلاقة تضع في اعتبارها امكانات المستقبل الخلاقة، وآفاقه المفتوحة الى مالا نهاية.. ويضيف جابر عصفور: إن استعادة الماضي ابداعيا، هو الوجه الآخر من التطلع الى المستقبل، في العملية نفسها التي يتولى بها الوعي الفاعل في الحاضر تطوير الاحتمالات الموجبة التي يراها، ومواجهة أوضاعه السالبة التي لا يغفل عنها، واذا كان التطلع الى المستقبل يعني القياس على احتمالاته الموجبة، والفعل في الحاضر من منظور الأفق المفتوح لممكناته، فإن استعادة الماضي لا تعنى التقليد الساذج، ولا ترادف الاتباع الجامد، أو قبول كل تغير بسند من الماضي، أو قياس كل آت على كل ذاهب، فذلك الغاء لاحتمالات التقدم في الحاضر، وتوثيق لبعض عصور الماضي بما يضفى معاني السلب على الماضي كله. هذه الرؤى المنهجية التي يطرحها عصفور حين يطبقها على الشعر الذي هو موضع كتابه يصل الى استخرجات هامة، وهي أن للاستعادة وجهين في القصائد الاحيائية، أولهما.. ايجابي، وثانيهما سلبي.. أما الايجابي فيقترن باسترجاع الدوافع الحافزة على الابتكار في الشعر القديم، ومن ثم المضى من حيث بدأ الشعراء السابقون، ومنافستهم فيما رأوه ابداعا وابتكارا أما الوجه السلبي فيرتبط بما لزم عن هذا الاسترجاع من حركة محكومة سلفا، لا تفارق دوائر محددة من قبل، كأنها الاطار المرجعي الذي ينجذب نحوه كل فعل لاحق، ويقتصر عليه بما يستبعد احتمالات مجازاة هذا الاطار الى غيره الأمر الذي نقض معنى الابتكار في النهاية، وحصره في مدار لم يخل من لوازم التقليد حتى عندما كان القصد هو الابتداع.. ويطبق عصفور هذه الرؤية على شعراء النهضة فيقول: إن عملية الاستعادة التراثية التي قام بها شعراء النهضة أمثال البارودي وشوقي وحافظ واسماعيل صبري والزهاوي والمرصفي والأخطل الصغير، وغيرهم، نهضت بالوعي الشعري من قرارة التخلف، واعادته الى المبدأ الفاعل في عصور ازدهاره، ولكن هذه العملية تكشفت عندما وصلت الى مداها، وحققت ايجابياتها، عن حقيقة مهمة، مؤداها أنها استبدلت بالتخلف القريب الازدهار البعيد، فكانت حركة من ماض الى ماض، والى البداية التي لم تخل من بذرة العقم، وفي المدى الذي جعل من الاحياء أو البعث استعادة للبدايات التي انتهت بالماضي الابداعي الى ما انتهى اليه. ينقسم الكتاب الذي تصل عدد صفحاته الى 500 صفحة من القطع المتوسط، الى قسمين.. الأول بعنوان الإحياء الشعري أما الثاني فعنوانه الوجه السالب للاستعادة. وفي قسم الاحياء الشعري، وفي فصل بعنوان الشاعر الحكيم يعود الدكتور جابر عصفور الى مايمكن أن نسميه بـ تاريخية الشاعر الحكيم منذ بدايات الشعر العربي وحتى شعر النهضة وعلى الرغم من اطلالته السريعة على هذه التاريخية،، الا أنه يصل منها الى التأكيد على انه لكل شاعر كبير رسالة ينطوى عليها، أو يشعر بها في داخله كأنها سبب وجوده، كما أن للشاعر أدوار أساسية منها، توجيه الإنسان، وتأمل العالم، والكشف عن الاسرار التي تتحكم في حركة كليهما، وتلك الأدوار كانت أهم خاصية انطوت عليها نهضة الشعر العربي في عصرنا الحديث، حيث تجد الوعي بأهمية الشعر في حياة الفرد والجماعة، ومايقترن بهذا الوعي من استعادة الشاعر الحكيم.. ويحدد عصفور أن ثنائية الماضي والحاضر المتمثلة في الحكيم القديم، والحكيم الجديد، انطوى عليها الشعر