بيان الكتب: كثيرا مايشعر الفرد منا وهو ماضي في حياته اليومية فجأة وعلى غير موعد بالانقباض والحزن وكأن الحياة صارت ثقيلة مملة لا فائدة منها، أيضا قد يشعر الإنسان عندما يستيقظ من نومه بكثير من الألم والضيق والهم واسوداد الحياة في عينيه وكأنه قضى الليل كله في كد متواصل.. هذه الأحاسيس قد نرى انه ليس هنا مبرر لوجودها ولكن مؤلف كتاب (شخصيتك في الميزان) د.عبدالكريم دهينة يرى أن السبب الحقيقي في وجودها هو الطاقة التي نحيا بها ويطلق عليها (العقلية القوية المنظمة). يقول المؤلف: هناك شخص يتمتع بهذه الطاقة فيمضى يومه في انشراح وسرور ويشعر بالسعادة والارتياح ويقبل على الحياة راضيا لا يعرف السخط على نفسه، ويرى في شروق الشمس وغروبها جمالا وفي أفراح الدهر وأتراحه فلسفة، في حين نجد شخصا آخر على العكس من ذلك تماما لا يتمتع بهذه الطاقة بل أضاعها في صراع بينه وبينها كراكب السيارة الذي لا يتمتع بركوبها بل يريد فك بعض آلاتها أو تغييرها أو تجميلها بأشياء لا ضرورة منها، أي أن الشخص الذي لم يتمتع بطاقته وذهب مذاهب شتى في تعديلها أو تحويرها في صراع بينه وبين طاقته قلما ينتهي، فالشخص الذي يعتقد أنه سيئ الحظ ويسير في حياته على ضوء فلسفة الهم والغم هو شخص يسير بطريقة عمياء في حين أنه لو نظر الى الاشياء نظرة تحليلية وعملية وتصالح معها بدلا من تركها تهد قواه العقلية وتنخر طاقته النفسية فإنها ستسير في طريق مستقيم. ويوضح المؤلف في موضع آخر من الكتاب أن السلوك غير الملائم هو مصدر كل المشكلات النفسية التي قد تعتري الشخصية فمعروف أن الكائنات الحية تتفاعل مع البيئة وتتكيف مع ظروفها، والإنسان العادي يسلك في أثناء تعامله مع مايحيط به من الأشخاص نوعا من السلوك يسمى (التكيف النفسي) يوحي به الموقف ومايتطلبه من اجراء معين، فالإنسان في حال الفرح غيره في حالة الحزن وفي حالة الخوف، فلو سلك في أفراحه مايسلكه في أحزانه لا يعد هو نوعا من التكيف النفسي الذي يتطلبه العرف العام ويقتضيه الحال، فالبيئة الاجتماعية بما فيها من عادات وتقاليد متأصلة تتطلب من الإنسان ان يراعي مقتضياتها ليستحق أن يعيش فيها وليقبل الناس عليه راضين، والتكيف النفسي الذي يقوم به الفرد حيال عادات المجتمع وتقاليده يمنع الاخطار التي قد تحيط به اذا خالف ماجرى عليه العرف. وسلوك الفرد في الحياة يخضع لعوامل المجتمع التربوية التي تؤثر فينا أو ترجع الى ماورثناه عن آبائنا، فعلماء الوراثة أمثال جولتون وبيرسون يؤكدون أهمية الوراثة في تنظيم سلوك الفرد في حين أن علماء الاجتماع يؤكدون أهمية البيئة وانها المسئولة عن هذا السلوك ويقولون في علة تشابه الأحفاد بالأجداد في الصفات أن ذلك راجع الى البيئة التي عاشوا فيها، كما يقولون ان الشخص يرث عن آبائه الغرائز بقوة معينة أما توجيهها نحو الخير والشر فإنه يرجع الى حكم البيئة وقوانينها، والإنسان السوي من وجهة نظر المؤلف يتصف بمجموعة صفات تصور شخصيته واضحة مفصلة وبقدر هذا الوضوح يحتل مكانته التي تليق به كإنسان، فالإنسان لم يخلق عبثا يأكل ويشرب كما تتمتع الأنعام، ولكنه خلق لمهمة عليا ولن يصل