يعبر مهر كستنائي اللون رمل الصحراء على قائمتين غير ثابتتين، فالحرارة شديدة للغاية، وأشعة الشمس تلسع كل ما تقع عليه، لكن هذا الحيوان الصغير لا يبدو عليه انه يلاحظ ذلك، فهو يطلق صهيلا ناعمة ويتجه نحو امه، ويبدأ بالرضاعة، غير آبه بما يجري حوله، وعلى بعد قرابة50 مترا، يجثو بيت سوايجرز على ركبتيه، واضعا كراسة ملاحظات على فخذه، ويسجل الوليد الجديد، ويهمس بلهجة ملؤها الفخر قائلا: «ذلك هو المهر السادس الذي يولد هذا العام». لقد شاهد سوايجرز، وهو مزارع وصاحب بيت للضيافة من جنوب ناميبيا، والجياد البرية في الصحراء الناميبية تتراجع بعدا عن حافة الانقراض فقبل عامين خفض جفاف استمر عاما كاملا اعدادها الى النصف ولم يبق منها سوى 70 جوادا وقام سوايجرز ومتطوعان اخرون على نحو يائس، بنقل اكوام من نبات الفصة الى الصحراء لوقف نفوق القطيع، وفي النهاية، انقذت الحيوانات هذه بفعل الامطار نفسها التي سببت كارثة لموزامبيق في بداية هذا العام والعام الماضي، ويقول سوايجرز: الان يوجد قرابة مئة حصان. يعتقد بعض الاشخاص ان سوايجرز والاخرين الذين يهتمون بهذه الحيوانات انما يضيعون وقتهم، ويذهبون الى القول ان الخيول ليست من الحيوانات الاصيلة في ناميبيا وان المنطقة المخصصة حصريا لها في اقصى جنوب منتزه ناميب ـ نوكلوفت من الافضل استخدامها كأرض زراعية، لكن الآراء المضادة قوية فالخيول الناميبية تعتبر الخيول البرية الوحيدة الباقية في القارة الافريقية برمتها، والاهم من ذلك هو انها توفر اطلالة غير عادية على كيفية تأقلم الكائن الحي حتى مع اقسى البيئات. وفي مزرعته، يحدق سوايجرز في منظر غروب الشمس الذي يسلب العقل في ناميبيا فالتلال الصغيرة ذات اللون البني الفاتح تبدو مثل سجادة مخملية كبيرة تحت الاشعة الناعمة للشمس الغارقة وراء الافق، ومن بعيد، يصعب تصديق مدى القساوة التي يمكن ان تكون عليها هذه الصحراء، فهذه المنطقة يضربها الجفاف الذي يمكن ان يستمر عاما كاملا من دون قطرة واحدة من المطر بشكل منتظم ثم هناك درجات الحرارة العالية جدا، وفي الليل، تنخفض درجة الحرارة في الغالب الى الصفر اثناء الصيف، بينما تصل درجة الحرارة في النهار الى 40 درجة مئوية في الظل، اما ظروف الشتاء فيمكن ان تتقلب بين المطر المتجمد في احد الاسابيع والحرارة العالية في الاسبوع التالي. اذن ما الذي يفعله قطيع من الخيول البرية في هذا المكان؟ يقول سوايجرز ان هذا هو السؤال الذي يريد الجميع اجابة له، ويضيف ان هناك قصصا عديدة، لكن معظمها يشير الى ان هذه الخيول وصلت في ايام الاستعمار ففي بداية القرن العشرين، قامت الجيوش الاستعمارية الالمانية بشحن عشرات الالاف من خيول سلاح الفرسان لسحق انتفاضات القبائل المتمردة ولاستخدامها، فيما بعد، في معارك الحرب العالمية الاولى ضد بريطانيا وهناك اسطورة مفادها ان رقيبا في سلاح الفرسان اطلق خيوله حرة عند اطراف الصحراء الناميبية قبل وقت قصير من استسلام المانيا في الحرب، وقيل ان كلماته الاخيرة التي قالها مخاطبا الصحراء كانت: استغليها بشكل افضل مما فعلنا نحن! وهناك رواية اخرى تشير الى ان الحيوانات الحالية هي نسل خيول استوردت في السنوات الاولى من القرن العشرين على يد المان كانوا يشقون سكة حديد بين كيتمانشوب وبلدة لوديريتز الساحلية وهناك روايات اخرى تربط وجود هذه الخيول بحدوث تحطم كارثي لاحدى السفن، التي كانت تنقل الخيول الى استراليا ونجاح الحيوانات في الوصول الى الشاطيء اما انصار النقاء الناميبي، الذين لايفضلون سريان الدم الاستعماري في عروق خيولهم الصحراوية، فانهم يقولون ان الخيول الناميبية جلبت الى هذه المنطقة على يد قبيلة ناما في اوقات سابقة، وقد لاتجد الحقيقة طريقها الى النور ابدا، لكن الدراسات التي تجرى على هذه الجياد بدأت تفصل الحقيقة عن الخيال. تجتمع الخيول في صحراء ناميب عند حوض ماء حجري قريب من سكة حديد متهدمة في مكان يعرف باسم جاروب، وهذا المكان يعتبر بمثابة واحة لخيول ناميب. تيلاني جريلنج تعرف هذه البقعة جيدا، فلقد قضت جريلنج وهي عالمة احياء من جامعة بوتشفستروم في جنوب افريقيا، سنوات عديدة تدرس سلوك الخيول، ووضعت خريطة بالمنطقة التي تجوبها، وراقبت كيف تنمو وتنضج وتتزاوج وشاهدت عاداتها في الشرب والاكل وبمقارنة سلوك هذه الخيول بتجمعات خيول برية اخرى والاجناس القريبة التي تعيش في المنطقة نفسها، مثل حمار الوحش والمها، تقدر جريلنج ان خيول ناميب اصبحت برية منذ اجيال فقط اي منذ ما يتراوح بين 80 الى 100 عام، واذا كانت تقديرات جريلنج صحيحة، فان هذا يستبعد امكانية ان تكون قبيلة ناما هي التي جلبت الحيوانات هذه الى البلاد. قد لاتكون هذه الخيول قديمة في اصلها، لكنها تغيرت بما فيه الكفاية في القرن الماضي، لكي تعتبر نوعا منفصلا ومميزا، وليس مجرد قطيع من حيوانات وحشية وفي عام 1994. قام جوس كوثران من جامعة كنتاكي في ليكسنجتون بمقارنة عينات دم اخذت من خيول ناميب مع عينات من سلالات الخيول الـ 121 المسجلة في بنك بيانات عالمي، وقد وجد عاملا في فئة دم الخيول سماه «9» وخلص كوثران الى ان عملية التحول الوراثي المسئولة عن العامل «9» لابد وانها نشأت بعد ان انعزل القطيع في الصحراء. ووجدت دراسة كوثران ايضا ان خيول ناميبا تتوالد داخليا بشكل كبير، ولا يسبقها في ذلك الا الخيول العربية الزرقاء في الولايات المتحدة وعملية التوالد الداخلية هذه خلفت لديها صفات وراثية تختلف تماما عن اي سلالة اخرى، واظهرت تحاليل كوثران ان التشابه الاعظم هو مع الخيول العربية من الولايات المتحدة ومع مجموعة اخرى من الخيول العربية من بولندا والمعروفة باسم «شاجياس». ضرار عمير ما الذي يربطها بالخيول العربية الزرقاء في أمريكا هل يهدر المهتمون بها بها وقتهم؟ كأنها جاءت من مجهول وحشي صحراء لا ترحم تعرف كيف تنتزع ضحاياها؟