الاحيائي في مجمله.. ويقول: ان تلك الثنائية كشف البارودي عن جانبها الأول في بيته: كم غادر الشعراء من متردم ولرب تال بذو شأن ومقدم في كل عصر عبقري لا يني يفري الفرى بكل قول محكم وأبان حافظ ابراهيم عن جانبها الثاني في بيته: لعل في أمة الاسلام نابت تجلو لحاضرها مرآة ماضيها والمح شوقي الى جانبها الثالث في بيتيه: ومن نسى الفضل للسابقين فما عرف الفضل فيما عـرف أليس اليهم صلاح البنـاء إذا ما الأساس سما بالغرف وفي فصل شعر البارودي يرى د.عصفور: إن المغايرة الفعلية التي ميزت البارودي الشاعر عن اقرانه الذين لحق بهم من السابقين عليه تعود الى ماأحدثه من تغيير في وظيفة الشعر، ومهمته، وتحويل في مفهومه ومعناه، وتعديل في مكانة الشاعر ووضعه داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والمعرفية للمجتمع، هذا الوعي المتغير بأهمية الشعر ومكانة الشاعر، وهو وعي أغتنى بالممارسة وازداد تمكنا بها وتفاعلا معها، هو الأصل الأول في كل ما قام به البارودي من جهد، وماخلفه من انجاز تميز به عن أقرانه السابقين عليه أو المعاصرين له، أمثال اسماعيل الخشاب، وعلى الدرويش وعلى أبي النصر، وعلى الليثى وغيرهم. ينتقل جابر عصفور بعد ذلك الى القسم الثاني في كتابه، ويعطيه عنوانا هو الوجه السالب للاستعادة وأول مايأتي في هذا ما يسميه عصفور بـ تقاليد الصنعة التراثية ويمهد لهذه النقطة الهامة بقوله: إن شعراء عصر الاحياء ونقاده آمنوا أن الشعر صناعة قولية، تكتسب بالتجربة والممارسة والحفظ ويشير مفهوم الصنعة الى القدرة أن هذه الأحداث سبق تصورها بواسطة فعل خاضع للوعي والتوجيه، فالشاعر صانع ماهر، ينتج من أجل مستمعين، وترمى مهارته الى احداث تأثير خاص أو تخييل، في عقولهم، والشاعر، مثل أي صانع آخر على هذا النحو، يتعلم كيفية صنع شعره عن طريق الحفظ والممارسة والرجوع الى القواعد المأخوذة من تجارب أسلافه. تطبيقا لهذا الجانب في الصنعة، يبين عصفور ان الشيخ حسين المرصفي صاحب الوسيلة الأدبية كان هو استاذ البارودي واحمد شوقي وان ابناء الجيل اللاحق تابعوا طريقة البارودي، وتعلموا بفضل استيعابهم ما في كتاب الوسيلة سر عظمة البارودي، واسرار الشاعر الناجح، فاندفعوا جميعا الى الموروث الشعري، فكان شوقي شاعرا راويا يكثر من القراءة والدرس، وبتلك القراءة انطبعت في ذاكرته أغلب صور الشعر العربي، وفعل حافظ ابراهيم الشيء نفسه فأكثر من قراءة كتب الأدب، وأطال النظر في كتاب الاغاني وقرأه مرات، وتحدث هو عن نفسه انه كان يطيل النظر في دواوين الشعراء، ويتخير من شعرهم، ويحفظ مايتخير.. اذ كان حافظ يتخير بذوق العصر، وروح العصر، وكان له حافظة قوية تسعف ذوقه وتلبي ذاكرته، ثم يتجلى ذلك في شعره. يواصل عصفور تشريح الوجه السالب للاستفادة فبعد حديثه عن تقاليد الصنعة التراثية، يتناول بعد ذلك الاطار التراثي للشاعر الاحيائي، والمعارضة والصنعة، وذاكرة الشاعر التقليدي، والوزن، وتوليد الصور التراثية في شعر البارودي، ثم وظيفة الشاعر الاحيائي، والصور الحجاجية في الشعر، وجمود القصيدة واشاريتها، والتصوير والمحاكاة، وأخيرا خصائص المخيلة التقليدية، ويحددها في مزالق التعميم في الشعر، وقصيدة المبالغة والافتعال، وصور التفكك والتناقض. القاهرة ـ «بيان الكتب»