الى قمة المجد في هذه المهمة الا بأن يعرف نفسه، ولن يعرف نفسه حق معرفتها الا بتكوين شخصيته، والشخصية تشير دائما الى نشاط الإنسان كله، أو الى الجهات من التكامل التي تميز الفرد عن قرينه ويرى العلماء انها هي مجموع الصفات والمزايا الذاتية والصفات العقلية والخلقية والجسمية والارادية التي يتوج بها الإنسان نفسه وتميزه عن الآخرين. وحتى نعرف شخصية الإنسان يشير الكتاب الى وجود طرق بحث الشخصية وهي تقوم على بعض الأسس منها الطريقة الذاتية بأن نسمح للشخص بالتكلم عن نفسه حديثا حرا لا دخل لأحد فيه، فيتحدث عن اتجاهاته وأمانيه وخبراته وميوله بحرية تامة وبعد ذلك نفسر نتيجة هذا الحديث تفسيرا جيدا لأن لقوله وطريقة حديثه وتلكوئه، قيمة عظيمة في فهم شخصيته، وتتفرع من الطريقة الذاتية عدة أفرع أهمها تاريخ الحالة ويشيع ذلك غالبا في دراسة الشخصيات غير السوية حتى تكون المعلومات التي يتم الحصول عليها ذات دلالة اكلينيكية للمفحوص لأن كثيراً من الاشياء في حياة الفرد قد يكون لها تأثير طفيف في شخصيته الراهنة أو في المشكلات التي يحتاج السيكولوجي الى فهمها. وهناك طريقة المقابلة بأن يجري حوارا مباشرا مع المفحوص لتحديد شخصيته وهي طريقة شائعة أكاديميا ولكن يعيبها الجمود الذي يتمسك به المختبر بالنسبة الى ماسبق أن حدده من اسئلة وموضوعات وتجرى اثناءها المناقشة موجهة لتحقيق هذا الغرض الذي يريده المختبر، ويتوقف نجاح طريقة المقابلة على الجو الذي يسودها واتاحة الفرصة للحديث بطلاقة وحرية مبنية على الثقة والشعور بالأمان تجاه المختبر، كما توجد طريقة الاستخبار وفيها يقدم للمفحوص سلسلة من الأقوال أو الأسئلة تصف انفعالات المختبر وضروبه السلوكية ومن أشهر هذه الاستخبارات (استبيان جيلفورد) إذ يقدم للمفحوص اسئلة يجيب عليها بنعم أم لا، وكل هذه الأسئلة تدور حول هذه العوامل، الانطواء الاجتماعي، الانطواء التفكيري، المزاج المتقلب. أما الطريقة الموضوعية للكشف عن شخصية الإنسان فلا تعتمد على أن يحكي هو عن نفسه وآماله ومكنوناته.. الخ، بل نعتمد على سلوكه الصريح الذي نكتشفه نحن أو يكتشفه الآخرون، انها تقوم على ملاحظة المفحوص في مواقف معينة من الحياة حيث تتفاعل سماته الخاصة وطباعه وعاداته وتربيته وغيرها من الخصائص التي تميزه عن غيره وهناك طريقة أخرى تسمى طريقة الملاحظة غير الملحوظة وفيها يترك المفحوص في حجرة مزودة بتعليمات أو بدون تعليمات ليؤدي بعض الأعمال ثم يراقب في مكان ما بواسطة مرآة وشاشة حتى يمكن تسجيل سلوكه كاملا وبدقة وهذه الطريقة كثيرا مايستعملها المعلمون لملاحظة تلاميذهم في أثناء الفسح حيث لا يجدون رقابة عليهم كاملة فيتركون أنفسهم على سجيتها حينما يلعبون ويضحكون ويمرحون. وأخيرا هناك الطريقة الاسقاطية ويرى المؤلف انها تتميز عن الطريقتين الأخيرين بأنها تحاول أن تحقق الموضوعية بمعناها السيكولوجي بدعوة الشخص تحت الملاحظة لأن يكون ذاتيا قدر المستطاع، وأن تتاح له حرية التخيل والتي تمهد السبيل الى اسقاط (الشخصية الحقيقية) فالفرد عن نفسه في مؤلفاته وفي نقده وطريقة تفكيره وسلوكه. القاهرة ـ «بيان الكتب»