بيان الكتب: كثرت الدراسات لدى المستشرقين عن ابن عربي، وذهب بعضها الى أن ابن عربي ترك تأثيرا كبيرا على دانتي شاعر الكوميديا الالهية، وهي قضية مازال الحديث موصولا عنها حتى اليوم.. الى جانب آخر، ظهرت منذ سنوات عدة، دراسة احصائية لمؤلفات ابن عربي، تلك التي لم تحص بعد احصاء نهائيا، واعتمدت هذه الدراسة على أسس علمية رصينة، يرجع الفضل فيها الى مؤلفها، عثمان يحيى، الذي بذل فيها جهدا علميا دقيقا، وفي هذه الدراسة بلغت مصنفات ابن عربي بعد استبعاد المتحول منها والمشكوك في صحة نسبته اليه، أكثر من أربعمئة مصنف، منها ماجاء في حجم رسائل صغيرة، ومنها مااشتمل على مئات الصفحات، بل على آلاف الصفحات، من أمثال الصفحات التي تكون بين أيدينا، كما هو الشأن في كتاب الفتوحات. رية (الولاية) عند ابن عربي، يأتي هذا الكتاب الذي يحمل ايضا اسم (الولاية) لمؤلفه ميشيل شود كيفيتش، وقام بترجمته أحمد الطيب، وعن المعالم البارزة في حياة الشيخ الأكبر ابن عربي يقول المؤلف: إنه محيي الدين أبو عبدالله محمد بن علي بن محمد بن العربي الحاتمي الطائي، ولد بمرسيه في السابع والعشرين من رمضان سنة 560 هجرية، السابع من أغسطس 1165 ميلادية.. ولد بعد عامين من البدء في بناء نوتردام بباريس، أبان حكم الملك لويس السابع في فرنسا، وواكب مولده فترة ضعف دولة المرابطين في الأندلس، وزوال دولتهم، ووصول الموحدين الى سدة الحكم بعدهم، كما واكب مولده ايضا نهاية الفاطميين في مصر، واستعدادات صلاح الدين لازاحتهم، ايذانا بشروق عهد الأيوبيين، كما تزامنت مع مولد جينكيز خان في سيبيريا الشرقية على شواطيء نهر (أونون).. وامضى ابن عربي فترة طفولته في اشبيلية مع اسرته، وسلك طريق القوم وهو في سن السادسة عشرة تقريبا، وبدأت صلاته تتوطد مع شيوخ الطرق من الأندلسيين، وتحدث هو عن نحو 50 شيخا من هؤلاء، ومن المحتمل أن يكون ابن عربي التقى بابن رشيد في هذه الفترة من حياته في اشبيلية، وليس في فترة العشرينيات من عمره كما ذهب البعض، غير ان هذا التحول الروحي في حياة ابن عربي قد أعقبه نوع من الفترة، وهي (الفترة المعلومة في الطريق عند أهل الله، التي لابد منها لكل داخل في الطريق).. لكنه يكاشف بما يضرم حماسه للعودة الى حلله الأولى.. فيخرج عن كل مايمتلكه من حطام الدنيا، ويسلك مسلك الزهاد، متخذا من المقابر والجبانات مسكنا ومأوى، ولما بلغ سن العشرين كان قد قطع سلسلة كاملة من المقامات الروحية، وهي منازل على طريق أهل الله، وحسب اصطلاحات الصوفية وقد انتفع في هذه الفترة بهبات كشفية وعلوم غريبة وأذواق عزيزة. ويقول المؤلف أن أي محاولة متزنة لرصد تاريخ الولاية في الاسلام، لابد أن يقوم أساسا على تاريخ الأولياء، وتاريخ لعلاقة الأمة، بأوليائها في نفس الوقت، كما ينبغي أن يكون تاريخا للمذاهب وللسلوك والاتجاهات معا، وتأسيسا على ذلك فإن كتاب (الولاية) هو حسب رأى المؤلف مساهمة موثقة، تتخذ من دور الأولياء في نشأة الطرق الصوفية، أساسا لفكرة الولاية. ويشير المؤلف الى أنه بالرجوع الى الولاية في الاسلام سوف نكتشف أن ملامح مفهومها وقسماته تتحدد على يد ابن عربي، ومن خلال أنظاره وتصوراته ستعرف انها حجر الزاوية في كل كتاباته، وانها قضية تنتسب الى مستوى علوم الاسرار، أو علوم التلقين، وهذا المستوى يقع في الجهة المقابلة لمستوى العلوم الميتافيزيقية الخارجية ويقول المؤلف: ان هذه القضية عولجت في نصوص عديدة من كتب ابن عربي دون أن يصرح بصورة منتظمة بمصطلح الولي أو يشير اليه بهذا الاسم، وانما ذكرها تحت اصطلاحات أخرى مثل عارف أو محقق، أو ملاحي، أو وارث، وذكرها بعض الأحيان تحت مصطلح، صوفي وعبد، أو حتى تحت مصطلح رجل (بمعنى الإنسان الكامل).. وعلى الرغم من هذه الاسماء الا أن المؤلف اقتصر في بحثه على النصوص التي تتضمن ذكرا صريحا لكلمة ولاية وكلمة أولياء. وفي فصل بعنوان (الحقيقة المحمدية)، يقول المؤلف: ان وراثة الولي لنبي ما من الانبياء هو في حقيقتها وراثة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم لأن الانبياء في واقع الامر وحسبما يقول ابن عربي: (نواب للنبي في عالم الخلق)، وهو صلى الله عليه وسلم، روح مجرد عارف بذلك قبل نشأة جسمه، قيل له: متى كنت نبيا؟ فقال: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين، أي: لم يوجد آدم بعد، الى أن وصل زمان ظهور جسده المطهر صلى الله عليه وسلم فلم يبق حكم لنائب من نوابه (...) وهم الرسل والانبياء عليهم السلام. وثمة نصوص أخرى يمدنا بها ابن عربي، تتحدد في ضوئها طبيعة (الحقيقة المحمدية) ووظيفتها، تلك التي جاء بها الانبياء، بدءا من آدم عليه السلام ليمثل كل منهم قبسا من نورها في فترة معينة من فترات التاريخ الإنسان. القاهرة ـ «بيان الكتب»